بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

بعد ست سنوات: 

السودان يعود إلى الصندوق

محمد شريف بشير
 باحث في الاقتصاد السوداني

انضم السودان لعضوية صندوق النقد الدولي في الخامس من سبتمبر سنة 1957م وذلك بعد سنة واحدة من نيله الاستقلال في 1956م.

كانت أول استفادة للسودان من موارد الصندوق وتسهيلاته التمويلية في سبتمبر 1966م بموجب برنامج استقرار اقتصادي ضمن ترتيبات ائتمانية قسمت على ثلاث سنوات (66-1968م) قُدرت بحوالي 50 مليون دولار، وهدف البرنامج إلى تحقيق التوازن في ميزان المدفوعات، حيث واجه السودان في تلك الفترة تدهورًا في شروط التبادل التجاري وانخفاض حصيلة القطن كمحصول نقدي رئيسي.

عجز مستمر يزيد الارتباط بالصندوق

- في الفترة من 78-1979م واجه السودان عجزاً في ميزان المدفوعات بسبب انخفاض العائد النقدي في صادراته، وكذلك عجزاً في الموازنة العامة؛ مما تطلب تمويل هذه العجز بتدفقات خارجية، حيث استخدم تسهيل التمويل التعويضي وهو يهدف عادة إلى معاونة الدول الأعضاء في صندوق النقد الدولي التي تعاني عجزاً طارئاً في ميزان المدفوعات بسبب انخفاض عائداتها من الصادرات الأولية والسلعية من الحبوب الغذائية والنقدية. سواء كان ذلك نتيجة لتأرجح الأسعار في الأسواق العالمية أو لظروف طبيعية مثل الجفاف والفيضانات والسيولة.

كما استفاد السودان من تسهيل صندوق الاستئمان وهو تمويل مخصص لمساعدة الدول النامية منخفضة الدخول ولكن بشروط اقتراض ميسرة وامتيازية.

- في الفترة من 79-1981م ازداد العجز في ميزان المدفوعات السوداني وذلك بسبب تدني إنتاجية القطن كمحصول نقدي رئيسي، إضافة إلى تدهور إنتاجية الاقتصاد الكلي نتيجة نقص مدخلات الإنتاج الزراعي والصناعي وارتفاع تكلفة الطاقة وازدياد الآثار التضخمية التي أدت إلى انخفاض سعر صرف العملة الوطنية.

 في هذه الفترة 79-1981م، دخل السودان في ترتيبات ائتمانية ممتدة هدفت إلى تحسين وضعية ميزان المدفوعات، وتقليل التضخم وزيادة معدلات الإنتاجية والدخل القومي. وقدرت القروض بموجب الترتيبات الائتمانية الممتدة بحوالي 427 مليون خدمة من حقوق السحب الخاصة.

- في الفترة من 81-1982م تفاقم عجز الميزان التجاري واتسع عجز الموازنة العامة للحكومة، ويتم تمويل هذا العجز من سحوبات القروض بموجب تسهيل الترتيبات الممتدة.

تسهيلات الصندوق

إلى جانب التسهيلات التعويضية والائتمانية السابق الإشارة إليها، منح الصندوق السودان التسهيلات الآتية:

1-تسهيل البترول: يمنح هذا التسهيل لمساعدة الأعضاء الذين يتضررون من الارتفاع المفاجئ في أسعار البترول في السوق العالمية، وقد كانت أزمة الطاقة في السنوات: 73/74، 1979م.

2-تسهيل التمويل التكميلي: هو تمويل يقدم للدول التي تواجه صعوبات ضخمة في موازين مدفوعات مقارنة بحجم القروض المتاحة لها بناء على حصتها المتواضعة في الصندوق.

3-تمويل مخزون الاحتياطي: يعتبر أحد التسهيلات التمويلية الخاصة بالصندوق لمساعدة البلاد الأعضاء للدخول في اتفاقيات سلعية دولية الغاية منها تكوين مخزون استراتيجي من هذه السلع مثل الذرة والفول والسكر والكاكاو والمطاط.

وبذلك اعتبر السودان من أكثر الدول استعمالاً لتسهيلات الصندوق التمويلية بأنواعها المختلفة ولا تفوقه إلا مصر في الفترة من 76 - 1981م.

برامج الصندوق وتزايد الأزمة

للاستفادة من التسهيلات المقدمة من جانب الصندوق التزم السودان ببرنامج إصلاح اقتصادي سُمِّي ببرنامج التركيز الاقتصادي تضمن عدة إجراءات منها:

1-تغيير سعر صرف الجنيه السوداني.

2-تحرير التجارة الخارجية.

3-الحد من الاستدانة من الجهاز المصرفي.

4-إعادة جدولة الديون الخارجية.

وهكذا فقد التزم السودان في الفترة من 78 - 1984م بأربعة برامج مع الصندوق سُمِّيَت ببرامج الدعم مدة كل واحد منهما سنة، وهدف إلى توفير تمويل سنوي يساعد على تحسين وضع ميزان المدفوعات وتقليل معدل التضخم مع زيادة الدخل القومي، وتم إسناد هذه البرامج بتوفير ترتيبات تمويلية ممتدة بدأت في 1979م واستمرت إلى 1983م.

برامج الدعم الأربعة صاحبتها إجراءات اقتصادية كان أبرزها تخفيض قيمة الجنيه السوداني وزيادة الضرائب على البترول وبعض السلع، كما رفع الدعم الحكومي عن سلع القمح والسكر والأدوية، وكانت النتيجة تفاقم أزمة الاقتصاد؛ ويرجع ذلك إلى عدة عوامل منها:

1- أن المسحوبات الفعلية من القروض لم تتجاوز نسبة 57% من الحد الذي يسمح به صندوق النقد الدولي في الفترة 78 – 1984م.

2- أن مسحوبات القروض في السنوات 82 و 83 و 1984م بلغت في المتوسط حوالي 47%، مما يكشف عن الانخفاض الكبير في حجم الموارد التي أتيحت للسودان من موارد الصندوق وضآلة الانتفاع بقروض تسهيل الائتمان على وجه الخصوص.

3- تعتبر القروض التي استخدمها السودان من جملة القروض ذات الفائدة العالية خاصة تسهيل التمويل التكميلي والترتيبات الداعمة، حيث تضمنت شروطًا قاسية بالنظر إلى معدلات الفائدة وقصر فترة السماح وقلة عدد الأقساط الكلية.

4- سياسة سعر الصرف كانت غير ملائمة فأدت إلى ضمور الإنتاجية وتدهور عائدات الصادرات وارتفاع تكلفة الإنتاج المحلي.

وقد ساعد الصندوق السودان على جدولة مديونيته الخارجية، حيث وقع الأخير في مارس 1982م اتفاقية الجدولة الثانية للديون مع مجموعة نادى باريس، وغطت هذه الاتفاقية جملة القروض التجارية والمضمونة بواسطة 13 دولة دائنة للسودان والبالغة 180 مليون دولار وقتئذ، وفي فبراير تمَّ توقيع اتفاقية باريس الثالثة وفي مايو 1984م وقعت اتفاقية باريس الرابعة لإعادة جدولة ديون السودان الخارجية بمساعدة الصندوق.

منذ يوليو 1984م بدأت متأخرات السودان لصالح الصندوق تتراكم، حيث بلغت 227.1 مليون وحدة من حقوق السحب الخاصة ووصلت إلى 870.6 مليون وحدة من حقوق السحب الخاصة في فبراير 1990م، بمعدل تبادل قدره 1.30 دولار أمريكي لكل وحدة من حقوق السحب الخاصة (حقوق السحب الخاصة هي وحدة القياس في الصندوق وتحدد قيمة الوحدة يوميًّا على أساس سلة من خمس عملات لدول كبرى هي الدولار الأمريكي والمارك الألماني والفرنك الفرنسي والين الياباني والجنيه الإسترليني).

بلغت متأخرات الصندوق حدًّا أدى إلى إعلان الصندوق أن السودان دولة غير مؤهلة لاستخدام موارده في فبراير 1986م، ثم أعلن أنه دولة غير متعاونة في سبتمبر 1990م، وهو إجراء تمهيدي لاتخاذ خطوات عقابية كان من بينها تعليق حق التصويت والعضوية في كل من مجلس إدارة الصندوق واجتماعاته الدورية، كان ذلك في عام 1993م.

وفي عام 1994م تم تطبيق قرار الانسحاب الإجباري وطرد بذلك السودان من عضوية الصندوق.

وقد حاول السودان تطبيق مفردات برنامج صندوق النقد الدولي دون الدخول في التزام رسمي بذلك، وبدأت تنفيذ برنامج الإنقاذ الثلاثي – الذي يهدف إلى وقف تدهور الاقتصاد واتخاذ إجراءات اقتصادية لوقف عجلة التضخم وزيادة معدلات الإنتاجية وهو أول برنامج تتبناه حكومة البشير (89 – 1991م) – دون الحصول على أية دعم مالي أو فني بسبب الإجراءات العقابية التي اتخذت بحقه وفشل جميع المفاوضات بين ممثلي الصندوق وكبار مسئولي حكومة السودان.

النفط والاستثمار يعيدان العلاقات

نتيجة لتحسن المركز المالي لحكومة السودان جراء تصدير النفط وزيادة الاستثمارات الخارجية، وإبداء الرغبة في سداد المتأخرات مع الدخول في مفاوضات للالتزام ببرنامج مقترح من قبل السودان، أعلن الصندوق في 1999م أن السودان دولة متعاونة، وفي الشهر الماضي يوليو 2000م أصدر الصندوق قرار بأغلبية 80% من الأصوات يقضي بإعادة حقوق وعضوية السودان للصندوق الأمر الذي يشير إلى اتجاه السودان للتعاون مع الصندوق وتسديد المتأخرات (التي تبلغ حوالي 1.6 مليار دولار بينما جملة المديونية الخارجية تقدر بـ 20 مليار دولار)، وقد تم بالفعل الاتفاق على برنامج مراقبة متوسط المدى ينتهي في عام  2001م يهدف إلى تحقيق إصلاحات اقتصادية، ومعالجة الديون الخارجية وهو ما يعتبر فرصة للسودان لأن يكون لديه سجل أداء جديد فيما يتعلق بالالتزامات المتأخرة والسياسات الاقتصادية الإصلاحية، كما سيتيح في المستقبل أن يكتسب حقوق سحب آجلة وحقوقًا تجيز له الاقتراض المستقبلي من موارد الصندوق.

عودة السودان لعضوية الصندوق سيكون له مردود إيجابي بمعنى تشجيع الاستثمارات والتدفقات النقدية الخارجية، وتحسين وضعية ميزان المدفوعات وإحداث التوازن الداخلي والسيطرة على التضخم في حدود معقولة وإعادة العلاقات الخارجية مع المنظمات الدولية المماثلة كالبنك الدولي الذي تشترط العضوية فيه أن يكون البلد عضوًا في صندوق النقد الدولي، فالبنك الدولي يختص بتقديم قروض طويلة الأجل للتنمية ومشاريع التعمير والبنيات الأساسية وبشرط أقل حدة من شروط صندوق النقد الدولي.

وكذلك فإن العودة للصندوق بالنسبة للسودان تعني شهادة حسن سير وسلوك تستطيع بموجبها أن تعيد المؤسسات والدول المانحة للقروض أن تتعاون مع السودان، فمن وظائف الصندوق أنه يقوم بدور الوساطة للاقتراض من المصادر الدولية الخاصة كالمصادر العالمية الكبرى في أمريكا واليابان، كما أنه يساعد في ترتيب عمليات إعادة جدولة الديون الخارجية للدول الأعضاء؛ ولذلك فإن عودة العلاقات معه تعني رغبة الدول في تسوية ديونها الخارجية.

وبالطبع سينعكس هذا الأمر على المنظمات الإقليمية والعربية كصندوق النقد العربي والصندوق الكويتي للاستثمار فكلها مؤسسات انقطعت أو تضاءلت صلة السودان بها نتيجة عدم الوفاء بالتزاماته والسجل غير الحسن مع المؤسسات الدولية كصندوق النقد الدولي.

غير أن عملية الإصلاح الاقتصادي لا بد أن تكون مرتبطة بإصلاح سياسي شامل يأخذ في الاعتبار كل العناصر الضرورية للسياسة الجيدة والحكيمة في بلد مثقل بالمشكلات المزمنة والأزمة السياسية المستعصية.

 

اقرأ أيضاً:

الاقتصاد السوداني: العَدْو فوق الحواجز

  

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع