الكوميسا..
إنجازات محدودة وطموحات بلا حدود
عبد الحافظ الصاوي
ملامح تجمع الكوميسا تتحدد هذه الأيام حيث يجتمع في القاهرة الاثنين 28 فبراير 2000 -ولمدة يومين- رؤساء دول المجموعة ومسئوليها لمناقشة قضايا التجمع الخاصة والقضايا الاقتصادية العالمية وتأثيراتها على هذا التجمع.
وكما أعلن السيد عمرو موسى وزير الخارجية المصري في مؤتمر صحفي فإن المؤتمر الاقتصادي الأول للكوميسا يعقد تحت شعار "الكوميسا 2000" ويشارك في افتتاحه الرئيس المصري ورؤساء زامبيا وكينيا وملك سوازيلاند ووزراء الخارجية والتجارة والاتصالات في دول التجمع الـ 21، ونحو ألف شخص من مؤسسات الأعمال والبنوك والاستثمار والقطاع الخاص في إفريقيا والعالم العربي وأوروبا وآسيا وأمريكا اللاتينية والولايات المتحدة الأمريكية.
ويناقش المؤتمر على مدى يومين تحديات العولمة وفرص الكوميسا، وتطور أسواق رأس المال والاتصالات والنقل والموانئ وخصخصة الخدمات، وتكنولوجيا المعلومات والبنوك، والخدمات المالية والزراعية والبتروكيماويات والسياحة وتجارة النسيج ومستقبلها.
وكما قال السيد عمرو موسى أيضًا فإن المؤتمر لن يصدر بيانًا ختاميًا، ولن تخرج عنه توصيات أو يوقع اتفاقيات، وأيًا كانت النتيجة التي يمكن أن يسفر عنها المؤتمر فإن السؤال الذي يطرح نفسه، وهو: إلى أي مدى يمكن أن يتحقق حلم الكوميسا مع بداية الألفية الجديدة؟
وللإجابة على هذا التساؤل علينا أن نقلب صفحات الزمن الغابر من عمر الكوميسا لنتعرف على النتائج ونستشرف المستقبل من خلالها هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى علينا أن نقيم أدبيات ومراحل تجمع الكوميسا في ضوء أدبيات التجمع العالمية، وفوق هذا وذاك مصير الكوميسا في ضوء التجمعات الإقليمية المطروحة في المنطقة خاصة السوق العربية المشتركة والشراكة الأورومتوسطية والشرق أوسطية".
واقع الكوميسا ودلالات المستقبل
فيما يتعلق بالبعد الأول تشير التقارير إلى أن مصر هي الدولة الأكثر تقدمًا ضمن دول المجموعة، وأن إجمالي الناتج المحلي لها (88 مليار دولار في عام 1998) يزيد عن المجموع الإجمالي للناتج المحلي لدول المجموعة، وأن تجارة مصر الخارجية تقدر بنحو 40% من إجمالي تجارة دول المجموعة في عام 1997.
كما أن صادرات مصر لدول المجموعة لم تتجاوز 40 مليون دولار، وبلغت واراداتها منها حوالي 165 مليون دولار في عام 1997، وهناك توقعات بأن تصل تجارة مصر مع دول المجموعة إلى 750 مليون دولار في عام 2001.
ويشير تقرير جمعية رجال الأعمال المصريين لعام 1998 إلى أنه رغم كبر عدد الدول المشاركة في تجمع الكوميسا إلا أن إجمالي صادراتها لا يزيد عن 18 مليار دولار (بدون مصر) وقيمة واراداتها بلغت 24 مليار في نفس العام، ويؤكد أن أسواق دول المجموعة محدودة للغاية ولكنها تعد منفذًا واعدًا للصادرات المصرية، وخاصة أنه ليس هناك استثناءات سلعية كما هو الحال في اتفاقات المناطق الحرة التي توقعتها مصر حاليًا مع دول مجاورة، أو مثلما هو الحال في اتفاق إنشاء منطقة التجارة العربية الحرة الكبرى.
عدم التزام ومخالفات للاتفاقية!
نصت اتفاقية تجمع الكوميسا على إزالة كافة الرسوم الجمركية على التجارة بين دول المجموعة بحيث تصبح صفرًا في 1/10/2000 مع الالتزام بقواعد المنشأ التي حددتها دول المجموعة.
وفي هذا الصدد أشار تقرير حديث لجهاز التمثيل التجاري المصري إلى أن مدغشقر وكينيا بالإضافة إلى مصر هم الدول التي طبقت التخفيض في الرسوم بنسبة 90%، بينما خفضت سبع دول بنسبة 80%، وواحدة بنسبة 70%، وواحدة بنسبة 60% أما بقية الدول فلم تطبق أية تخفيضات حتى الآن.
وأشار التقرير أيضًا إلى أن سكرتارية المنظمة توافر لديها بيانات بأن بعض الدول الأعضاء خالفت التزاماتها، طبقًا للمادة 46 من معاهدة الكوميسا التي تنص على أنه ليس من حق أي دولة عضو رفع ضرائبها الجمركية منذ سريان اتفاقية الكوميسا، حيث قامت تلك الدول بتطبيق تعريفة إضافية جديدة على وارداتها من دول الكوميسا، مما أدى إلى تلاشي أثر التخفيضات التي تمنح لتلك الواردات، بل تبين في بعض الحالات زيادة قيمة هذه الرسوم عن قيمة الرسوم الأصلية قبل التخفيض وهذه الدول هي تنزانيا، أوغندا، زامبيا، كينيا، جزر القمر، بوروندي، وقد تراوحت زيادة هذه الدول لرسومها الجمركية ما بين 20 و30% معللة ذلك بحماية الصناعات الوليدة.
ولا شك أن هذا الواقع يلقى بظلال من الشك حول إمكانية تنفيذ خطوات التكامل بين دول المجموعة في أوقاتها المحددة، كما ينذر بإمكانية غلبت مصالح بعض الدول الخاصة على مصالح التجمع ككل مما يترتب عليه آثارًا سلبية كبيرة.
تجمع الكوميسا وأدبيات التكامل الاقتصادي
وضع تجمع الكوميسا أهدافًا محددة للوصول للتكامل الاقتصادي بين الدول المشاركة فيه تتمثل فيما يلي:
| 1 |
- |
الوصول لاتحاد جمركي بحلول عام 2004 وهو ما يعني أن تقوم الدول الأعضاء بصياغة تعريفة جمركية موحدة تجاه الواردات القادمة إليها من الدول غير الأعضاء في التجمع.
|
| 2 |
- |
إقامة اتحاد نقدي خلال أربع مراحل تنتهي عام 2025.
|
| 3 |
- |
الهدف النهائي هو الوصول إلى سوق إفريقية مشتركة.
|
ومن خلال استقراء أهداف التجمع السابقة وكذلك الممارسة العملية لدوله يمكن ملاحظة الآتي:
أولاً: أن تجمع الكوميسا يعيش أولى مراحل التكافل الاقتصادي، وهي إنشاء منطقة تجارة حرة كاملة، من خلال تخفيضات الرسوم الجمركية التي وصلت حتى الآن إلى 90% وفقًا للبرنامج المعد لذلك.
وتجدر الإشارة هنا إلى أنه يشترط لحصول المنتج على صفة المنشأ الوطني ألا تقل نسبة المكونة المحلي الداخلة في إنتاجه عن 35% (كانت النسبة سابقًا 45% ولكن قمة كوميسا الأخيرة وافقت على خفضها إلى 35%، وتحقق هذه النسبة إلى 25% كحد أدنى بالنسبة للسلع ذات الأهمية للتنمية الاقتصادية، وتوجد قائمة تضم 85 سلعة صناعية وهندسية تطبق عليها هذه النسبة.
ثانيًا: إن المرحلة الثانية وفقًا لأدبيات التكامل الاقتصادي هي إقامة الاتحاد الجمركي، وقد حدد تجمع الكوميسا عام 2004 لقيام هذا الاتحاد، وهذه المرحلة تعني -إضافة إلى ما تأخذ به منطقة التجارة الحرة من إلغاء للرسوم الجمركية والقيود الأخرى على انتقال السلع بين الأقطار الأطراف- التزام هذه الدول بتوحيد أنظمتها الجمركية، وتطبيق تعريفة جمركية واحدة في مواجهة دول العالم الخارجي، تحل محل التعريفات الجمركية الوطنية، وبعد قيامه تتولى جهة إقليمية (تشارك فيها الدول الأعضاء) إدارة السياسة الجمركية للجميع مما يمثل قدرًا من التكامل الإيجابي.
إلا أن البيانات المتاحة في هذا الصدد -والتي سبق ذكرها من خلال تقرير التمثيل التجاري المصري عن أداء دول الكوميسا- تشير إلى أن الاتحاد الجمركي قد يكون من الصعب تحقيقه أو قد يأخذ وقتًا أطول مما هو مقرر له، وربما تقوم الدول المتميزة اقتصاديًا داخل التجمع بمعالجة بعض الآثار السلبية للدول الأخرى التي تعاني من مشاكل اقتصادية لا تمكنها من الالتزام بمراحل التكامل الاقتصادي للتجمع.
ثالثًا: إن هدف إقامة اتحاد نقدي بين دول الكوميسا أتى في مرحلة متقدمة -في المرحلة الثانية- إذ تشير التقديرات إلى الانتهاء من قيامه في عام 2025 على أربع مراحل.
وهذا الإجراء يأتي -في ضوء أدبيات التكامل الاقتصادي وتجارب الدول الأخرى- في المرحلة الرابعة وهي مرحلة إقامة الاتحاد الاقتصادي، بينما أهداف الكوميسا جعلته في المرحلة الثالثة، تقام بعده السوق الإفريقية المشتركة في عام 2028 وإن كان الترتيب حسب الأدبيات الاقتصادية ليس شيئًا مقدسًا إلا أنه يجب أن يراعى الظروف الاقتصادية والترتيبات اللازمة لإقامة التكامل، إذ أن مرحلة الاتحاد الاقتصادي تقتضي التنسيق بين السياسات المختلفة للدول الأعضاء كالسياسات النقدية والمالية والزراعية وغيرها للقضاء على التمييز في المعاملة.
رابعًا: إن التجمع بجعله السوق الإفريقية هدفًا نهائيًا له، تنازل عن مرحلتي الاتحاد الاقتصادي -الذي أشرنا إلى مضمونه في الفقرة السابقة- والوحدة الاقتصادية التي تعتبر أقوى صدور التكامل، وهي تعني تحول الدول المندمجة إلى اقتصاد واحد.. تحدد سياساته المختلفة سلطة عليا تتكون من كافة الأقطار تكون قراراتها ملزمة بالنسبة لجميع الأعضاء.
وربما يرجع الاكتفاء بهذه الصورة من التكامل إلى قصر التكامل على جوانبه الاقتصادية فقط، إذ أن الدخول في المرحلتين الأخيرتين يتطلب التنازل عن السيادة القطرية لصالح مؤسسات إقليمية.
ورغم تلك الملاحظات السابقة فإن تجربة الكوميسا، إذا ما نجحت في الالتزام ببرنامجها الزمني تعتبر أولى صور التكامل التي تشهدها دول المنطقة، بينما لا زالت تجربة السوق العربية المشتركة متعثرة، ومنطقة التجارة العربية الحرة الكبرى في بدايتها.
وحتى ينجح هذا التجمع في تحقيق أهدافه لا بد أن يأخذ بعين الاعتبار تحسن المؤشرات الاقتصادية العامة لدول التجمع، إذ ليس من المعقول أن تحقق دول مراحل متقدمة على صعيد التصنيع والتكنولوجيا ودول أخرى لم تبدأ بعد هذه المرحلة، أو تحقق دول مستوى مرتفع من الدخل والنمو الاقتصادي بينما دول أخرى تعاني من أزمات اقتصادية ومستويات متدنية من الفقر.
ومن المؤسف أن الدول المتقدمة اقتصاديًا في الكوميسا لا يمكنها أن تعوض الدول الأخرى عن الآثار السلبية الناتجة عن انضمامها للتجمع، وهو الأمر الذي نلمسه من خلال تخلي بعض الدول عن التزاماتها التي تعهدت بها في التوقيع على الاتفاقية.
الكوميسا في ضوء البدائل الإقليمية المطروحة
شهدت المنطقة العربية والإفريقية في السنوات الأخيرة مجموعة من الطروحات لإقامة تجمعات إقليمية تضم بعض دول المنطقة، وتعزل بعضها وذلك بسبب التكوين الجغرافي لهذه التجمعات. وتنحصر هذه الطروحات في الآتي:
| 1 |
- |
تجمع الكوميسا.
|
| 2 |
- |
مشروع السوق العربية المشتركة.
|
| 3 |
- |
الشراكة الأورو - متوسطية.
|
| 4 |
- |
السوق الشرق أوسطية.
|
لكل من هذه التجمعات خصوصياته، إلا أن مشروعي الأورو - متوسطية والشرق أوسطية ينظر إليهما بعين الريبة لآثارهما السياسية والثقافية التي تؤثر على هوية المنطقة، ومن هنا ينظر البعض إلى أفضلية أن تتحقق السوق العربية المشتركة في المقام الأول ثم الكوميسا في المقام الثاني، وهذا التفضيل بغض النظر عن مدلولاته السياسية فإن له مبررات اقتصادية وهي أن اقتصاديات الدول التي تقع في تجمع الكوميسا أو السوق العربية المشتركة متقاربة ولا يخشى منها طغيان وسيطرة أحدها على اقتصاديات المنطقة.
ويجب ألا ينظر إلى هذه التجمعات على أنها تجمعات بديلة يغني أحدها أو بعضها عن الآخر، فتجمع الكوميسا يضم أربع دول عربية فقط هي مصر والسودان وجيبوتي وجزر القمر ولا يمكن بأي حال أن يتم عزل هذه الدول عن محيطها العربي.
أيضًا تضم الشراكة الأورو - متوسطية بعض الدول العربية المطلة على البحر المتوسط وتستبعد باقي الدول العربية، هذا فضلاً عن أن اتفاقية الشراكة ليست قاصرة فقط على البعد الاقتصادي ولكن لها أبعادها الأمنية والثقافية والسياسية. ولعل من أهم الانتقادات التي وجهت إلى الشراكة الأورو - متوسطية أنها جعلت من دول الاتحاد الأوروبي الـ 15 كيانًا واحدًا في مواجهة باقي الدول كل على حدة، ورفضت أن يكون هناك كيان أو رابطة تضم الدول العربية المشاركة فيها، مما يعطي دول الاتحاد الأوروبي فرصًا أفضل في أن تملي شروطها.
تلك المخاطر والثغرات تتوفر أيضًا في ذلك الطرح المسمى بالشرق أوسطية حيث أضافت إلى الدول العربية كلاً من إسرائيل وإيران وتركيا، وغنى عن البيان أن هذا التجمع سوف يعطي إسرائيل وضعًا مميزًا تستطيع من خلاله السيطرة على اقتصاديات المنطقة لما يتمتع به اقتصادها من معدلات نمو مرتفعة مقارنة باقتصاديات باقي دول المنطقة، ولا شك أن هذا الأمر سوف تكون له مردوداته السياسية التي ترفضها الدول العربية التي تشكل غالبية دول التجمع، هذا فضلاً عن أن قيام هذا التجمع مرهون بقصور محدد لعملية السلام لا توافق عليه إسرائيل الآن وتقدم تصورات مرفوضة تركز على الفصل بين المسار السياسي والاقتصادي، في حين ترفض غالبية الدول العربية هذا الأمر وتصر على أن تتم التسوية السياسية أولاً.
وإذا كان الحديث عن مشروع السوق العربية المشتركة يحمل تاريخًا مؤلمًا فإن المحاولة الأخيرة لإحيائه بإقامة منطقة التجارة الحرة قد تكون مقدمة لقيام هذه السوق، ولكن تبقى عقبة القوائم السلبية التي تضعها كل دولة عربية لحماية منتجاتها المحلية، كما يؤخذ على هذه المنطقة أنها تستغرق وقتًا طويلاً يستمر حتى عام 2007 وقد أكد وزير الخارجية العربي في هذا الصدد أن الشرق أوسطية لن تكون بديلاً عن السوق العربية المشتركة.
ومن هنا فإن دول المنطقة سوف يكون لها الخيار للانتماء لأي من هذه التجمعات بما يحقق مصالحها الاقتصادية مع مراعاة الأبعاد السياسية والأيدلوجية للدول العربية على وجه الخصوص.
وإذا كانت التجمعات الاقتصادية لها فوائد جمة فإن إقامة السوق العربية المشتركة سيكون أكثرها فائدة للدول العربية، كما أنه سيكون ورقة ضغط في مفاوضات تلك الدول مع التجمعات الأخرى المطروحة.
ولا شك في النهاية في أن نجاح قيام أي من هذه التجمعات يتوقف على حجم التبادل التجاري والاقتصادي بين الدول الأعضاء والرغبة الجادة في التوحد والذوبان وإزالة كافة القيود وهو الأمر الذي يظهر بصورة أكثر تفوقًا في حالة التكامل مع الاتحاد الأوروبي بينما يغيب إلى حد ما في حالة الكوميسا والسوق العربية المشتركة.. إلا أنه من المتوقع أن تكون للتطورات والأحداث على صعيد تلك التجمعات رأي آخر
بيانات أساسية عن الكوميسا 1998
- إجمالي المساحة
- عدد السكان
- إجمالي الناتج المحلي
- إجمالي الصادرات
- إجمالي الواردات
- إجمالي الدين العام الخارجي
|
12.9
380
165
24
39
130
|
مليون متر مربع
مليون نسمة
مليار دولار أمريكي
مليار دولار أمريكي
مليار دولار أمريكي
مليار دولار أمريكي
|
|
|
|
|