|
الخليج:
حواجز في طريق التجارة البينية
دبي
- عبد
الرحمن
إسماعيل
كان
من المأمول أن يكون وضع التجارة
البينية بين دول الخليج أفضل بكثير من
الوضع الذي عليه التجارة البينية
العربية لاعتبارات عديدة أبرزها أن
مجلس التعاون الذي يجمع بين الدول
الخليجية لا يزال هو الإطار السياسي
الوحيد في عالمنا العربي الذي حقق
نجاحات عديدة، يكفي أن كافة التجمعات
التي تشكلت عربيًّا في الثمانينيات
فشلت وكان مآلها إما إلى الحل
والانفراط، كما حدث في مجلس التعاون
العربي الذي ضم في عضويته مصر والعراق
والأردن واليمن أو التجميد كما هو حادث
لاتحاد دول المغرب العربي.
والحقيقة
أنه منذ توصلت دول الخليج إلى منطقة
تجارة حرة فيما بينها بموجب الاتفاقية
الاقتصادية الموحدة في نوفمبر 1981م
وتطبيقها في مارس 1983م شهدت التجارة
البينية الخليجية تناميًّا ملحوظًا
خصوصًا في عقد الثمانينيات، فقد
ارتفعت من حوالي 4% كمتوسط في الفترة من
1980 – 1982م إلى حوالي 6% عام 1985م، غير أنها
لا تزال تراوح مكانها حتى الآن بين 6 - 8
، وتعتبر هذه النسبة بالمقاييس
العالمية متواضعة ومحدودة خصوصًا لدول
الخليج التي تسعى إلى الدخول في مناطق
تجارية حرة مع تكتلات مشابهة لها
كالاتحاد الأوروبي.
ورغم
ضآلة هذه النسبة التي يرى الخليجيون
أنها لا تتناسب على الإطلاق مع
الطموحات الكبيرة المعقودة على مجلس
التعاون الخليجي، فإنهم يرون في هذه
النسبة آفاقًا للنمو مع إقرار التعرفة
الجمركية الموحَّدة عام 2005م.
وحسب
إحصائيات منظمة الخليج للاستشارات
الصناعية فإن إجمالي التجارة البينية
الخليجية بلغ في العام 1998م (10482) مليون
دولار بنسبة 6% من إجمالي التجارة
الخليجية،
وتقدر قيمة تجارة دول
مجلس التعاون الخليجي عام 1998م بحوالي
162530 مليون دولار، وبلغت قيمة الواردات
71067 مليون دولار، في حين بلغت قيمة
الصادرات 91463 مليون دولار.
ومن
الملاحظ في التجارة البينية الخليجية
أن نسب المستوردات البينية لدول
الخليج أعلى من نسب الصادرات البينية،
ويرجع ذلك في حقيقة الأمر إلى ارتفاع
حجم التجارة العابرة (تجارة الترانزيت)
بين دول الخليج، والتي تقدر بحوالي 45%
من إجمالي الصادرات غير النفطية.
معوقات
التبادل التجاري
وحسب
الاقتصاديون الخليجيون فإن هناك
العديد من المعوقات التي تحول دون
تزايد التبادل التجاري بين دول
الخليج، أبرزها غياب التعرفة الجمركية
الموحدة، فقد ساهم تأجيل الوصول إليها
في الحد من نمو التجارة البينية
الخليجية وفي عرقلة التبادل البيني في
أحيان كثيرة بسبب التفاوتات الخاصة
باحتساب القيمة المضافة عند إصدار
شهادات المنشأ والتي تتيح انتقال
السلع الخليجية بحرية بين دول الخليج
وذلك ضمن منطقة التجارة الحرة، وفي نفس
الوقت فقد أدى غياب التعرفة الجمركية
الموحدة إلى تأثر العلاقات التجارية
الخليجية مع المجموعات الاقتصادية
الأخرى في العالم، وبالأخص المجموعة
الأوروبية التي لا تزال ترفض تخفيض
الرسوم الجمركية التي تفرضها على
الصادرات الخليجية من الألمنيوم
والبتروكيماويات قبل التوصل إلى تعرفة
جمركية خليجية موحدة.
وإذا
كانت دول الخليج قد اتفقت في القمة
الخليجية الأخيرة في الرياض على تحديد
عام 2005م للتوصل إلى تعرفة جمركية
موحدة، إلا أن بقاء التفاوت في معدلات
الرسوم الجمركية فيما بينها يؤثر
سلبيًّا على حركة التجارة البينية،
حيث يؤدى ذلك إلى بروز ظاهرة تُعرف
بتحويل التجارة Trade
Diversion وتعني بأن
الواردات تتجه إلى الدولة الأقل
تعرفة؛ لتنتقل بعد ذلك إلى الأعضاء
الآخرين ذوي التعرفة المنخفضة، مما
يدفع بهذه الدول إلى اتباع إجراءات غير
جمركية للحدِّ من تدفق السلع إليها من
الدولة أو الدول ذات التعرفة المنخفضة.
وبالإضافة
إلى المعوقات الجمركية هناك أيضًا
معوقات غير جمركية تحدُّ من تزايد
التبادل البيني التجاري الخليجي، منها
أن دول الخليج تطبق العديد من
الإجراءات والسياسات غير الجمركية
التي تحدُّ بالفعل من إمكانية زيادة
التبادل التجاري فيما بينها، وحسب
الاستبيان الذي أجرته الأمانة العامة
لدول مجلس التعاون الخليجي حول معوقات
التبادل التجاري البيني فإنه يمكن
الوقوف على عدد من المعوقات أبرزها:
-
تقوم بعض السلطات الجمركية في المراكز
الحدودية في دول الخليج بالتعسف في
استعمال حقها في إعادة تقييم البضائع
المصدرة بقصد زيادة سعرها؛ لفرض رسوم
جمركية أعلى عليها، الأمر الذي يزيد من
القيمة النهائية لهذه البضائع
وبالتالي يضعف مقدرتها التنافسية في
الأسواق.
-
صعوبة الشروط المتعلقة بشهادة المنشأ
الوطني، حيث نصت الاتفاقية الاقتصادية
الموحدة على أنه يشترط لاكتساب
المنتجات الصناعية صفة المنتج الوطني
بغرض تمتعها بالإعفاء من الرسوم
الجمركية ألا تقل القيمة المضافة لهذه
الصناعات عن 40% من قيمتها النهائية عند
إتمام إنتاجها، وتشترط بعض دول الخليج
ألا تقل الملكية لمواطني دول المجلس عن
51% من إجمالي المشاريع أو الصناعات
التصديرية.. والحقيقة أن هذه الشروط لا
تتفق وطبيعة الصناعات الخليجية،
فالقيمة المضافة لمعظم الصناعات
منخفضة إلى حد كبير مما يجعل هذه
الشروط عائقًا حقيقيًّا أمام انسياب
السلع بين الدول الخليجية.
-
هناك اختلاف كبير بشأن المواصفات
والمقاييس للسلع الوطنية، حيث تقوم
بعض دول المجلس بفرض مواصفات معينة على
استيراد المنتجات لا تفرضها دول أخرى،
الأمر الذي يؤثر على القدرة التنافسية
للمنتجات الوطنية في الأسواق الخليجية.
النقل
من أهم المعوقات
-
وتعتبر معوقات النقل من بين أبرز
المعوقات التي تحدُّ من التبادل
التجاري البيني بين دول الخليج حسبما
كشف استبيان الأمانة العامة مثل:
-
طول فترة إجراءات التخليص والتفتيش في
المراكز الحدودية مما يزيد من الكلفة
النهائية للسلع، وتشترط بعض دول
الخليج معايير معينة لتعبئة ونقل
المنتجات والسلع المستوردة كاشتراط
صنف البضاعة في الشاحنات التي تنقلها
على مراتب خشبية أو منصات؛ وذلك بغرض
تسهيل تفريغ الشاحنات وتفتيشها عند
النقاط الحدودية، وعلى الرغم من أهمية
هذه الإجراءات إلا أنها قد تسبب في
كثير من الأحيان أضرارًا كبيرة
للمصدر؛ نتيجة لكبر حجم المنصات مما
يعني قلة حمولة الشاحنة الواحدة.
-
تشترط بعض دول الخليج تجميع عدد كبير
من الشاحنات لتسير في قافلة واحدة، مما
يؤدي في كثير من الأحيان إلى تأخير
وصول البضائع وزيادة كلفة النقل،
فضلاً عن إمكانية تعرض البضائع سريعة
التلف والمحدودة الصلاحية إلى التلف
أو الفساد كمنتجات الألبان والمنتجات
الغذائية.
-
يلاحظ أن بعض إدارات الجمارك
والجوازات تتوقف عن العمل أثناء
الأعياد والعطل الرسمية والأسبوعية،
مما يعيق حركة الشاحنات ويؤخر وصول
البضائع المصدرة عن وقتها المحدد.
آفاق
التجارة البينية الخليجية
-
الدكتور سعيد الشيخ - المستشار
الاقتصادي لاتحاد غرف التجارة
والصناعة الخليجية - يرى أن تنمية
التبادل التجاري بين دول الخليج مطلب
اقتصادي مُلِح إذا ما أرادت الدول
الخليجية أن تدخل عصر العولمة
الاقتصادية بما يتيحه من فرص وبما
يفرضه من تحديات جديدة، وإذا كانت
محدودية التجارة البينية ترجع في أحد
أهم عواملها إلى ضيق القاعدة
الإنتاجية، وعدم تنوعها، فإن تنمية
هذه التجارة تتطلب بداية أن تعمل دول
الخليج على إعادة تخصيص الموارد
الاقتصادية غير النفطية فيما بينها
وتنويع اقتصادياتها بأن تتخصص كل منها
في إنتاج السلع والخدمات التي تتمتع
فيها بميزة نسبية، وهذا الأمر يستدعي
بالضرورة تحديد مفاهيم جديدة للعمل
الاقتصادي الخليجي المشترك، والإسراع
في تحقيق التكامل الاقتصادي، ووضع
الأسس اللازمة لاستكمال إنشاء السوق
الخليجية المشتركة، والاتفاق على
سياسات اقتصادية وتجارية موحدة، وسرعة
الوصول إلى تطبيق متطلبات الاتحاد
الجمركي بين دول الخليج، والنظر في
بنود الاتفاقية الاقتصادية الموحدة
وأساليب تطبيقها بهدف الوصول إلى
مزايا جديدة تمكن مواطني دول المجلس من
التمتع بمكتسبات اقتصادية في مسيرة
التنمية الاقتصادية.
-
ومن الضروري كما يقول د. الشيخ إعادة
النظر في الأسلوب المتبع في كيفية
احتساب القيمة المضافة، وتخفيض نسبتها
لإتاحة الفرصة للعديد من الصناعات
الخليجية لاكتساب صفة المنتج الوطني،
وكذلك العمل على تطوير وسائل وطرق
التفتيش المتبعة في المراكز الحدودية،
ودعمها بالكفاءات البشرية المتخصصة
والأجهزة العلمية المتطورة التي يمكن
أن تسهم في المحافظة على النواحي
الأمنية وفي نفس الوقت تضمن سرعة
انسياب السلع دون تأخير.
-
ومن المهم أيضًا إشراك ممثلين عن
القطاع الخاص في دول الخليج في أعمال
اللجان الفنية المعنية بتذليل معوقات
التبادل التجاري، ودراسة توحيد
الأنظمة المرورية والإجراءات المطبقة
على مرور الشاحنات بين دول الخليج،
وكذلك دراسة أسباب ارتفاع تكاليف
النقل مع العمل على تأسيس شركات نقل
مشتركة خاصة في مجال النقل البرى
والبحري، والتوسع في إقامة المشاريع
الاقتصادية المشتركة وتقديم الحوافز
المالية والجمركية لها وتقديم كافة
التسهيلات للمستثمرين الخليجيين.
-
وربما تتفق الأمانة العامة لدول
الخليج من خلال الاستبيان الذي أجرته
مع الطروحات السابقة، حيث ترى أن توسيع
التبادل التجاري بين دول الخليج ولا
سيما في المنتجات ذات المنشأ الوطني
يتطلب مزيدًا من الاهتمام من كافة
الجهات الرسمية، خصوصًا السلطات
الجمركية المطالبة بتبني عدد من
الخطوات الهامة مثل تطبيق نظام موحَّد
مختصر ومبسط لفحص وتفتيش الشاحنات على
جمارك الحدود وتخليص حمولتها، وتوحيد
نماذج وإجراءات ورسوم الجمارك
والعبور، ودمج مراكز الحدود الجمركية
في مركز مشترك واحد تفاديًا لتكرار
إجراءات دخول وخروج المنتجات، وإلغاء
رسوم عبور الشاحنات، والالتزام بتطبيق
نظام التجارة العابرة.
-
كما لا بد من إعادة النظر في إمكانية
تخفيض نسبة القيمة المضافة من 40% إلى 30%
بصورة عامة وإلى 20% على أساس نوعية
الصناعة بحيث تصدر قائمة بالصناعات
التي تستحق أن تكون نسبة القيمة
المضافة فيها في حدود 20% فقط، وذلك على
سبيل الاستثناء وتشجيعًا للصناعات
المتطورة أو المشتركة بدول الخليج،
وإيجاد آلية دائمة وأكثر فعالية للبت
في القضايا المتعلقة بتدفق المنتجات
ذات المنشأ الوطني بين دول الخليج،
ويمكن في هذا الصدد النظر في إمكانية
تشكيل لجنة دائمة من وكلاء وزارات
التجارة الخليجية على أساس نظام
الترويكا، تجتمع على الأقل ست مرات في
العام وعند الضرورة ومهمتها البت في
قضايا التبادل التجاري بين دول
الخليج، ويجوز الاعتراض
على
قراراتها أمام لجنة التعاون التجاري
والتي يكون قرارها نهائيًّا.
اقرأ
أيضًا:
-
القمة الخليجية الـ20: معضلة الاتحاد
الجمركي
-
سوق إلكترونية في الخليج.. آمال تواجه
التحديات
نماء
|