في العاشر من ديسمبر 1999، أعلن وزير الطاقة الأمريكي بيل ريتشاردسون (Bill Richardson) أن إدارة كلينتون ستستعد أخيرًا لمواجهة ارتفاع أسعار البترول العالمية، كان إعلانه المفاجئ كافيا لتخفيض الأسعار بنسبة 2%، ولدى الولايات المتحدة العديد من الاختيارات لتخفيض الأسعار لكنها -بلا ريب- ذات إمكانيات محدودة، فإدارة كلينتون المضطربة وغير المستقرة، يمكن أن تفتح الباب لاستنفاذ احتياطي دولتين غير مرغوب فيهما بقدر يكفي لتخفيض الأسعار هما إيران أو حتى-مما يثير المزيد من السخرية- العراق. بعد خطبة ألقاها وزير الطاقة الأمريكي بيل ريتشاردسون في العاشر من ديسمبر أعلن فجأة أن إدارة كلينتون مهتمة بشدة بقضية ارتفاع أسعار البترول العالمية، حيث قال: "الأسعار انساقت إلى أعلى مستويات الخطورة". وأضاف قائلا: "أنا مستعد للتوصية بالخطوات اللازمة لحماية المستهلك الأمريكي والاقتصاد الأمريكي ولقد أصبحنا في وضع خطير".
وقال ريتشاردسون: إنه من المحتمل أن يوصي البيت الأبيض بالاهتمام بالاختيارات الموجودة لخفض أسعار البترول من أجل الحفاظ على الأمن القومي الأمريكي.
ولقد أدى تصريح ريتشاردسون وحده إلى خفض أسعار البترول بنسبة 2% ولكن دون اتخاذ خطوات فعلية هامة، لن يستمر ذلك الانخفاض، ويبقى السؤال عن مدى استطاعة الولايات المتحدة -بمفردها- تخفيض أسعار البترول.
من ناحيتها فإن الولايات المتحدة تواجه خيارات عديدة ولكنها سوف تحتاج وقتًا ليس بالقصير لكسب تأييد كل من الكونجرس والشعب الأمريكي، كذلك ستحتاج وقتا للتنفيذ، فوق ذلك فإن رفع أسعار الوقود ومن ثم الحد من استهلاكه الأمر الذي يؤدي لاحقًا إلى خفض أسعاره سيصير معاكسا ومتناقضًا، وبينما نحن في مستهل موسم الانتخابات فإن ذلك التصرف يمكنه بسهولة أن يحكم على محاولة نائب الرئيس آل جور للوصول إلى البيت الأبيض بالإخفاق.
والولايات المتحدة الأمريكية ليست فقط غير راغبة في تخفيض الطلب، ولكنها أيضا غير قادرة على أن تقوم بفردها برفع كمية البترول المعروض على المدى القريب، وتوجد احتياطات عظيمة من البترول في الولايات المتحدة ولكنها غير مستثمرة، فتلك الآبار لا يمكن أن تجلب الربح إلا بعد أن ترتفع أسعار البترول العالمية ارتفاعا بارزًا أكثر من المستويات الحالية، وكذلك لا يمكن أن تستغل بسرعة، وتلك الخطوة ستستلزم تعاون بين منتجي البترول في الولايات المتحدة الذين ينعمون أيضا بأسعار عالية للبترول.
الطريقة الأسهل هو إطلاق سراح الاحتياطات الاستراتيجية بالولايات المتحدة، ولكن طبقًا لوكالة معلومات الطاقة الأمريكية فهذه الاحتياطات الاستراتيجية سوف يصل إنتاجها فقط إلى نسبة 3.9 مليون برميل في اليوم الواحد لمدة تسعين يوما، وهذا طبعًا لن يفعل شيئا يذكر في سد الطلب العالمي اليومي للبترول الذي يصل إلى حوالي 74 مليون برميل.
ومن المحتمل ألا تجد الولايات المتحدة مصادر إضافية للبترول الخارجي، وواضح أن دول الأوبك لن تؤيد الرغبة الأمريكية في تخفيض الأسعار خاصة بعد أن شفيت من عام كان مليئا بالتخفيضات، ودول الأوبك تنعم حاليا بفترة من التضامن والوحدة التي كانت دائما تتطلع إليها، ومن الظاهر أن دولًا أخرى مثل إندونيسيا والمكسيك والنرويج راضية بالدخل الإضافي الذي يصاحب أسعار البترول العالية، أما عن روسيا فهي أبعد ما تكون لتضحي أو تتكبد الآلام لتسهيل عملية ريتشاردسون خاصة في ظل الانتقاد الغربي المستمر لمجريات الأحداث في الشيشان.
من المحتمل -إذن- أن تجد واشنطن أفضل الاختيارات في أكثر الشركاء غير المرغوب فيهم، إيران والعراق، وإيران حاليًا تصدر أقل من إمكانيتها، ونتيجة للاستثمارات الأوروبية الأخيرة، فإن إيران لم يبق لها إلا نصف خطوة لتستعيد مكانتها كمصدر أساسي للبترول، وكذلك كقناة ناقلة لبترول وسط آسيا، وهذا كله ينتظر إلغاء العقوبات الأمريكية.
وفي صدد تلك الاختيارات السيئة الماثلة أمام الولايات المتحدة، فإنها قد تنظر بجدية إلى رفع العقوبات على العراق التي يقف احتياطها من البترول في المرتبة الثانية بعد السعودية، وبالرغم من أن البنية التحتية في العراق قد تعرضت للدمار نتيجة العقوبات التي استمرت لسنوات طويلة، فإن المحللين يتنبئون أنه بإمكان العراق أن تعود إلى مستويات الإنتاج لعام 1990 وذلك في خلال ستة أشهر. وبالطبع، فإن انخفاض أسعار البترول سيحدث قبيل التصدير.
ومثل هذه المراجعة للسياسة الأمريكية والتي غالبًا ما ظهرت كامتداد للبرنامج غير الفعال: "النفط مقابل الغذاء"، لن تتمكن فقط من تخفيض أسعار البترول، ولكن سيتبعها أيضا آثار سلبية هامة؛ إحداها يكمن في إعادة الدخل التركي من خطوط النفط العراقية التركية، والتي لم تعمل بطاقة كاملة منذ حرب الخليج، ونفس الشيء سيحدث لخطوط النفط العراقية السورية، أما عن واشنطن فهي تستطيع أن تستغل الفرصة لجذب سوريا إلى التسوية النهائية في مفاوضات السلام بالشرق الأوسط.
إن لم تستطع الولايات المتحدة فك القيود الحالية التي تفرضها الأوبك على الإنتاج، سيصير الاختيار المعقول الوحيد هو رفع كمية النفط في السوق العالمية، وإذا أخذنا هذا الاختيار في الاعتبار، فستصير الولايات المتحدة راغبة في فك أسر العراق مقابل شراء النفط بثمن بخس، وكذلك مقابل اقتناء الفرصة لاحتواء إيران، بالإضافة إلى كسب منافع جانبية من مساعدة تركيا ودفع عملية السلام في الشرق الأوسط إلى الأمام.
إن السخرية مذهلة، فالولايات المتحدة خاضت حربًا ضد العراق من أجل أن تضمن إنتاجًا مستقرًا ومستمرًا للنفط، والآن من المحتمل أن تسعى إلى رفع العقوبات عن العراق من أجل السبب نفسه
مواقع ذات صلة بالموضوع: