بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

الثروة النفطية و المواطن العربي..

بين الوهم والحقيقة

نبيل شبيب

ورد في "الحدث" يوم 26/8/2000م نقلاً عن تقرير صادر عن منظمة الأقطار العربية المصدرة للنفط، ما يفيد اكتشاف كميات نفطية جديدة في تونس وسوريا وعُمان والسودان وموريتانيا والأردن ومصر والمغرب، وجاء في التقرير أيضًا أن الاحتياطي النفطي في البلدان العربية بلغ عام 1999م ما يعادل 62.5% من الاحتياطي العالمي، وأن إنتاج النفط العربي يعادل 25.8% من الإنتاج العالمي.

ومن المعروف أن النفط الخام أعطى البلدان العربية المنتجة خلال القرن الميلادي العشرين مكانة خاصة على خريطة العالم الاقتصادية، وإن لم تصل تلك البلدان نفسها مع انقضاء ذلك القرن إلى المكانة السياسية المناسبة للطاقة الاقتصادية، كذلك لم تصل بمكانتها الاقتصادية إلى ما يتجاوز حدود مصدر للطاقة دون المشاركة في صناعة القرار الاقتصادي والقرار المالي على المستوى العالمي. ولا ينفي ذلك أن كل اكتشاف جديد للنفط بكميات جيدة في دولة ما، يسـاهم بدرجة ما من درجات التحوُّل في التعامل معها.. والسؤال: ماذا عن الشعوب ؟.. ماذا عن المواطن الفرد في البلد العربي النفطي والبلد العربي "الشقيق" غير النفطي ؟.. ما الذي تركته الثروة النفطية من آثار على صعيد المواطن، وبالتالي ما هي الوجوه المحتملة لتأثره مع مستقبل التطوُّر السلبي أو الإيجابي لمكانة النفط العربي عالميًّا، من حيث الاحتياطي والإنتاج والتصدير على السواء، وبالتالي تطور حجم العائدات النفطية ارتفاعًا وانخفاضًا ؟..

المواطن في بورصة "البترول"!!

لا توجد على - الأرجح- دراسات منهجية حول تأثير النفط الخام في المنطقة العربية على المواطن الفرد. وإن ورد ذكر ذلك أحيانًا في كتاب أو مقال، فلا يرد نتيجة عملية إحصاء، أو استطلاع للرأي، أو تحليل أرقام وأحداث ثابتة، إنما هو من قبيل التقدير والتخمين، وهذا أمر يلفت النظر ويثير الدهشة.. أولاً من حيث الإشارة إلى أن "الإنسان" هو المحور، أو ينبغي أن يكون المحور في مختلف القضايا الاقتصادية والسياسية والاجتماعية وغيرها، فأين الحديث عن موقع الإنسان العربي أو الإنسان المسلم في "بورصة البترول" ؟.. ويثير الدهشة ثانيًا لعدم انقطاع الحديث في الغرب عن تأثير تطوُّر الأسعار النفطية على الإنسان الغربي، من حيث رفاهيته ونمط معيشته وأوضاعه الاجتماعية والسلوكية.

الدراسات حول النفط الخام تتناول الإنتاج والتسويق والواردات والصادرات للدول المصدّرة والمستوردة، وتتناول أحيانًا التوقعات المستقبلية، والمشاريع التطويرية أو النفقات الاستهلاكية ذات العلاقة بالعائدات النفطية، ولكن جميع ذلك مقتصر على منظور الدولة.. وهذا مطلوب ومفيد، ولكن لا يتعرَّض في الوقت نفسه إلى منظور المواطن وتأثره اقتصاديًّا ومعيشيًّا واجتماعيًّا.. ولا شكّ في الحاجة إلى ذلك أيضًا وفائدته.

الحديث عن تأثير النفط على "الإنسان العربي" مقتصر غالبًا على أقاويل، منشأ بعضها البلدان الصناعية الغربية، وفيها ما يسـتند إلى وقائع وما هو افتراء محض، واختلط الرصد التعميمي دون دراسـة منهجية مع تحامل مغرض بأسـلوب الحملات الغوغائية الإعلامية.. فظهرت في الغرب وانتشرت في سواه صور نمطية سلبية عرفت من قبل موجة ارتفاع الأسعار في السبعينيات الميلادية عن "شيوخ النفط العرب"، ثم تحوّلت نظرة "التهكم والسخرية المرَّة" إلى تخوُّف وتخويف في الغرب – وبعض ذلك مستمر إلى اليوم - عندما يدور الحديث عن "أثرياء النفط" الذين يشترون حصصًا في شركات ومصارف مالية كبرى، فضلاً عن مساهمات مالية من نوع آخر قد لا تثير في الغرب شيئًا، ولكن تثير الانزعاج والسخط لدى المسلمين عمومًا، مثل تمويل حفلات مايكل جاكسون، ودوره الانحلالي معروف، أو سلسلة مطاعم هوليوود، وسياستها التجارية قائمة على انحرافاتها في إغراء الشبيبة.. ثم يبلغ الأمر مداه في رسم صور تعميمية ساقطة عن "شيوخ نفطيين" يتردّدون على الحانات والنوادي الليلية ويتجمّعون حول طاولات الميسر والقمار.

وبعيدًا عن تلك الصور المفتراة جزئيًّا والحقيقية جزئيًّا، يبقى من الأمور الثابتة والمعروفة ممّا يتصل بتأثير النفط على الفرد العربي، وصول بعض الأثرياء العرب إلى مكانة متقدّمة في قائمة أثرى أثرياء العالم، وتتردّد في المصادر الغربية أرقام تقديرية عديدة حول حجم الثروات النفطية العربية في الشركات والمصارف المالية وغيرها من ألوان استثمار المال العربي في الاقتصاد الغربي، لعلّ أقربها إلى الصواب أنها ما بين ألف وخمسمائة وألفي مليار دولار..

ولكن.. هل هذه الصور المتعدّدة هي المعبّرة عمومًا عن أثر النفط الخـام على المواطن الفرد من أهل البلدان النفطية العربية ؟.. هل تسري هذه الصور مثلاً - على الملايين من العاطلين عن العمل في الجزائر وأسرهم، أو على سكان منطقة "سوق البطحاء" الشعبية في قلب الرياض، أو على أهل القرى النائية في ليبيا.. ناهيك عن أوضاع الغالبية العظمى من شعب العراق، قبل الحرب والمقاطعة وإلى الآن ؟. .

فقر وثراء.. تخمة وبطالة!!

كذلك فمن المعلومات المعروفة دون أن يكتسب الجزء المعاصر منها قيمة منهجية وثائقية، أن قطاعات كبيرة من سكان البلدان الخليجية بدّل النفط الخام نمط حياتها خلال جيل أو جيلين، من مجتمعات عاشت على صيد الأسماك واللؤلؤ، إلى مجتمعات المدن الصاخبة والسيارات الفاخرة والأبنية الزجاجية - الإسمنتية، مع كثير ممّا اقترن بذلك من رفاهية معيشية من جهة، وانحرافات أو بداية انحرافات اجتماعية خطيرة من جهة أخرى، فكان الثراء بحدّ ذاته "ظاهرة سلبية" بحلوله في غياب الوعي أو دون أن ترافقه التوعية الضرورية والكافية لترشيد توظيف الطاقات الجديدة. ولا يمكن الانطلاق من معلومات عامة لطرح اقتراحات تحدّد أهدافًا ما تحت عنوان التحسين أو التطوير أو العلاج، ويسري شبيه ذلك على أوضاع البلدان النفطية الكثيفة السكان، وإن تميّزت هنا صور أشدّ وأوضح لظاهرة الفقر إلى جانب الثراء، والتخمة إلى جانب البطالة، ووفرة الواردات مع استشراء الفساد.. ثم نجد أخيرًا بلدانًا عربية شهدت بدايات ثروة نفطية لا بأس بها، ورغم ذلك لم تترك أي أثر عند الغالبية العظمى من السكان، كما في مصر وسوريا حتى الآن..

لا يكفي التعميم بل نحتاج إلى دراسات منهجية جادّة تتناول عددًا من الأسئلة الجوهرية التي لا تجد أجوبة عليها في الوقت الحاضر، ومنها كأمثلة دون حصر ما يدور حول محورين:

المحور الأول: حقيقة وصول الثروة النفطية إلى المواطن الفرد.. وما صنع بها أو صنعت به.

المحور الثاني: ما صنعته الحكومات في البلدان النفطية بالعائدات، والنسبة المؤثرة على حياة الفرد من ذلك، إيجابيًّا بتحسين مستوى معيشته مثلاً، وسلبيًّا مثل نشر ما قد يسبب الإضرار به عبر وسائل الإعلام.

وينبغي قبل ذلك تسجيل ملاحظة هامة، وهي أن الحديث عن "ثراء نفطي" يستند إلى المقارنة بين حجم المال المتوفر نتيجة تصدير النفط ابتداء من السبعينيات الميلادية مع حجم المال المتوفر من قبل، ويمكن الحديث عن ثراء نفطي أيضًا عند المقارنة بين حجم المال المتوفر في دول تصدِّر النفط الخام، وأخرى لا تصدره من البلدان النامية، أمّا الحديث عن ثراء نفطي عند مقارنة تلك العائدات بما يتوفر من أرقام في البلدان الصناعية، فيتحوّل إلى حديث "كاريكاتوري" يدفع إلى استغراب الإقدام عليه والاستمرار على ذكره أصلاً.. فالعائد السنوي لسائر الدول الأعضاء في منظمة البلدان المصدرة للنفط "أوبك" لا يبلغ حجم الدخل السنوي لشركة واحدة من الشركات العملاقة في الغرب الصناعي.. فضلاً عن دوله.

كذلك فإن حقيقة ما تعنيه كلمة "الثراء" تظهر للعيان عند النظر في نصيب الفرد المواطن من ثروة بلاده النفطية، ومقارنة ذلك بأوضاع الدخل الفردي في الدول الصناعية، فمع ملاحظة أن عدد سكان بلدان منظمة "أوبك" يربو على خمسمائة مليون نسمة، كان متوسط نصيب الفرد الواحد منهم في السنة من "العائدات النفطية" في حدود 800 دولار في مطلع الثمانينيات الميلادية، وهبط إلى أقل من 300 دولار في أواسط التسعينيات الميلادية، أي قارب متوسط الدخل الفردي في الدول النامية الفقيرة... ولا ينتظر رغم ارتفاع الأسعار عام 2000م أن يزيد على 500 دولار في السنة.. ونعلم أن متوسط الدخل الفردي في البلدان الثريـة فعلاً، كالولايات المتحدة الأمريكية وسويسرا، كان ولا يزال أكثر من ثلاثين ألف دولار في السنة، على امتداد فترة المقارنة في السنوات العشرين الأخيرة، إذا صحّ استخدام تعبير "المقارنة" في هذه الحالة.

إنّما تنفرد بضع دول نفطية عربية في الخليج، عدد سكانها أقل من 20 مليون نسمة من أصل 500 مليون في البلدان النفطية في المنظمة، وتحصل على نصف العائدات النفطية أو أكثر، وهنا يتراوح متوسط الدخل الفردي من العائدات في الفترة المذكورة ما بين 35 ألفًا و20 ألف دولار في السنة.

تساؤلات وثوابت

وعلى ضوء ما سبق وانطلاقًا من المحورين المذكورين، ينبغي أن نطرح للدراسة المنهجية أسئلة محدّدة، منها على سبيل المثال دون الحصر:

1 - مع ملاحظة الفروق الشاسعة بين عدد السكان وبالتالي متوسط الدخل في كل بلد على حدة، ما هي النسبة السكانية من مواطني الدول النفطية العربية، التي ارتفع دخلها فعلاً بفضل الثروة النفطية؟ وما هي النسبة السكانية التي بقيت محرومة رغم تلك الثروة، لا سيما من يعيش دون خطّ الفقر؟!..

2 في البلدان الخليجية الأقل سكانًا والأوفر ثراء، ما الذي صنعته الأسرة الخليجية ممن وصل إليها نصيب من الثروة النفطية، من حيث تحسين مستوى معيشة أفرادها، صحيًّا وتعليميًّا وثقافيًّا واجتماعيًّا؟! وما أثر الثراء أخلاقيًّا وسلوكيًّا؟..

3 كيف كان توزيع إنفاق الدخل في الأسر المستفيدة من الثروة النفطية، ما بين الضرورات المعيشية أولاً، والسلع الكمالية ثانيًا، وتوظيف قسط من الدخل في مشاريع وطنية، تجارية أو استثمارية؟..

4 إذا حذفنا نفقات التسلّح والاستثمارات خارج الحدود ولا سيّما في الغرب، ما هو القسط الذي تنفقه الدول النفطية في قطاعات التعليم والصحة والإسكان والتأمينات الاجتماعية، وما توجد به أماكن عمل جديدة، أي ما يساهم عمومًا في تحسين مستوى معيشة المواطن الفرد؟ ثم ما نسبة ذلك القسط من وجوه الإنفاق الأخرى؟..

5 - علامَ بقيت قطاعات معينة مهملة كليًّا أو جزئيًّا، مثل قطاع البحث العلمي، واستقطاب ما يسمى الأدمغة المهاجرة، والاكتفاء الغذائي الذاتي، وما شابه ذلك؟..

6 ما حقيقة حجم ما ساهمت به الثروة النفطية من تحسين الوضع المعيشي للمواطن الفرد في بلد عربي أو بلد إسلامي آخر؟ وعلى وجه التحديد ما وجد طريقه من هذه المساعدات أو القروض الرسمية - التي تذكرها الإحصاءات - إلى مشاريع بنتائج مرئية لصالح الفرد المواطن؟

ويمكن تعداد المزيد من الأسئلة التفصيلية، التي تؤكّد الحاجة إلى أجوبة منهجية، لا غنى عنها في مواجهة مشكلات أوسع نطاقًا، وأبعد تأثيرًا في واقع البلدان النفطية عمومًا، فلا ينفصل هذا الميدان حول آثار الثراء، عن أسباب الانهيار المالي والاقتصادي فالسياسي في بلد مثل إندونيسيا، أو استمرار الصراع إلى مستوى شبيه بالحرب الأهلية في بلد كنيجيريا.. ويمكن قول ذلك أو شبيهه عن بلدان نفطية عربية كالعراق والجزائر، كما يمكن طرح ذلك بالتساؤل عن أسباب ظهور العجز في الميزانيات، وانخفاض متوسط دخل الفرد بدلاً من ارتفاعه عبر العقود الماضية، واستمرار العجز عن توفير الأمن الغذائي، وعن محو الأمية.. وغير ذلك بالنسبة إلى سائر البلدان النفطية، الثري منها وغير الثري، وعلى وجه الإجمال يمكن القول: إن من الثابت دون دراسة تفصيلية:

1 - قطاع كبير من سكان البلدان النفطية لا سيما ذات الكثافة السكانية العالية (نسبيًّا فقط) كالجزائر والعراق، بقي محرومًا إلى حدّ كبير من نتائج ظهور الثروة النفطية في بلده، بل وساهمت السياسات المتبعة – بغض النظر عن تقويمها هنا - في انتشار الفقر والمرض والبطالة والتشرد، بنسب أعلى مما كانت عليه في عهد سيطرة الدول الاستعمارية على البلاد، إلى جانب نشأة طبقة ثرية تتحكم في الموارد المالية إلى جانب مراكز صنع القرار، وترتبط بصورة من الصور الفكرية والسياسية والأمنية والنفعية المادية - أو بعضها - مع تلك الدول الاستعمارية السابقة.

2 - افتقرت الثروة المفاجئة نسبيًّا، حيث وصلت إلى قطاعات من عامة السكان إلى مواكبتها بحملة ترشيد وتوعية، تضبط وجوه الإنفاق بما يرفع مستوى المعيشة بدلاً من الإسراف الاستهلاكي، وما يستثمر لعائدات مستقبلية بدلاً من التعرض لأزمات العجز في الميزانية، وما يحقق أهدافًا اجتماعية وثقافية وترفيهية وغيرها بموازين قويمة، بدلاً من مخاطر الانحراف والانحلال والانزلاق في مختلف الميادين الاجتماعية والسلوكية.

3 - ساهمت التطورات السياسية السلبية إلى جانب الأنانيات القطرية والإقليمية، في تحويل الثروة النفطية "القومية" كما توصف، إلى أداة تزيد من عمق هُوَّة الثراء والفقر، داخل البلد الواحد وبين الأقطار "الشقيقة"، وأصبحت من أسباب ترسيخ سياسات الحدود المغلقة، وتنشيط التجارة الأجنبية على حساب البينية، والارتباطات الاستثمارية وغير الاستثمارية بالدول الغربية بدلاً من التكامل والتعاون إقليميًّا.. ومن أخطر ما يمكن أن توصل إليه هذه التطورات هو أن تنتقل من المستوى "الرسمي" إلى المستوى الشعبي، فتنشر مظاهر التباعد والفرقة والكراهية والأحقاد والإحساس بالظلم بين العامة من أفراد الشعوب.

 

اقرأ أيضًا:

- مُسْتقبل النِّفْط الخام تحت المِجْهَر

- تداعيات ارتفاع أسعار النفط

- النفط العربي يتزايد

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع