|
مِصْر:
البحث عن حلول لأَزْمة السُّيُولة
-
حسن القَمْحاوي -
تصاعدت
أزمة السيولة في السوق المصري في الآونة
الأخيرة بشكل جعلها القضية الأولى في
اجتماعات رجال الأعمال والغرف التجارية
وتصريحات المسئولين الحكوميين، وقد زاد من
حدة أزمة السيولة التي بدأت في الربع الأخير
من عام 99 تزامنها من حالة الركود الشديد في
حركة البيع والشراء التي تهدد السوق المصري
حاليًا.
ولأول
مرة منذ بداية الأزمة يعترف المسئولون في
الحكومة بوجودها وتأثيرها على النشاط
الاقتصادي، وفي الوقت الذي يؤكد فيه
المسئولون بالبنك المركزي أن معدل النمو في
السيولة يتزايد سنويًّا بمعدل 2 مليار جنيه
شهريًّا، بينما لا يتعدى الطلب عليها هذا
الرقم، اعترف د.عاطف عبيد رئيس الوزراء بوجود
أزمة حقيقية في السيولة، لكنه قلَّل من درجة
خطورتها مشيرًا إلى أن الحكومة حددت أسبابها
لأنها حريصة على تنشيط حركة السوق؛ ولهذا
قررت ضَخَّ مليار جنيه شهريًّا بمعدل 24
مليارًا خلال هذا لعام إلا أنه لم يُكْشَف
النقاب من مصدر هذا الضخ، وما إذا كان سيتم
توفير هذه المبالغ من مصادر حقيقية أم بطبع
بنكنوت جديد، وهو الأمر الذي يترتب عليه
آثارًا تضخُّمِيَّة لا ترغب الحكومة فيها.
وأضاف
رئيس الوزراء في تصريحاته للصحفيين يوم
الجمعة 21 أبريل 2000م أنه تقرر تشكيل مجموعة عمل
بكل وزارة تضم ممثلين من وزارة التخطيط وبنك
الاستثمار والجهاز المركزي للمحاسبات لحصر
مديونيات الوزارة وإعداد برنامج زمني للسداد
وفقًا للأولويات، وذلك في اعتراف ضمني منه
بمسئولية الحكومة عن أزمة السيولة نتيجة
عجزها عن سداد مستحقات الشركات والجهات
الأخرى، والتي بلغت في قطاع المقاولات وحده 12
مليار جنيه تقريبًا.
من
ناحية أخرى اعترف أيضًا د.مدحت حسنين وزير
المالية بوجود أزمة في السيولة، لكنه طلب
القطاع الخاص بالوعي والحكمة وإدراك أن
الاقتصاد المصري دخل ما يسمى "بالدورة
التجارية" التي تعني الرواج في حركة
التجارة ثم الهبوط والعكس.
وقال
وزير المالية في تصريحات خاصة إن أزمة
السيولة ترجع إلى أمرين أساسيين هما لتوسيع
في الاستيراد والتخزين بعد الأزمة الآسيوية
للاستفادة من انخفاض سعر العملة، مما أدى إلى
تحويل السيولة المتوفرة إلى بضائع لا تجد من
يشتريها، وتتراوح قيمة البضائع المخزنة
وفقًا للتصريحات الحكومية بين 1.5 - 5 مليارات
جنيه.
ويتمثل
السبب الثاني في الإنتاج للسوق المحلي وليس
للتصدير، وبذلك تحول الائتمان الذي حصلت عليه
الشركات المنتجة إلى مخزون سلعي في الوقت
الذي تزايد فيه المخزون الخدمي نتيجة انخفاض
معدلات السياحة بعد حادث الأقصر، وكذلك تزايد
المخزون العقاري نتيجة التوسع في إقامة
الإسكان الفاخر وعدم دراسة احتياجات السوق.
وقال
وزير المالية إن كان الرهن العقاري المزمع
إصداره سيؤدي إلى توفر السيولة في السوق
وإحداث رواج عقاري، ومن المتوقع صدور هذا
القانون في الدورة القادمة لمجلس الشعب بعد
موافقة مجلس الوزراء عليه.
وأشار
الوزير إلى سبب آخر للأزمة وهو تزايد الإنفاق
الحكومي خاصة في باب الاستثمارات وعدم قيام
الحكومة بسداد مديونياتها، وقال الوزير: إن
الحكومة دفعت جزءاً من مستحقاتها لعلاج الأمة
بلغ 3 مليارات جنيه خلال الفترة الماضية، كما
سيتم ضخ ملياري جنيه شهريًّا حتى آخر العام.
ووعد
وزير المالية بانتهاء أزمة السيولة وعودة
الرواج إلى السوق مع بداية العام القادم.
على
الجانب الآخر جاءت تصريحات وزير الاقتصاد عن
الأزمة في لقائه بالمحررين الاقتصاديين
بنقابة الصحفيين في الأسبوع الثاني من أبريل
2000م مطابِقَةً للتصريحات السابقة، إلا أنه
ركز حديثه على مسئولية الحكومة قائلاً: لقد
اكتشفنا أن السبب الرئيسي في أزمة السيولة هو
عدم سداد الحكومة لمديونياتها المستحقة
عليها وتراكم هذه المديونيات يومًا بعد يوم؛
ولهذا تقرر سداد ملياري جنيه شهريًّا من هذه
المديونيات، إلا أن الوزير رفض الإجابة عن
تساؤل حول حجم هذه المديونيات والمصادر التي
تم السداد منها حاليًا خاصة في ظل الزيادات
الجديدة والموازنة لمواجهة الأعباء
الاجتماعية المترتبة على الإصلاح الاقتصادي
وتقدر بـ 2.5 مليار جنيه، حيث بلغ إجمالي
الأموال المخصصة للأعباء الاجتماعية في
الموازنة الجديدة 2000-2001 44.5 مليار جنيه.
وإذا
كانت تصريحات المسئولين الحكوميين قد ألقت
بالكرة في ملعب المديونية الحكومة وسياسة
الاستيراد والاستثمار التي يتبعها القطاع
لخاص، فإن العديد من الخبراء والكتاب يشيرون
بأصابع الاتهام إلى سياسات الحكومة
الاقتصادية عامة والسياسية النقدية بصفة
خاصة، وفي معرض ذلك يضيفون أسبابَا جديدة ذكر
بعضها إبراهيم نافع رئيس تحرير الأهرام في
مقاله الأسبوعي "بهدوء" عدد الجمعة
21/4/2000م، ومنها دخول الحكومة في عدد من
المشروعات العملاقة دفعة واحدة وفي فترة
قصيرة، كما أدى إلى خروج جزء كبير من السيولة
في صورة تمويل الاستثمارات والاستيراد
الآلات والمعدات من الأسواق الخارجية، فضلاً
عن تحويل الأموال إلى كيانات ومشروعات قائمة
لم تبدأ بَعْد في ضخ عائد يعوض ما أنفق فيها،
ومن بينها مشروع توشكى وترعة السلام وخليج
السويس وغيرها.
وكذلك
افتقاد القطاع الخاص للتنسيق مما ترتب عليه
إقامة مشروعات مكررة وزيادة العرض على الطلب،
ومن ثَمَّ الركود وتحول الائتمان إلى مخزون
سلعي، وقد ساعد على ذلك توسع البنوك في ضخ
الائتمان للقطاع الخاص دون دراسات كافية وعجز
العديد منهم عن السداد، وفي هذا الصدد تشير
النشرة الشهرية للبنك المركزي إلى ارتفاع حجم
الائتمان الممنوح للقطاع الخاص إلى 176 مليار
جنيه بنهاية عام 1999م، بينما تشير التقارير
الرسمية إلى أن نسبة القروض المتعثرة من هذا
الائتمان تتراوح بين 7%، 10% من حجم الائتمان
الذي يتجاوز حاليًا 212 مليار جنيه مما أدى إلى
وجود أزمة في السيولة.
وبالإضافة
إلى ذلك هناك أسباب أخرى تتمثل في اتخاذ
الحكومة قرارات لمعالجة اختلالات مالية
أثَّرَت سلبيًّا على حجم السيولة أهمها: قرار
تغطية الاعتماد المتدني في الاستيراد بنسبة
100% مما أدى إلى سحب السيولة من السوق، هذا
بالإضافة إلى العوامل النفسية والمعنوية
التي دفعت الأفراد إلى الاحتفاظ بالسيولة،
ويتوقع المراقبون استمرار أزمة السيولة
لفترة قادمة رغم الحلول الحكومية المعلنة.
اقرأ في المتابعات:
-
شَبَحُ التَّفَكُّك
يُواجِه طيران الخَلِيج
-
5.2 مليار دولار قيمة القِمَامَة العربِيَّة
-
السعودية: تنشيط السياحة عن طريق الاستثمار
-
عنان: العَوْلَمَة "شَيء
مُخْزٍ"
|