English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

انتفاضة الأقصى

اقتصاد الذات طريق الخلاص


عندما تتحرك مشاهد انتفاضة الأقصى الحالية أمام البصر تستدعي الذاكرة على الفور ذكريات الانتفاضة الأولى –ولا تكمن عظمة الانتفاضة سواء الأولى أو الثانية في شقها السياسي أو في صور التحدي والمواجهة بين الحجارة والأسلحة الحديثة الفتاكة فقط ، بل تكمن كذلك في المنهج الاقتصادي والاجتماعي الذي خطه المنتفضون- ربما بعفوية تدفعها الثقة في النفس لمواجهة جبروت المحتل ومحاولة النيل منه ورغبة كذلك في تطور الانتفاضة وتفعيلها، هذا المنهج رصده د.عبد الوهاب المسيري في كتابه "الانتفاضة-الفلسطينية والأزمة الصهيونية" ولا شك أن هذا المنهج الذي ترسخت معالمه في الانتفاضة الأولى يجري تنفيذه الآن في ظل الانتفاضة الثانية.

 اقرأ في هذا الموضوع:

1. المقاطعة: عف نفسك عما لا تنتج

2. التعاون: مفهوم اقتصادي جديد!!

3.عودة إلى الطبيعة: حجر وحمار وبئر

4.الاكتفاء الذاتي: الزراعة المقاومة وحدائق النصر

5. الانتفاضة .. مشروع حضاري عربي

1. المقاطعة: عف نفسك عما لا تنتج

أثبتت التجارب التنموية في العالم الثالث: أن "الحقائق الاقتصادية" وحدها لا تؤدي إلى شيء ولا تعبر تعبيرًا حقيقيًا عن مدى الاستقلال الاقتصادي إلا إذا كانت مصحوبة بتحرك على مستوى آخر هو مستوى الذات والنفس الإنسانية؛ فنتائج التقدم الاقتصادي مرتبطة بثورة التوقعات التي تخبرنا كتب علم الاجتماع أنها أساسية لعملية التحديث والتصنيع.

فثورة التوقعات تزيد من الشهوات التي تفتح بدورها الشهية التي لا يمكن أن يسدها شيء سوى مزيد من السلع: ومنها الفيديو والتكييف والأفلام الملونة وهذا الركام الهائل من مظاهر "التقدم" الأخرى، وما نرى من حولنا من أطلال.

وقد ذكرت "القبس" عن المجلة البريطانية "النيوستيتسمان" في عدد يونيو 1988 الذي أصدرته عن الانتفاضة الأولى: أن الحياة في الضفة والقطاع تتسم بمزيج فريد من الاستهلاك والتخلف بحيث ظلت الحكومة الإسرائيلية تقف عائقًا أمام الصناعة والخدمات في الوقت الذي استغلت فيه السكان كسوق مستهلك ومصدر للعمالة الرخيصة (المنتجة خارج الاقتصاد الوطني). أي أن الحياة في فلسطين المحتلة كانت مثل الحياة في كل بلاد العرب. وقد أدرك المنتفضون ذلك وعرفوا أن التبعية الاقتصادية مرتبطة بالتبعية الداخلية وبأنماط الاستهلاك الشرهة التي بدأت تؤدي بالعالم كله إلى حافة الخراب.

وقد وصف أحد الفلسطينيين الوضع في الأرض المحتلة بأنه كان سيئًا للغاية "فقد كنا نشتري الحمص الإسرائيلي الجاهز مع أنه أحد أكلاتنا القومية". ومعظم السلع الكمالية مثل الشوكولاته والآيس كريم والملابس والأثاث كانت إسرائيلية الصنع، والماركات المكتوبة بالعبرية والإنجليزية كان لها جاذبية خاصة. وكانت محلات البقالين تبيع مربى سويسرية وسلع أمريكية وإسرائيلية.

وقد حدد هشام عورتاني -وهو خبير اقتصادي فلسطيني في الأرض المنتفضة- خطة المنتفضين على النحو التالي: "إن الأمر يتطلب منا خفض مستويات معيشتنا بما يتناسب مع قاعدتنا الاقتصادية" فلا نستهلك إلا بقدر ما ننتج فنسترد الأرض والكرامة!".

وبالفعل بدأ المنتفضون يعدلون من أنماطهم الاستهلاكية. "وعندما أمر من أمام محل جزارة هذه الأيام أشيح بوجهي عنه". كما يقول "عزمي الخايل" الذي تعيش أسرته على العدس والأرز، وتطبخ طعامها على موقد من الحطب لتوفير الكهرباء. "ونحن على استعداد لتناول أوراق الشجر، وأن نتحمل المعاناة حتى يتم التوصل إلى حل".

وقد أصبح التقشف وما يصاحبه من رفض السلع الأجنبية عنصر ضغط اجتماعي؛ إذ يخجل الناس من حمل البضائع الإسرائيلية. ولكن ماذا عن هؤلاء الذين عاشوا في أمريكا (وكم منا يعيش في أمريكا دون أن يراها؟!) ويريدون "كتش آب" و"مايونيز"، فلابد أنهم يشعرون بالأزمة لاختفائها! فقال زيتون البقال: "إذا كان السبب في بقائهم هو "الكتش آب" فما حاجتنا لهم"؛ فالـ "كاتش آب" – كما نعرف – لا يصلح كأساس يستند إليه الالتزام الوطني – فهو غير الدم الذي يجري في العروق ثم يسيل على الأرض يرويها.

إن التقشف هو شكل من أشكال الانضباط الذاتي الذي يوسع رقعة الحرية والكرامة على الفور؛ إذ يستغنى الإنسان من خلاله عن كم كبير من السلع قد آسرته ووضعت القيود في يديه. ويسخر العقلاء دائما من مثل هذه المحاولات "المثالية" فهم واقعيون يعرفون النفس البشرية، وأنها في نهاية الأمر بئر لا قرار له. وأن الإنسان مادة مجموعة من الاحتياجات المادية التي لا يمكن إشباعها.

ولكن الانتفاضة مثل أي حركة ثورية تطرح رؤية جديدة للإنسان. وقد قال سمير جليلة -من منتدى الفكر العربي: "لقد اعتدنا في السابق على السخرية من فكرة المقاطعة؛ حيث كنا نعتقد أنه ليس بمقدور أحد أن يعود القهقرى في العالم الحديث، ولكن عندما يكون لدى المرء هذا القدر من الحوافز السياسية فإنه لن يحتاج إلى النظر إلى الأمور من منظور اقتصادي كلاسيكي". ينظر للإنسان على أنه كمجموعة من الاحتياجات المادية.

2. التعاون: مفهوم اقتصادي جديد!!

في تحرك المنتفضين على مستوى الذات يتجلى مفهوم "التعاون"، فبدلا من إدراك الذات كعنصر مستقل عن الآخرين وفي صراع معهم (وهذه أيضا هي إحدى عناصر النموذج المعرفي النفعي العلماني) تطرح فكرة الإنسان الذي يحقق ذاته من خلال الآخرين لا على حسابهم. وكما يقول الحاج عثمان (77 عاما): "إن النظام الاقتصادي الجديد مبني على المبادلة والتعاون والغيرية للأكثر حرمانًا"، والمحرك لهذا هو "مفهوم النخوة التي تدعو إليها العروبة". ويقول الحاج عثمان وهو يحمل دجاجة يربت على ظهرها: "إني استلهم نموذج الخليفة عمر بن الخطاب مثال الكرم في التراث الإسلامي" فالتعاون مثل التقشف له جذوره التراثية والدينية.

ومن الواضح أن المجتمع الفلسطيني لا يزال في رؤيته للإنسان وفي كثير من علاقاته الإنتاجية مجتمعًا تقليديًا. كما أنه من الواضح أنه بسبب الغزوة الاستعمارية الشرسة تمسك الفلسطينيون بكثير من أنماط الفكر التقليدي حتى لا يكتسحهم الفكر الوافد، وها هم يوظفون هذه الأنماط في عملية التحرر والتغيير.

وقد ظهرت أشكال من التكافل الاجتماعي الفريدة مع الانتفاضة مثل: تنازل أصحاب المنازل عن إيجاراتهم، وقيام مجموعة من وجهاء القدس العربية بمناشدة الملاك تخفيض الإيجارات على المحلات التجارية لغاية خمسين بالمائة لمساعدة التجارة المحلية على الاستمرار، أو مثل هذا اللحام الذي يدور وراء القوات الإسرائيلية التي تقوم بفتح أبواب المحلات العربية بالقوة وتكسرها وتكسر أقفالها فيقوم هو بإصلاح الأقفال ولحام الأبواب مجانا (هذا في الوقت الذي تبحث فيه إسرائيل عن عمال من الخارج ليحلوا محل العمالة العربية لأن المستوطنين الإسرائيليين لا يقنعون بالأجور المنخفضة ويصرون على الأجور المرتفعة حتى في ظروف الأزمة).

كما يلاحظ أن لجان الانتفاضة المحلية تضطلع بوظائف من قبيل التكافل الاجتماعي. ويلاحظ أن هذا الشكل من أشكال التكافل الاجتماعي، غير العضوي غير المركزي، هو إحدى سمات المجتمعات التقليدية الذي لا تلعب الدولة فيه دوراً أساسيًا، ولا توجد فيهم مؤسسات مدنية عديدة، فيلجأ الأفراد لمساندة بعضهم بعضًا بشكل عفوي تلقائي منظم! ومستوي التنظيم ليس عاليًا حتى يتسنى لكل فرد أن يعطي ما في وسعه، تماما مثل هذا اللحام الذي أشرنا له.

وأعتقد أن الاحتفاظ بالمؤسسات الوسيطة والتي تضم أفرادا خارج إطار الدولة، وهي المؤسسات التي قضت عليها عملية التحديث والعلمنة في الغرب، مسألة هامة للغاية في محاولة التوصل إلى صيغة جديدة لمجتمع عربي إسلامي حديث لا يسقط بالضرورة في التبعثر الذي سقط فيه المجتمع الغربي؛ حيث يجد الفرد نفسه وحيدا في جزيرة منغلقة على نفسها، تعاني من الاغتراب والعزلة وشتى الأمراض التي يحدثنا عنها الأدب الغربي الحديث وعلم الاجتماع، والتي يرى بعض علماء الاجتماع عندنا أنها "ثمن حتمي" للتقدم!

3. عودة إلى الطبيعة: حجر وحمار وبئر

عنصر هام من عناصر التخلص من التبعية الاقتصادية يأخذ شكل "عودة" محدد "للأرض"، ولطرق العمل التقليدية، وقد وصف سمير جليلة العملية بأنها: "عودة القهقرى" وهي عبارة تصلح مفتاحًا لفهم ما يحدث. ويستخدم عالم الاجتماع الأمريكي بيتر برجر – اصطلاح "الرجوع" عن "التحديث “demodernization ليصف بعض أشكال الاحتجاج في المجتمعات الحديثة بما في ذلك المجتمعات الغربية مثل أحزاب الخضر، وغيرها من الظواهر التي تطرح قيمًا مختلفة عن قيم المنفعة واللذة التي سيطرت على المجتمع الغربي ابتداء من القرن السادس عشر.

وقد استخدم الفلسطيني عبارة "عودة القهقرى" في مقابل فكرة "التقدم" إذ ثبت أن التقدم بالطريقة الغربية يعني تصاعد الاستهلاك التافه وتآكل مجتمعاتنا. ولكن عبارة "عودة القهقرى" تفيد أنها عودة للوراء فقط بلا اتجاه محدد، ولذا اقترح عبارة "العودة للذات" ونفض الغبار عنها واكتشافها وتوليد مناهج السكون والحركة منها. فالعودة هنا ليست عودة لا اتجاه لها؛ وإنما عودة لشيء محدد جدير بالعودة إليه، وهو عودة تحرر الإنسان من قواعد التحديث والتكالب على الجديد، وآخر صيحة وموضة، وهي قواعد وقيم مرتبطة بحركيات المجتمع الغربي وخصوصيته.

         العودة الآن ستحرر الإنسان من كل ذلك، وتجعله يكتشف أنماطًا أخرى للبقاء والحياة والتقدم والتوازن مع نفسه ومع الطبيعة، ومرة أخرى سنكتشف أن أشكال التخلص من التبعية التي توصل لها المنتفضون يشبه إلقاء الحجر وتتسم بنفس التكامل غير العضوي وتتسم بأنها غير مبددة للطاقة ولا تحتاج لجهد كبير وهي غير مستفزة للعدو، وتستفيد من حكمة الأجداد بدلا من أن تلقي بها في سلة المهملات؛ بحيث يصبح الإنسان العربي عاريًا أعزل. انظر على سبيل المثال استخدامهم "للطابون" و"الآبار" و"الحمير" كوسائل للمواصلات كلها أشكال تدل على الإبداع والرغبة في التحرر والاستمرار؛ فالفلسطينيون بانسلاخهم عن بعض أشكال العالم الحديث الذي صنع في الغرب أمكنهم أن يتحركوا بكفاءة شديدة، وأن يبطلوا مفعول الآلة التكنولوجية الشيطانية. فحينما "قطعت إسرائيل إمدادات البنزين عن الضفة الغربية ظهرت مئات الحمير في شوارع نابلس، وأثناء الحصار الذي كان يضربه الجيش حول القرى التي يضع أبناؤها الحواجز في الطرقات أو تعلن أنها أصبحت مناطق "محررة"، كان الجيران في القرى المجاورة يرسلون حميرا محملة بالمواد الغذائية، عبر التلال الوعرة وصولا إلى القرى المحاصرة.

ومن المفارقات: "أن إهمال الحكومة الإسرائيلية لقطاع الخدمات في الضفة الغربية قد انقلب لصالح الفلسطينيين، حيث تحصل معظم القرى على الماء من آبار محلية، كما لم يتم ربطها بشبكة الكهرباء الإسرائيلية. وكما تبين من خلال الحصار الذي كانت تضربه القوات الإسرائيلية حول القرى المحررة، فإن بعض القرى تستطيع أن تتحمل فترات طويلة من العزلة تقريبا".

ومن أنبل الأمثلة على "التحرر"، رغم القهر، ما فعلته قرية قبطيا التي قرر الجيش الإسرائيلي أن يضرب حولها حصارا يوم 24 فبراير 1988 لقيام أهلها بإعدام أحد العملاء الإسرائيليين. وقد قامت القوات الإسرائيلية بقطع الكهرباء والاتصال التليفوني والمياه. كما منعت السكان من الوصول إلى المتاجر التي يعملون فيها، وتم القبض على 400 شخص، بل وتطير طائرة استطلاعية فوق القرية من آونة لأخرى لإرهابها. ولكن القرية، كما تقول الجيروساليم بوست (9 إبريل 1988) ليست نادمة على قتل عميل الصهاينة، وقد حلت مشكلتها "بالعودة للطبيعة". فيقطع السكان أغصان الأشجار لتسخين المياه التي يحصلون عليها من الآبار، وللطهو كذلك. كما أنهم بدءوا يتعلمون أن يعيشوا على الثمار التي يجنونها من الأشجار. وقد تعلموا كذلك تهريب الطماطم من المدن المجاورة. وكما تقول الجريدة تأقلم سكان قباطيا على وضعهم الجديد، كما يقولون هم: "هكذا كنا نعيش منذ عشرة أعوام".

وهكذا يمكن توظيف انخفاض المستوى المعيشي في الحرب ضد القهر. ويمكن توظيف كفاءات "المتخلفين" في الوقوف ضد آلة القمع التكنولوجية. وقد قالت امرأة لمندوب الصحيفة: "بدلا من اللبن نعطي أطفالنا الآن الخبز والشاي. وسنصمد". وقال آخر: "نحن نثق في الله، هل يمكن أن نفعل شيئا آخر؟" ولنلاحظ كيف يتحول التوكل على الله إلى دعامة أساسية من دعائم الصمود والمقاومة.

وقال مهندس يحمل تحت إبطه صحيفة قديمة مهربة من مدينة مجاورة: "أن الموقف قد ألف بين الناس، وقوَّى من تضامنهم وحتى أولئك الذين لا يوجد عندهم ما يكفي من الطعام يقدمون يد المساعدة، ويعتقد الناس هنا أن مسألة أنهم يأكلون الزيتون بدلا من الخضار مسألة ثانوية. فثمة قضية أكثر أهمية بالنسبة لهم … ويمكننا أن نصمد لعدة شهور، بل وسنوات".        وقد لاحظ مراسل الجريدة وهو خارج من القرية المحاصرة أن بضعة صبية كانوا يتدربون بالنبال فوق التلال المجاورة. وكانت الحجارة تندفع من نبالهم مصفرة في الهواء نحو الوادي!

إن قباطيا تحت الحصار حرة تمامًا من الداخل، قادرة على أن تقف بكبرياء واعتزاز بالنفس أمام آلة القمع المتفوقة، مستمرة في حياتها اليومية بتعديل نمط حياتها قليلا وبتغيير معدلات استهلاكها وتوقعاتها من الدنيا – وهي تضحيات ليست بكبيرة على من يود العيش في كرامة ولو بدون مايونيز أو حتى مرسيدس!

بل يبدو أن هذا الشكل النضالي، أي إنشاء أنظمة بديلة، بدأ ينتشر في الضفة والقطاع في كل المجالات، فهناك أنظمة بديلة للمدارس والرعاية الصحية والشرطة؛ فعلى مقربة من مدينة رام الله أنشأ الأطباء والممرضون والممرضات عيادات في قرى عديدة لتقديم رعاية طبية مجانية على مدار الساعة، كما تقوم اللجان أيضا بتخزين المواد الغذائية والغاز والمحروقات والحفاظ عليها وإبقاء خزانات الماء وحمايتها، وجمع التبرعات والأغذية وإعادة توزيعها، وتقوم لجان الانتفاضة بممارسة نشاطات أخرى تدل على تزايد استقلال العرب؛ فعلى سبيل المثال تقوم لجان الانتفاضة بالضغط على المنتجين لتخفيض أسعار كل شيء من الخبز إلى الأدوية، وتنشر الصحف إعلانات تتضمن "توصيات" بالأسعار المقترحة مما يزيد من الضغط على التجار.

وتصدر لجان الانتفاضة أحيانًا قرارًا بأن تفتح المحلات أبوابها لمدة ثلاث ساعات فقط للتخفيف عن الناس ولضمان الاستمرار دون إفشال الانتفاضة أو الانحراف عن مبادئها. وهذا نموذج آخر للتكامل غير العضوي، ففتح الأبواب لمدة ثلاث ساعات هو انحراف عن الكلية العضوية والتماسك الكامل والاتساق العضوي، ولكنه انحراف يضمن الاستمرار؛ أي أن الرخاوة هنا هي مصدر الصلابة .ويبدو أن الإسرائيليين أدركوا طبيعة النموذج الكامن ولذا أصدروا نسخة مزيفة من البيان 21 تدعو إلى القيام بإضراب مدته 7 أيام، بينما يدعو البيان الحقيقي إلى إضراب يومي السبت والأحد وحسب.

وكان العدو يريد أن يفرض نموذجه العضوي حتى يمكنه أن يجهضه، كما أصدر الإسرائيليون قرارًا بأن المحلات التي تفتح يجب ألا تغلق أبوابها وإلا تعرض للغلق النهائي. ولكن لا تزال روح المقاومة عالية، وكان ذلك سببًا في قبض السلطات الإسرائيلية على العديد من التجار.

4. الاكتفاء الذاتي: الزراعة المقاومة وحدائق النصر

كل الأشكال التي يمكن ذكرها في مجال الاعتماد على الذات ما هي إلا تعبيرات ثانوية بالنسبة "للزراعة المقاومة" وإذا كان العدو الصهيوني يحمل الآن رشاشًا وحسب، فهو كان يحمل مسدسًا وفأسًا حين حضر من دار الحرب، إذ اكتشف أنه لابد أن يقوم بالزراعة والقتل في نفس الوقت حتى يضمن لنفسه البقاء؛ فعن طريق الزراعة يمكنه أن يطرد العرب من الأرض، وعن طريق القتل يمكنه أن "يدافع" عن نفسه ضد المطرودين. فالزراعة المسلحة (وهذا هو المصطلح الذي نستخدمه للإشارة لهذه الظاهرة) هي وسيلة الصهاينة للاستيطان والاحتلال.

في مجابهة هذا طوّر الفلسطينيون الزراعة المقاومة وهي زراعة ذات تراث طويل وإن اختلفت أشكاله، عمره من عمر الاستعمار الاستيطاني، وقد استفاد المنتفضون من هذا التراث وطوروه.

وأولى قواعد الزراعة المقاومة أن لا تبدد قطعة واحدة من الأرض؛ فلنكتشف إذن الأرض المهجورة البور وأحواض الزهور والساحات الخلفية للمنازل في هذه الأرض. وكما يقول الحاج عثمان: "يقوم شباب الحي بزراعة الهكتارين المحاذيين لداري، اللذين كانا حتى الآن غير مزروعين…، وبذلك يستفيد الجميع، ونطلق عليها حدائق النصر"

أما في بلدة بيت ساحور (وهي قرية بالقرب من بيت لحم) ففي محاولاتها أن تصبح مكتفية بذاتها تقريبا، استثمر أهالي البلدة أراضٍ وعمالة ومبلغ عشرة آلاف دولار أمريكي لضمان ألا تؤدي القيود الإسرائيلية المفروضة على توزيع المواد الغذائية والوقود إلى سحق الانتفاضة. ويستعمل الأهالي بذورًا وأسمدة ومعدات ري بسيطة تباع بسعر التكلفة في مشروع لتحويل الحواكير الفاصلة إلى صفوف منتظمة من الطماطم والخضراوات.

وقد تكونت مجموعة من ستة فلسطينيين يتزعمهم جاد إسحاق (متخصص في علم النبات وخريج إحدى الجامعات الأمريكية). وكان انطلاق المجموعة من حب الزراعة وجمال البيئة وبدءوا يزودون الناس بالبذور والشتل واستأجروا كوخًا لخزن البذور … وهكذا بدأت أعمالهم تتوسع وتمتد، وبدأ المتعاملون معهم يطلبون منهم المشورة الزراعية للمخصبات وطرق الري لزراعة الخيار والفجل والبقدونس والبقول الأخرى.

وقد ظهر بين المنتفضين اهتمام كبير بالأعمال الزراعية (وفي هذا شكل من أشكال demodernization ، فالاتجاه العام في العالم الحديث هو نحو الانتقال من الزراعة إلى الصناعة). وقد بدأ المنتفضون يعودون لوسائل الزراعة البدائية، فيقرؤون كتبا تعلمهم كيفية ري المحاصيل بواسطة علب العصير البلاستيكية المثقوبة.

ويرتبط بالزراعة المقاومة أشكال أخرى من المقاومة مثل تربية الدواجن والأرانب، وقد تعلم المنتفضون كيفية تحويل ثلاجة قديمة إلى حاضنة دواجن باستخدام مولد كهربائي بالاستعانة ببطارية سيارة وكمية كبيرة من ورق القصدير.

ونمط النضال هذا قد يكون أقل مباشرة من إلقاء الحجارة، وأقل إيلامًا إلا أنه أكثر قابلية للاستمرار على المدى الطويل، كما أنه يجسد وبشكل أعمق مسألة العودة للذات والتضامن الاجتماعي العميق. والزراعة مثل الحجر، تجعل الفلسطيني يشعر بالكرامة، ولكنها علاوة على ذلك توسع من نطاق حريته الفعلية. وإذا كان إلقاء الحجارة هو هجوم على الآخر يذكره بالوجود العربي فالزراعة المقاومة رمز هادئ على أن هذا الآخر لا وجود له، وإن وجد فلا جذور له، فهو مجرد شتلة تعيش في دولة الشتل المشتولة (الشتل هو إحدى مدن اليهود الصغيرة في بولندة وروسيا). وقد بدأ الإسرائيليون يدركون المعنى الحقيقي للزراعة المقاومة، واستجابتهم - كما هو الحال معهم دائما - هو مزيد من القمع.

وقد علق أحد المسؤولين على الزراعة المقاومة بقوله: إن القائمين على هذا النوع من الزراعة يشجعون السكان على "الانفصال عن السلطات الإدارية وهم يشاركون في الكفاح من أجل إقامة مؤسسات وتركيبات موازية في الأراضي التي يعيشون عليها، وهو الأمر الذي لا يمكن للمسؤولين الحكوميين الإسرائيليين أن يوافقوا عليه"، ولهذا تقوم القوات المسلحة الإسرائيلية بحراسة ماكينات الدراسة في القرى ويدور الجنود الإسرائيليون بحثا عن أحواض الخضر لقياس حجم الثمرة ومعرفة درجة اللون في ثمار البندورة.

وقد وجهت سلطات الحكم الإسرائيلي الاتهام لأهالي بيت ساحور بتشكيل "لجنة شعبية" ذات نشاطات ضارة في المجال الزراعي رغم عدم وجود قانون يحظر بيع البذور الزراعية، وبدأت السلطات الإسرائيلية في ممارسة حملة من الضغط بقيادة الحاكم العسكري للمنطقة، وقد حاصرت قوات الجيش منزل رئيس المجموعة دون إذن تفتيش أو أمر اعتقال، وقامت باقتياد جاد إسحاق إلى مقر الحاكم العسكري، وألقي به في إحدى الزنزانات.

ومما يجدر ذكره أنه رغم نجاح الانتفاضة في الانسلاخ عن التبعية الاقتصادية انسلاخًا جزئيًا، فإنه لا توجد بعد هياكل تنظيمية قادرة على تنسيق الإستراتيجية الاقتصادية لتحقيق الاكتفاء الذاتي بشكل أكبر، ولعل هذا هو أحد التحديات التي تواجه الانتفاضة وقيادتها في الداخل والخارج.

5. الانتفاضة.. مشروع حضاري عربي

إن تآكل شرعية الجيش الإسرائيلي أمام المستوطنين الصهاينة وأمام نفسه وأمام راعيه الأمريكي وتزايد الإبداع القتالي عند الفلسطينيين لهو دليل آخر على أن الانتفاضة ليست نتاج اليأس والإحباط، وإنما هي تعبير عن امتلاء بالنفس وثقة بها. ومن المهم للغاية في هذه المرحلة أن يقوم أحد مراكز البحوث العربية بتجميع المادة الصحفية والعلمية التي تتناول أساليب المنتفضين القتالية، وأن تطلب من العارفين بالانتفاضة أن يسجلوا معلوماتهم ثم تقوم بتصنيفها واستخلاص النماذج منها حتى يمكن تطويرها وتوليد أساليب جديدة منها، وبهذه الطريقة يمكن دفع الانتفاضة للأمام. أما من الناحية النظرية العامة فإن هذا الإبداع الفلسطيني الثوري هو أكبر دليل على أن نموذج الخصوصية الذي يرفض التبعية نموذج ثوري حي بمعنى الكلمة، وأن المدافعين عن الخصوصية العربية الإسلامية ليسوا من هواة "الأنتيكة" والأشياء القديمة وعبادة الذات والأسلاف، وإنما يطرحون فكرًا نضاليًا قادرًا على تحريك الجماهير من المسلمين والمسيحيين وتعبئتها في مواجهة العدو دون أن يفرض عليها صيغا انتحارية زائفة، وإنما يطرح عليها صيغًا انتفاضية ثورية حقة تضمن استمرار النضال واستمرار البقاء.

بل إنني لأرى النماذج المختلفة التي بوسعنا أن نجردها من دراستنا للانتفاضة وأساليب النضال التي ولدتها يمكنها أن تلقي أضواء على بناء العقل العربي وكيفية تفاعله مع بيئته واستجابته لها، ومتى يحاول هذا العقل تغييرها وما هي الطريقة التي يتبعها في عملية التغيير. وبالتالي فهذه النماذج تتجاوز الانتفاضة ذاتها وتصبح ذات فائدة ودلالة بالنسبة للمشروع الحضاري العربي ككل، وبالنسبة لمحاولتنا تجنيد الإنسان العربي لتنفيذ هذا المشروع للدفاع عن ماضيه وهويته ومستقبله المستقل   

 

اقرأ أيضا:

- مقاطعة فلسطينية شاملة للسلع الإسرائيلية

- فلسطين..حواجز اقتصادية في طريق الدولة

- زكاة الفطر في غزة تزيد الاستثمار عشرة أضعاف

- دعوة السلطة إلى عدم الاعتماد على القروض الخارجية

 

 

نماء

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع