|
النفط
العراقي:
ورقة
رابحة أفسدتها السياسة
نبيل
شبيب
بغداد
كانت المدينة التي استضافت مؤتمر
تأسيس منظمة البلدان المصدرة للنفط
عام 1960م ، وكان لذلك أسبابه الموضوعية
.. سياسيا في الدرجة الأولى، فمن
الناحية السياسية لم تكن السعودية
والكويت المشاركتان في تأسيس المنظمة،
قادرتين على الظهور في الواجهة في خطوة
كانت بمثابة إعلان الحرب على
الاستغلال الاحتكاري من جانب الشركات
النفطية الغربية، وكان عددها عشر
شركات فقط، وبقي دخلها من النفط الخام
لعدّة عقود يعادل أكثر من 150 في المائة
من دخل الدول المنتجة معًا .. كما تبدو
أهمية الجانب السياسي في قرار تأسيس
المنظمة ووضع العراق في الواجهة، أنّه
يعني وضع حدّ لفرض إرادة تلك الشركات
بعد أكثر من أربعين سنة، ومن ورائها
إرادة الدول الغربية التي تحتضنها
وترتب الانقلابات العسكرية من أجلها.
وظهر العراق في وضع مناسب لموقع
الصدارة نظرًا إلى دوره آنذاك في
معادلة القوى الإقليمية، بعد موجة
التحرر القومية من الاستعمار
التقليدي، البريطاني والفرنسي، والتي
صنعتها حرب القنال عام 1956 م، وكذلك من
خلال ظهور العراق عربيًّا في الكفة
المقابلة لدور إيران الشاه، ومن ورائه
الولايات المتحدة الأمريكية، التي
أعادته آنذاك من المنفى إلى العرش
بمؤامرة انقلابية، وبدأت في دعمه
لأداء دور شرطي الخليج الأمريكي
لترسيخ وراثتها الاستعمار القديم
وبداية ظاهرة الاستعمار الحديث عبر
سياساتها.
اقرأ في الموضوع:
النفط
العراقي .. مزايا أضاعتها الأطماع
الحصار
الثلاثي ضد النفط العراقي
الثروة
المشلولة .. أمل الغرب!!
مستقبل
الخليج وثروة العراق النفطية
النفط العراقي .. مزايا أضاعتها
الأطماع
العامل
السياسي لعب الدور الأكبر في اختيار
بغداد مقرًّا لتأسيس منظمة البلدان
المصدرة للنفط، أمّا على الصعيد
النفطي الذي كان أساس تكوين المنظمة
عام 1960 م ، فلم يكن العراق يحتل مركزا
متقدّما من حيث حجم الاحتياطي
والإنتاج والعائدات ، ففي ذلك العام
وحتى موجة ارتفاع الأسعار الأولى عام
1973 م احتل العراق على الدوام المرتبة
الرابعة بين الدول الخليجية الرئيسية،
بينما انتقلت المرتبة الأولى إنتاجا،
من الكويت عام 1960 إلى إيران حتى نهاية
السبعينيات، ثم إلى السعودية عام 1972 م.
رغم ذلك كان للنفط العراقي موقعه
المتميز؛ لأسباب عديدة، منها:
1-
رغم أنّ الاحتياطي النفطي العراقي
يأتي في المرتبة الرابعة بين دول
المنطقة، ويعادل الاحتياطي المعروف في
الإمارات تقريبا، فهو احتياطي ضخم لا
يُستهان به، يمثل أكثر من 10 في المائة
من الاحتياطي العالمي بمجموعه في
الوقت الحاضر، وترتفع هذه النسبة مع
اقتراب موعد نضوب الاحتياطي في مناطق
أخرى مثل بحر الشمال، كما تزداد أهمية
الاحتياطي في منطقة الخليج إجمالا،
لعدم توقع نضوبه خلال 70 سنة تقريبا.
2-
منذ عام 1925م وحتى عام 1947 م، كان
العراق بعد إيران هو المصدر الرئيسـي
الثاني لثراء الشركات النفطية
الغربية، وقد بلغت عائداتها آنذاك من
استغلال نفطه ما يزيد على حجم عائداتها
من السعودية والكويت معـا. في تلك
الفترة وحتى تأسيس المنظمة عام 1960 م،
أي خلال 35 عاما، حصلت الشركات من نفط
العراق على عائدات بلغت 2.5 مليار دولار
– تعادل بقوتها الشرائية مئات
المليارات في الوقت الحاضر- وحصل
العراق خلال الفترة نفسها على عائدات
بقيمة 1.9 مليار دولار. وتضاعف بعد عام
1947م تركيز الشركات على الكويت
والسعودية، فبدأت تحقق عائداتها عن
طريق النفط فيهما أيضًا، وبلغ حجم ما
حققته تلك الشركات حتى عام 1960 م ما
يعادل 4.4 مليارات دولار مناصفة بين
البلدين على وجه التقريب. وفي عام 1925كان
العراق –بالإضافة إلى البحرين- أوّل
بلد عربي خليجي حصلت الشركات النفطية
البريطانية والأمريكية في العهد
الاستعماري البريطاني على عقود
التنقيب عن النفط فيه، ثم تلت ذلك
السعودية فالكويت فقطر فأبو ظبي
وأخيرا عمان .. وليس مجهولا أنّ شركات
النفط العالمية كانت أوّل من تجاوزت
واشنطن ولندن في العمل من أجل الحفاظ
على مستوى من العلاقات مع بغداد، يضمن
لها " نصيبًا " من النفط العراقي
في المستقبل أيضا.
3-
تميّزت حقول النفط العراقية من قبل
تأسيس المنظمة بغزارة عطائها –
واحتفظت بهذه الميزة حتى حرب الخليج
الثانية ـ فكانت البئر الواحدة تعطي
يوميا أكثر من 13400 برميل، وتلت ذلك
الآبار السعودية في المرتبة الثانية
بطاقة 8100 برميل تقريبا، ويهبط الرقم
إلى 2100 برميل يوميا في كل بئر نفطية في
إيران، وللمقارنة كان عطاء البئر
النفطي وسط آسيا في حدود 150 برميلا، وفي
كندا في حدود 55 برميلا، وفي الولايات
المتحدة الأمريكية 15 برميلا فقط ..
وهذا ما ينعكس في معادلة الاستثمارات
ومردودها الاقتصادي خلال فترة زمنية
معقولة، فما يمكن تحصيله من بئر واحدة
في العراق يتطلب الحصول على مثله حفر
زهاء 900 بئر نفطي في الولايات المتحدة
الأمريكية.
5-
كانت أجور العمال في فترة تأسيس
المنظمة، لا تتجاوز في العراق ما يعادل
بقيمة الدولار 70 سنتا في اليوم الواحد،
وترتفع إلى أكثر من الضعف في الكويت
وثلاثة أضعاف في السعودية .. كذلك كان
يتوفر – نتيجة ظروف الاستقلال وسواها-
عدد أكبر من العمال المتخصصين
والخبراء المؤهّلين محليًّا في العراق
ممّا توفر في سواه، فكانت فرصة اعتماده
على قدراته الذاتية أكبر، وهو ما يمثل
درعًا وقائيا من الابتزاز الدولي عادة.
لقد وفرت هذه المعطيات وسواها للنفط
العراقي موقعه المتميّز من حيث حجم
التكاليف الاستثمارية التي تسبق
تكاليف الإنتاج والاستهلاك، وكذلك من
حيث تكاليف الإنتاج، والواقع أنّه
عندما تأسست منظمة البلدان المصدرة
للنفط كانت تكاليف اسـتخراج برميل
النفط في بلدانها الرئيسية في الخليج
تعادل 23 سنتا في السعودية، و10 في
الكويت، و 7 في إيران، و 4 سنتات في
العراق.
وتعكس
هذه الأرقام في الوقت نفسه حجم الضغط
الذي تعرّضت له تكاليف الإنتاج من جانب
الشركات الغربية وعلى امتداد عدّة
عقود سابقة، لا سيّما بعد أن تحوّل
الصراع بين تلك الشركات إلى تنسيق
احتكاري، بدأ تثبيت مرتكزاته الأولى
من جانب المسؤولين السياسيين وليس من
جانب رجال المال والأعمال كما تقول
شعارات تحرير المعاملات الاقتصادية،
فظهر ما سـمّي "اتفاقية الخطوط
الحمراء " بين بريطانيا والولايات
المتحدة الأمريكية عام 1928 م، وتناول
مضمونـها توزيع "الإرث النفطـي "
في الأقطار الناشـئة عن تقويض الخلافة
العثمانية، ومنذ ذلك الحين دخلت
الشركات الأمريكية في العراق بادئة
بحصة ناهزت 24 في المائة.
الحصار الثلاثي ضد النفط العراقي
كان التلاقي بين العراق من جهة
والسعودية والكويت وبقية دول الخليج
العربية من جهة أخرى قائما على ثلاثة
محاور رئيسية في فترة الازدهار
الذهبية لمنظمة البلدان المصدرة للنفط
بين عامي 1973 و1985 م، فمن جهة خفّت حدّة
الصراع التاريخي القديم بين "
التقدميين والرجعيين " بعد حرب 1973م ،
ومن جهة أخرى كان العراق في حاجة إلى
جسور العلاقات العربية في إطار الصراع
المرير بين جناحي حزب البعث الحاكم فيه
وفي سورية المجاورة، ومن جهة ثالثة لم
يفقد العراق دوره من وجهة نظر الحكومات
العربية على " الجبهة الإيرانية "
وهو ما استمرّ إلى ما بعد الثورة
الإسلامية.
وفي
إطار " الانسجام المصلحي " مع
الدول الخليجية الأخرى في عقد
الثمانينيات الميلادية ارتفعت حصة
العراق من الإنتاج والتصدير للنفط
الخام ، من 970 ألف برميل بقيمة 10
مليارات دولار إلى 3.5 ملايين برميل
إنتاجا منها 3.2 ملايين برميل
للتصدير بقيمة 16 مليار دولار
تقريبا قبل غزو الكويت. وواضح من
الأرقام أن هبوط سعر البرميل بدأ يترك
أثره بوضوح على حجم العائدات السنوية،
وهو ما أثّر على العراق تأثيرا مضاعفا
ليس بسبب نفقات الحرب ضدّ إيران فقط،
بل بسبب المشاريع التطويرية
والاستثمارات الداخلية أيضا، وهو ما
أعطى الخلاف شرارة أولى، حقيقية أو
مفتعلة .. سيان في هذا السياق فهو لا
يتناول تقويم الحدث سياسيا، وبالتالي
تصاعد الخلاف إلى غزو الكويت فحرب
الخليج الثانية.
والجانب
التطويري والاستثماري، أو توظيف
العائدات النفطية على هذا النحو هو في
مقدّمة ما ميّز في حينه الثروة النفطية
العراقية عن سواها. فقد استطاع العراق
الوصول إلى مستويات متقدّمة في
الميادين الصناعية والتقنية
والزراعية، وحقق التنوّع الاقتصادي
الذي تفتقر إليـه دول نفطية أخرى، ولا
تتحقق " دورة للتقدّم " من هذا
القبيل، دون أن تتوفر عدة عوامل، تكون
بصورة متوالية وفي الوقت نفسه، نتائج
ناجمة عن تطوّر سابق، ومنطلقات راسخة
للتخطيط الآني، ومقدّمات ضرورية
للتطوّر التالي .. وهذا بغض النظر عن
الوجه السياسي للحكم القائم سلبا
وإيجابا، أو يصبح لتأثير هذا الجانب
مداخل أخرى كالتي شهدناها في العراق
وسواه. المهمّ هنا أنّ التقدّم المتحقق
رافقه عوامل أساسية في مقدّمتها:
-اتساع
نطاق البنية التحتية والمنشآت العامة
..
-وفرة
الاختصاصات العلمية ومراكـز البحوث
والتطوير ..
-ارتفاع
مستوى الكفاءات الإدارية والاقتصادية
..
-توفر
مصدر التمويل الذاتي عبر العائدات
النفطية ..
-تأمين
الطاقة العسكرية الكافية لوقاية
البلاد من عدوان خارجي .. في حدود
المحتمل وقوعه بالموازين الراجحة.
لقد أصبح العراق رغم حربه الطويلة مع
إيران، ونتيجة اعتماده على ثروته
النفطية وطاقاته الأخرى الذاتية، في
موقع دولة "على طريق التطوّر "
كما شاع في وصف بعض الدول النامية في
جنوب شرق آسيا وأمريكا الجنوبية، مع
فارق رئيسي، وهو أنّ الوسط الإقليمي
المحيط بالعراق، يختلف عن الوسط
الإقليمي الذي توفّر في تلك المناطق،
فالدول المجاورة والقريبة من العراق،
كانت إما على نزاع سياسي وأمني مع
العراق، بغض النظر عن مستوى التقدّم
فيها، وإمكانات التكامل لتشكيل تكتل
إقليمي فعّال معها، أو بقيت متخلّفة
تقنيًّا وإنتاجًا وطنيًّا على أي حال،
فلم يكن عنصر الخلاف أو الاتفاق
السياسي حاسما بصدد العلاقات معها.
لقد
اجتمعت بذلك ثلاثة عوامل من وراء تدمير
قيمة الثروة النفطية العراقية وحصار
قابلية توظيفها لتحقيق أهداف قويمة،
وهي:
-
الحكم الحزبي العسكري داخليا ..
-
والظروف الإقليمية على النحو المشار
إليه ..
-
ثمّ ما يوصف بالمصالح الدولية ..
وينبغي
هنا التأكيد أن المقصود بهذا التعبير
واقعيا هو السياسة الغربية،
الاستبدادية عالميا، الاستغلالية
اقتصاديا، وقد استقرّت آنيّا على
زعامتها الأمريكية، وترى في أي دولة في
المنطقة، أيا كان نوع حكمها أو
علاقاتها بجيرانها أو حتى علاقاتها
بالغرب نفسه .. ترى فيها إذا كانت قوية
اقتصاديًّا وعلميا وعسكريا، خطرا على
المصالح الدولية – أي المطامع الغربية
ـ في منطقة الخليج النفطية، وعلى
الركيزة العسكرية الرئيسية للسياسة
الغربية في المنطقة، المتمثلة في
الكيان الإسرائيلي بفلسطين.
لقد ساهمت العناصر الثلاثة المذكورة،
من الداخل وإقليميا وعالميا، في صناعة
الأحداث، ومن المؤكّد أنّ الأهم بكثير
من تحديد النسب المئوية لإسهام كل من
هذه العناصر في مجرى الأحداث منذ عام
1990 م، هو رؤية النتائج في المنطقة، بما
في ذلك – في حدود الموضوع المطروح هنا-
الوضع الراهن للثروة النفطية العراقية
والاحتمالات المستقبلية.
الثروة المشلولة .. أمل الغرب!!
بغض النظر عن غزو الكويت بات هدف
القضاء على عوامل التقدّم الأساسية في
العراق- المذكورة أعلاه - هو المطلوب
غربيا، ولهذا أيضا كان أسلوب التعامل
العسكري أثناء حرب الخليج الثانية، ثم
بعد الحرب عبر مجلس الأمن الدولي
وبصورة مباشرة من جانب الولايات
المتحدة الأمريكية وبريطانيا،
أسلوبًا لا يكتفي بتحرير الكويت وضمان
أمنها كحق مشروع، وإنما يتضمّن بصورة
منظمة مدروسة العمل للقضاء على الأسس
التي يمكن الاعتماد عليها في العراق في
المستقبل المنظور على الأقل، لتتجدّد
القوّة الاقتصادية والتقنية –لا
العسكرية فقط- وهذا سواء استمرّ ما
يسمّى بالعقوبات الدولية أو سقط بصورة
من الصور .. وبتعبير آخر يراد الوصول
بأي ثمن لأقصى درجة ممكنة من الإضرار
بأسس إعادة البناء المحتملة، واتخاذ
أقصى ما يمكن أخذه من الأسباب لسدّ
الأبواب أمام تعويضها مستقبلا، وذلك
قبل أن تتساقط إجراءات المقاطعة
رسميًّا عبر مجلس الأمن، أو عمليًّا من
خارج نطاقه، كما يشهد استقبال بغداد
لموجة الطائرات المدنية المتتالية،
وربما لموجة من الزيارات السياسية
المحتملة في الوقت الحاضر.
علاوة
على ما لا يوصف من مآسٍ إنسانية، ليست
موضع الحديث هنا، وما وجدت إلى الآن ما
هي جديرة به من المتابعة على مختلف
المستويات، فإنّ ما حققته الحرب
وإجراءات المقاطعة والحصار، وغارات
الاستنزاف الجوية، هو في الدرجة
الأولى إصابة الاقتصاد العراقي
بالشلل، وبأسلوب يتجاوز مفعوله عمدا
حدود النتائج الفورية .. كما يتجاوز
الحدود الجغرافية نفسها .. كما تشهد
أوضاع المنطقة برمتها اقتصاديا
وسياسيا.
الحرب
لم تتوقف عند حدود تحرير الكويت، ولم
تتوقف عند حدود توجيه ضربة قاصمة
للتسلّح العسكري، الهجومي والدفاعي،
المتطوّر وشبه المتطوّر، بل توجّهت من
البداية وما زالت متواصلة حتى الآن،
لضرب البنية التحتية أولا، والطاقة
البشرية، الاختصاصية والعاملة ثانيا،
والقضاء على المنجزات التقنية التي
يمكن أن تترتب عليها استعادة القدرة
على التحرّك ثالثا .. وهذا بغض النظر ما
إذا كان التنفيذ يجري باسم إجراءات
دولية أو اعتداءات أمريكية وبريطانية،
فالمهم هو الحصيلة، والحصيلة هي –في
حدود التقدير البشري للأسباب والنتائج-
شلل اقتصادي الآن .. وفي المستقبل
المنظور.
ولم يكن هذا مجرّد تطوّر من قبيل
الأفعال وردود الأفعال التلقائية،
سواء وصفت بالمزاجية أو العشوائية،
وسواء نُسبت إلى " حاكم استبدادي "
أو " دولة عظمى استبدادية "
إنّما تظهر معالم التخطيط والتنفيذ
الدقيق كلما ازداد الاطلاع على
التفاصيل، وبغض النظر عن الموقف
السياسي والتأييد أو المعارضة،
فالأرقام والتواريخ الزمنية والأقوال
الرسمية تحدد منهجيا صورة كاملة، لصنع
المأساة صنعا، من أول منطلقاتها حتى
آخر نتائجها؛ ولهذا كان لا بدّ لعدد من
المسؤولين الدوليين أن يتقدّموا
باستقالاتهم ويعلنوا احتجاجاتهم على
الوسائل المتبعة، والمتناقضة مع ما
كانوا يكلّفون به تحت عناوين مواثيق
دولية والتزامات إنسانية، وكان من
أبرز الأمثلة أو الأدلة على الأسلوب
المتعمّد المتبع وأبعاده، تقرير بينون
سيفان، المسؤول عن إدارة برنامج ما
يسمى "اتفاقية النفط مقابل الغذاء
" في منتصف آب / أغسطس 2000 م؛ إذ قال:
إنّ عقود الشراء التي يجري تعطيلها في
اللجنة الدولية المعنية باعتراضات
أمريكية وبريطانية، تمثل عشرة في
المائة فقط من العقود التي يجري
تمريرها ولكنّ الأهم من ذلك أنّها
تعطل سواها، فهي تمنع مثلا استيراد ما
يسمح بتسيير شاحنات معطّلة، ولا يمكن
نقل الأغذية والأدوية دون شاحنات، كما
تمنع قطع الغيار لإصلاح المنشآت
النفطية، فكيف يتم إنتاج النفط
وتصديره للحصول على المال اللازم
المسموح رسميا بالحصول عليه، فلا
غرابة إذن ألا يتمكن العراق في الوقت
الحاضر ورغم الرغبة العالمية الجامحة،
من تصدير أكثر من 1.3 مليون برميل يوميا،
رغم إمكانية تصدير 1.7 مليون برميل
وفق الاتفاقية المشؤومة المذكورة،
ويلخص سيفان الوضع أو حصيلة السياسة
المتبعة بقوله: " العراق ينتج ويصدر
النفط بتكلفة عالية للغاية، فهو يدمّر
آباره وبعضها بشكل غير قابل للإصلاح".
ليس هذا نتيجة عشوائية لسياسة دولية
خاطئة، بل هو المطلوب من الأصل .. ولا
يسمح الإيجاز ببيان مدى تعارضه
المباشر، ليس مع نصوص المواثيق
الدولية فحسب، بل حتى مع نصوص القرارات
الصادرة عن مجلس الأمن الدولي، والتي
يتناقض من الأصل كثير من محتوياتها مع
ما تقرره مبادئ الشرعية الدولية في
المواثيق تناقضا صارخا.
مستقبل الخليج وثروة العراق النفطية
في هذه الأثناء اختلفت المعطيات في
أسواق النفط العالمية وبالنسبة إلى
مواقع منظمة البلدان المصدرة للنفط
منها، عما كان عليه الوضع عام 1990 م، ومن
ذلك باختصار:
1
- عالميا .. اقترب موعد نضوب الاحتياطي
النفطي في مناطق رئيسية عالميا، كما هو
الحال مع الولايات المتحدة الأمريكية
وبحر الشمال، فقبل حرب الخليج كانت
الفترة المتوقعة بين 25 و30 عاما، وهي
الآن بين 15 و20 عاما ..
2
- وعالميا .. ما زالت الأخطار محيطة
بحصيلة الجهود الأمريكية والروسية
لتحويل منطقة بحر قزوين بثروتها
النفطية إلى بديل عن نضوب
الاحتياطي في مناطق أخرى كيلا يزيد
ارتباط الدول الصناعية بنفط الخليج
على وجه التخصيص ..
3
- وإقليميا .. بلغ حجم الإنتاج في معظم
دول المنظمة حدّ الطاقة القصوى
المتوفرة تقنيا، بينما كانت العائدات
منخفضة إلى درجة حالت دون استثمارات
تطويرية للمنشآت ..
4
- وإقليميا .. بلغ ضغط الديون وعجز
الميزانيات مداه بالنسبة إلى الدول
النفطية التي راعت " المصالح
الغربية " أكثر مما ينبغي، وعلى حساب
المصالح الذاتية، وهو ما لا يبدو في
إمكانها الاستمرار عليه أشواطا بعيدة
أخرى، إلا إذا أرادت أن تبلغ بنفسها
مستوى الانتحار المالي والاقتصادي ..
5-
وعراقيا .. ما زالت ثروة النفط كما كانت
تحتل موقعا متميزا بحجم يعادل عشـرة في
المائة من الاحتياطي العالمي تقريبا ..
والسؤال
الواجب طرحه من الناحية الاقتصادية
المحضة: أين تقع مصالح الدول الخليجية
الأخرى بالنسبة إلى التعامل مع الثروة
النفطية العراقية مستقبلا؟
بعد
غزو الكويت ساهمت حرب الخليج الثانية
مع أسباب أخرى في اضمحلال قدرة منظمة
البلدان المصدرة للنفط، ولا سيما
الدول الخليجية الرئيسية فيها، على
فرض إرادتها السياسية والاقتصادية
والأمنية إقليميا وعلى مستوى الثروة
الأرضية داخل أرضها، وهو ما هبط عام 1998
م إلى الحضيض بتراجع سعر البرميل إلى 10
دولارات، وهبوط عائدات الدول الإحدى
عشرة الأعضاء ( حوالي 500 مليون نسمة )
إلى أقل من 110 مليارات دولار، أي إلى ما
ناهز ثروة " بيل جيتس " مؤسس شركة
مايكروسوفت في العام نفسه، أو ما لا
يتجاوز نسبة مئوية محدودة ما بين
العشرة والخمسين في المائة، من عائدات
شركة واحدة من بعض الشركات العالمية ..
كما تراجعت في هذا الإطار عائدات الدول
الخليجية الست إلى 55 مليار دولار،
وارتفع حجم الديون على دول المنظمة إلى
168 مليار دولار، منها ما بلغ حجمه على
السعودية معدّل 115 في المائة من حجم
الناتج الاجتماعي العام، وأصبح تسديد
المستحقات عسير التحقيق أو بالغ
الصعوبة على بعض بلدان الخليج كالكويت
وقطر.
أمّا
ربط ذلك جميعه –ومزيد عليه مما لا يتسع
المجال لتعداده- بحرب الخليج الثانية؛
فلأنّ دول الخليج العربية لم تتحمّل
نفقات الحرب العالمية ضدّ العراق
لتحرير الكويت فحسب، بل تتحمّل إلى
الآن نفقات وجود القوات الأمريكية
والبريطانية في أراضيها ومياهها
وأجوائها، ومهمتها من جهة حماية
السيطرة الغربية على منابع النفط وطرق
إيصاله إلى الغرب، ومن جهة أخرى مواصلة
توجيه الضربات العسكرية إلى العراق
بما يرسّخ شلله اقتصاديا وليس عسكريا
فقط .. هذا علاوة على أنّ العلاقات
الناجمة عن هذا التطوّر، تحت عناوين من
قبيل " التعاون الأمني " أصبحت
تمنع بطبيعتها من صناعة القرار
المستقل عن "مراعاة " رغبات الدول
الغربية المعنية، في تحديد كميات
الإنتاج والأسعار وما يترتب على ذلك،
حتى وإن كان في غير مصلحة معظم الدول
النفطية نفسها.
والمسؤولية
عن ذلك مشتركة، والعراق يحمل قسطا
كبيرا منها، ولكن يبقى السؤال المطروح
أعلاه على ضوء المعطيات المرتبطة
بالعراق وبالبلدان الخليجية الأخرى،
وكذلك أمام خلفية تطور خارطة العلاقات
السياسية الدولية على نقيض ما ترغب فيه
"الزعامة الانفرادية الأمريكية ":
أين تقع مصالح الدول الخليجية الأخرى
بالنسبة إلى التعامل مع الثروة
النفطية العراقية مستقبلا؟.. هل تقع في
إطار ترسيخ أسباب الشلل .. أم إحياء
القدرة على التكامل والتعاون؟..
لا
نغفل في هذا السؤال عن الجانب السياسي،
ولكن كثيرا ما كانت التطورات السياسية
وليدة المصالح الاقتصادية، كما أنّ
المعادلة المعاكسة صحيحة أيضا، وهذا
ما نشهده عالميا، في اتجاهات تنطوي على
تحقيق كل طرف لمصالحه الذاتية ومصالحه
المشتركة مع الآخرين على السواء،
وبصورة تجعل سلامته مرتبطة بعمله على
ضمان سلامة الآخرين معه، وهذا ما ينطوي
في الوقت نفسه وبالضرورة على علاقة
مماثلة بين السلطات والشعوب .. فمتى
يسري ذلك أو ما يفضله ممّا نملك من
معايير ومنطلقات وقواعد للتعامل
القويم، ليظهر مفعوله على أرض الواقع
في الدوائر الجغرافية، الخليجية
والعربية والإسلامية وحتى النامية
فالعالمية؟
اقرأ
أيضًا:
العراق..
من أجله حاربوه ولخفض سعره قد يتركوه
(16/1/2000)
أزمة
النفط.. عودة الروح إلى الخليج (30/9/2000)
الثروة
النفطية والمواطن العربي.. بين الوهم
والحقيقة (23/9/2000)
نماء
|