|
الدول
المتقدمة تُغذِّيه أم تطارده؟!!
الفساد
مارد يهدد التنمية
بقلم/ مغاوري شلبي
أراد أحد
رجال الأعمال أن يقدِّم رشوة إلى
موظف حكومي كبير ليحصل على تسهيل معيَّن،
وعندما دخل إلى مكتب الموظف غافله وألقى تحت
الكرسي الذي يجلس عليه الموظف مبلغ 50 ألف
دولار، ثم قال له: سيدي، لقد سقط منك على الأرض
مبلغ 50 ألف دولار، فردّ عليه الموظف الحكومي
الكبير قائلاً: لا، لم يسقط مني 50 ألف دولار،
ولكن سقط مني 100 ألف دولار!!، وذلك في إشارة إلى
أنه يريد رفع مبلغ الرشوة إلى 100 ألف دولار!.
والذي
يهمنا هنا من الزاوية الاقتصادية السؤال
عمَّا هي تكاليف أعمال الفساد، وتأثيرها على
اتخاذ القرارات الاقتصادية ومعدلات النمو،
وهل يتوقَّف أثر هذه الرشوة على أن رجل
الأعمال يتحمّل دفعها إلى الموظف الحكومي، أم
أن هذه النوعية من الفساد سوف تؤثر على
الاقتصاد القومي ككل، وعلى نوعية الحياة
الاقتصادية التي يعيشها أفراد المجتمع؟!
الفساد
قطاع عام وخاص أيضًا
إن
مفهوم كلمة "الفساد" يرتبط في الأذهان
بمفهوم "الشر"، ويعتبر أوضح وأقصر
تعريف للفساد هو التعريف الذي ورد في موسوعة
العلوم الاجتماعية، حيث يعرف الفساد بأنه:
"إساءة استخدام السلطة العامة لتحقيق كسب
خاص"، ورغم أن هذا التعريف يشمل الفساد
الذي يقوم به المسؤولون الوطنيون العاملون
بالحكومة، إلا أن هناك فسادًا يتمّ بالكامل
في نطاق القطاع الخاص، وأيضًا.. هناك فساد
متعدد الجنسيات يتم بين طرفين من دولتين أو
أكثر، والملاحظ أن حوافز الفساد تزيد عندما
يكون للمسؤولين الحكوميين من رجال السياسة
والاقتصاد والقضاء مساحة واسعة للتقدير
الشخصي، ولا توجد درجة مناسبة من الرقابة أو
المساءلة، وكذلك عندما لا يمكن الاطمئنان
لتفسيرات القانون أو لضمان تنفيذ أحكام
القضاء، وكذلك فإن الفساد لا يتمثَّل فقط في
المبالغ التي يدفعها رجال الأعمال في الخفاء
للمسؤولين الحكوميين، ولكن له تكاليف أخرى؛
حيث إنه يجعل رجال الأعمال والشركات تضيع
وقتًا طويلاً في التفاوض حول اللوائح
والقوانين، وقد أوضح مسح قام به البنك الدولي
أن حوالي 38% من المؤسسات الخاصة في الشرق
الأوسط وإفريقيا وأمريكا اللاتينية تضيع 15%
من وقت كبار المديرين فيها في التفاوض مع
المسؤولين الحكوميين، وهذه النسبة تصل إلى 52%
في الدول التي كانت تنتمي إلى الاتحاد
السوفيتي السابق، وذلك مقابل 10% في دول منظمة
التعاون الاقتصادي والتنمية.
الفساد
الكبير والفساد الصغير
يمكن
أيضًا أن نميِّز بين "الفساد الكبير"
الذي يقوم به كبار الموظفين والوزراء ورؤساء
الدول أو "الفساد الصغير" الذي يشمل صغار
الموظفين، والتفرقة هنا ليس مرجعها تفرقة في
الحجم، فالفساد الصغير يتعلَّق بإتمام
إجراءات روتينية على وجه السرعة أو عدم
إجرائها أصلاً، مثل الإجراءات التي يقوم بها
موظفو الهجرة والجمارك وأمثالهم، ولكن
الفساد الكبير يتعلَّق بالتأثير على اتخاذ
القرارات، مثل قرارات إنشاء المشروعات
الاقتصادية وترسية المناقصات والعطاءات،
وليس معنى ذلك أن نركِّز على الفساد الكبير،
ونتسامح مع الفساد الصغير؛ وذلك لأن كليهما
ضارّ بالاقتصاد، حيث يؤدِّي الفساد الصغير
إلى إلحاق ضرر بالغ بجودة الحياة للمواطن،
وخاصة الأفراد العاديين، أما الفساد الكبير
فمن الممكن أن يدمِّر الدولة بكاملها
اقتصاديًا، كما أنه في حالة انتشار الفساد
الكبير لا يكون هناك أمل في القضاء على الفساد
الصغير، وتفيد التجارب الدولية أن هناك
معايير معيَّنة للصفقات التي تجتذب الفساد
الكبير وهي:
*
حجم الصفقة: فلا بد أن يكون حجم الصفقة
كبيرًا؛ ليغري هؤلاء الكبار من الموظفين
والوزراء ورؤساء الدول، وإلا فلا داعي
للمغامرة.
*
التعمية: أي أنه كلما كانت الصفقة معقدة، وغير
مباشرة يقبل عليها الفساد الكبير؛ لأن
احتمالات الشكوك والتساؤل بشأنها ستكون
ضعيفة.
*
سرعة الحصول على العائد: لأن هؤلاء الكبار
يفضلون تقديم التسهيل المطلوب والحصول على
المقابل فورًا، ولن نجد وزيرًا أو رئيس دولة
يفضل تقديم تسهيل معيَّن مقابل الحصول على
رشوة خلال سنتين أو أكثر.
*
وجود وكيل: ففي حالة الفساد الكبير لا يتمّ
التعامل مباشرة بين مقدم الرشوة مثلاً
والمسؤول الحكومي الكبير، ولكن يكون هناك
وكيل عن المؤسسة مقدمة الرشوة، وآخر عن
المسؤول الحكومي الكبير، وبذلك لا تكون
المؤسسة قد أقامت علاقة مباشرة مع متخذي
القرارات، ولذلك يُعتبر استخدام الوكيل في
عمليات الفساد من أكثر العوامل التي تغذي آلة
الفساد الكبير في العالم.
الفساد
يضُرُّ الاقتصاد والمستهلك
إن
أهم الآثار الاقتصادية المترتبة على الفساد
هي الزيادة المباشرة في التكاليف، فإن مبلغ
الـ 100 ألف دولار التي دفعها رجل الأعمال إلى
الموظف الحكومي الكبير مقابل الحصول على
تسهيل معين، مثل الحصول على إذن باستيراد سلع
معينة من الخارج أو الحصول على مناقصة أو عطاء
معين لن يتحملها رجل الأعمال في النهاية،
ولكن في الغالب يتم نقل عبئها إلى طرف ثالث قد
يكون المستهلك أو الاقتصاد القومي ككل أو
كليهما معًا، حيث يقوم رجل الأعمال بكل بساطة
برفع سعر السلعة التي استوردها من الخارج أو
رفع تكلفة المناقصة أو العطاء؛ ليعوِّض ما
دفعه من رشوة، وذلك يعني أن المستهلك الذي
يشتري هذه السلعة هو الذي يتحمل عبء الرشوة،
وقد تتحملها ميزانية الدولة إذا كانت الحكومة
هي التي تشتري السلعة، إلى جانب ذلك.. قد
يؤدِّي استيراد هذه السلعة إلى زيادة الطلب
على العملة الأجنبية لإتمام الصفقة، وهو ما
يمثِّل ضغطًا على العملة المحلية، ويخفض
قيمتها، وهذا يعني أن الاقتصاد القومي ككل هو
الذي يتحمَّل عبء هذه الرشوة.
والأمر
الخطير في الفساد أنه يغير المعايير التي
تحكم إبرام العقود، حيث إن التكلفة والجودة
وموعد التسليم وغيرها من المعايير المشروعة
هي التي تحكم إبرام العقود في الظروف
العادية، ولكن في ظل الفساد يصبح المكسب
الشخصي لكبار المسؤولين عاملاً هامًا في
إبرام العقود، ويقلل من أهمية المعايير
الأخرى كالتكلفة والجودة وموعد التسليم،
وهذا يؤدي إلى اختيار موردين أو مقاولين أقل
كفاءة وشراء سلع أقل جودة، وكذلك يؤدي الفساد
إلى اتخاذ قرارات حكومية بإنشاء مشاريع أو
شراء سلع غير ضرورية وتأجيل مشاريع أخرى ذات
أهمية قومية، وهو ما نلاحظه بالنسبة لإعطاء
تسهيلات مصرفية كالقروض، وتسهيلات استيراد؛
سواء في الرسوم الجمركية أو شهادات المنشأ،
وشروط الإخراج وغيرها من التسهيلات لمشاريع
بناء المدن الترفيهية والسياحية والملاهي
وملاعب الجولف في دول نامية تعاني الفقر
وأزمة إسكان، وفي نفس الوقت لا يتم تقديم هذه
التسهيلات لصغار المقترضين أو المستوردين من
الشباب، أيضًا يلاحظ ذلك في قيام بعض الدول
بشراء معدات عسكرية تفوق القدرة الاستيعابية
لجيوشها، ورغم عدم وجود ضرورة لشراء تلك
الأسلحة؛ وذلك لأن هذه النوعية من المشروعات
والمشتريات تمكن من يتخذون القرارات
الحكومية من الحصول على رشوات كبيرة، وهو ما
يعني أن الفساد يؤدِّي إلى تشويه القرارات
الاقتصادية، ويجعل هناك عدم موضوعية في
الإنفاق العام؛ ولذلك يعتبر الفساد أحد أهم
العقبات أمام النشاط الاقتصادي، ويؤثِّر
سلبًا على دوائر الأعمال والاستثمار والنمو
الاقتصادي.
الدول
المتقدمة تغذِّي الفساد في الدول النامية
على
الرغم من أن رشوة المسؤولين تعتبر جريمة داخل
كل دول العالم.. إلا أن الدول المتقدمة لا
تعتبر رشوة مسؤول أجنبي خارج الدولة جريمة،
وأصبحت هناك مقولة شائعة في الدول المتقدمة
مفادها: "أن علينا عند التعامل مع الدول
النامية أن نتبع طريقها في إتمام الصفقات
والرشوة جزء من ثقافة هذه الدول"، وهذه
الحجة غير المنطقية يرفضها المهتمون بقضايا
الفساد في العالم، وكذلك يرفضها رجال الأعمال
والمسؤولون الحكوميون الأمناء في الدول
النامية؛ وذلك لأنه قد يكون الفساد أكثر
انتشارًا في الدول النامية عنه في الدول
المتقدمة، ولكن المؤكد أن الفساد ليس جزءاً
من ثقافة الدول النامية، وخاصة الدول
الإسلامية؛ لأن ثقافتها الدينية والتاريخية
تحرِّم الفساد بكافة أشكاله وتحرم الرشوة؛
سواء تمت داخل الدولة أو خارجها، على العكس من
ذلك.. نجد أن الدول الأوروبية تعتبر الرشوة
التي تدفع لمسؤولين خارج البلد بمثابة
مصروفات، وتقوم بخصمها من الضرائب التي
تدفعها الشركات والأفراد للحكومة، وهو ما
يعني أن الحكومات الأوروبية تدعم الرشوة
وتغذي الفساد في الدول النامية، ويعني ذلك
أيضًا أن الرشوة والفساد جزء من ثقافة
وقوانين الدول المتقدمة وليس النامية؛ ولذلك
قامت بعض الدول المتقدمة بتصحيح هذا الوضع
عندما قامت دول منظمة التعاون الاقتصادي
والتنمية بتوقيع اتفاقية تجرم تقديم رشوة
للمسؤولين في الدول النامية لإبرام الصفقات.
المؤسسات
الدولية وجزر النَّزاهة
لقد
اهتمت المؤسسات الدولية بالفساد، وفي
مقدمتها البنك الدولي الذي وضع تدابير مكافحة
الفساد على قمة جدول أعماله، وقد نشأ لهذا
الغرض هيئة دولية، وهي "مؤسسة الشفافية
الدولية"، وهي مؤسسة لا تسعى إلى الربح
ومقرها برلين، وتعمل على مكافحة الفساد في
مجال أنشطة الأعمال، ولها فروع في العديد من
دول العالم، وقد وضعت هذه المؤسسة مفهومًا
جديدًا يطلق عليه "جزر النزاهة"، وهو
عبارة عن ميثاق لمكافحة الرشوة في عقود
الصفقات العامة الكبيرة، وبناءً على هذا
الميثاق يلتزم كل الأطراف في عقد الصفقة؛
سواء رجال الأعمال أو المسؤولون الحكوميون
بعدم الحصول على أي شكل من أشكال التسهيلات أو
الرشوة أو عرضها في مجال العقد، وإذا خالف أي
طرف هذا الميثاق يتمّ وضعه على القائمة
السوداء للأنشطة التي تتسم بالفساد، ويتم
استبعاده من الحصول على أي عقود مستقبلية،
وفي السنوات الأخيرة.. أصبح هناك دور متنامٍ
للمؤسسات المالية الدولية التي تقوم بتمويل
المشروعات الكبرى في العالم، أو التي تقوم
بتقديم مساعدات للدول النامية؛ حيث بدأت في
وضع معايير تضمن استخدام ما تقدمه من أموال
ومعونات في الأغراض المحددة لها، وألا تستخدم
في إبرام صفقات بين موردين أو مقاولين يتسمون
بالفساد ومسؤولين حكوميين، كذلك قامت بعض
الحكومات ومنها الولايات المتحدة الأمريكية
بوضع تشريع لتشجيع ومكافأة من يقومون
بالإبلاغ عن رؤسائهم عندما يحققون أرباحًا
غير مشروعة باستغلال مناصبهم الحكومية،
ويسمونهم "من يطلقون الصفارة".
موقع
الدول العربية على خريطة الفساد
لقد
أنشأت هيئة الشفافية الدولية مؤشرًا دوليًّا
لقياس الفساد -تعده كل 5سنوات- وهو يغطي أكثر
من 54 دولة في العالم، وتنحصر قيمة هذا المؤشر
بين صفر و10 درجات؛ بمعنى أن الدولة إذا حصلت
على تقدير 10 درجات فهذا يعني أن هذه الدولة
نظيفة تمامًا من عمليات الفساد، أما الدولة
التي تحصل على تقدير صفر فهذا يعني أن جميع
الأعمال والصفقات في هذه الدولة خاضعة للفساد
والرشوة، وحتى الآن لم تحصل دولة في العالم
على تقدير 10 أو تقدير صفر، ولكن هناك دول
اقتربت منهما؛ فعلى المستوى العالمي.. تعتبر
نيوزيلندة أفضل دولة في العالم من حيث هذا
المؤشر، بينما تأتي نيجيريا في المؤخرة
وبينهما الدانمارك وبريطانيا وإسرائيل
وأمريكا واليابان وفرنسا وتركيا والهند.
أما
على مستوى الدول العربية.. فإن هذا المؤشر
يوضِّح أن الفساد الإداري لا يزال يمثل مشكلة
كبيرة في غالبية الدول العربية، وأن الوضع لم
يتحسن في كثير منها منذ عام 1985، بل على العكس
قد حدث تراجع في بعض الدول العربية.
مؤشر
النزاهة في دول أجنبية وعربية (1997)
-الدرجة النهائية 10 درجات-
|
تطور
مؤشر النزاهة في دول عربية
|
|
درجة
النزاهة في دول أجنبية
|
|
1997
|
1985
|
الدولة
|
|
1997
|
الدولة
|
|
4
|
3
|
الأردن
|
|
9.42
|
نيوزيلندة
|
|
2
|
2
|
الإمارات
|
|
8.44
|
بريطانيا
|
|
3
|
3
|
البحرين
|
|
7.76
|
أمريكا
|
|
3
|
4
|
الجزائر
|
|
7.71
|
إسرائيل
|
|
2
|
3
|
السعودية
|
|
7.05
|
اليابان
|
|
4
|
2
|
سوريا
|
|
6.96
|
فرنسا
|
|
5
|
1
|
العراق
|
|
3.54
|
تركيا
|
|
3
|
3
|
عمان
|
|
2.63
|
الهند
|
|
2
|
2
|
قطر
|
|
2.58
|
روسيا
|
|
3
|
3
|
الكويت
|
|
2.43
|
الصين
|
|
1
|
3
|
لبنان
|
|
1
|
باكستان
|
|
4
|
3
|
ليبيا
|
|
0.69
|
نيجيريا
|
|
2
|
2
|
مصر
|
|
|
|
|
3
|
2
|
المغرب
|
|
|
|
|
3
|
2
|
اليمن
|
|
|
|
المصدر: منتدى البحوث
الاقتصادية للدول العربية وإيران وتركيا – القاهرة.
ملحوظة: ارتفاع
قيمة المؤشر يعني حدوث تحسن في وضع الدولة،
وتراجع الفساد الإداري بها، والعكس صحيح
|