|
الاقتصاد.. قاطرة التقارب الإيراني الخليجي
الكويت: أحمد الضبع
شهدت
العلاقات الإيرانية الخليجية تقاربًا حذرًا بعد حرب الخليج الثانية؛
تنامت وتيرتها بعد صعود الإصلاحيين لقمة السلطة في طهران، وبالرغم من
أن القلق الخليجي من الأطماع الإيرانية لم ينتهِ بعد، إلا أن كلا
الطرفان سعيا إلى إزالة شوائب الماضي وفتح صفحة جديدة باستثناء عدد من
المشاكل العالقة وأهمها قضية الجزر الثلاث المتنازع عليها مع الإمارات.
وقد تمثلت أهم مظاهر هذا التقارب فى الزيارات المتبادلة لمسؤولين رفيعي
المستوى من الجانبين أثمرت عن انفراجة فى العلاقات شملت توقيع اتفاقات
اقتصادية وتجارية فى كثير من الأحيان وتختلف مستويات العلاقة من دولة
خليجية لأخرى، حيث تتزايد وتيرتها مع كل من قطر وعُمان، ثم بدأت تدخل
مرحلة متطورة مع كل من السعودية والكويت والبحرين.
القوة والسكان
يحددان مستقبل العلاقة
غير أن مستقبل العلاقة بين الجانبين -الإيراني والخليجي- يتوقف
على عدد من المحددات المهمة أبرزهـا:
1.
العامل
الديموغرافي:
وتتضح أهمية هذا الأمر إذا ما تمَّت مقارنة عامل الديموغرافيا الإيراني
المتزايد قياسًا ببلدان مجلس التعاون، وهو ما يشكل مصدر قلق لأنظمة
وشعوب المنطقة، فهو يحذر من تبدلات التركيبة الاثنية المؤثرة في الخليج
على المدى البعيد، وخاصة مع تشجيع إيران لفكرة الهجرة إلى الدول
المجاورة، ومنها دول الخليج العربي ذات الندرة السكانية.
2.
العامل
العسكري:
فبناء القوة العسكرية الإيرانية من أهم محددات سياستها الخارجية التي
ترى أنه من الضروري أن تصبح إيران قوة إقليمية مؤثرة انطلاقًا من فكرة
أن القوة والمصلحة وجهان لعملة واحدة.
3.
دور
الدول الكبرى في المنطقة:
وتحديدًا الولايات المتحدة التي خسرت إيران مع سقوط الشاه وترغب بقوة
في العودة إلى مواقعها القديمة، وهذا ما سعت إليه في الحوار مع إيران
من الأبواب الخلفية حال وصول الرئيس خاتمي إلى دفة الحكم ومراقبتها
للتغيرات الداخلية البطيئة، غير أنها تراهن على ذلك التغيير وإن كان
على حذر وتدفع في اتجاه تنشيط العلاقات المجمدة وتفعيلها عبر قنوات
عدة، وتبرز خطورة هذا العامل فى أن الدول الكبرى تهرول نحو مصالحها
وبإمكانها أن تستبدل الأطراف وفق المصالح المتجددة في
المنطقة.
ويرى
العديد من المحللين أن محددات العلاقة بين الطرفين تتوقف أيضًا على
الأجندة الخارجية لكل منهما، فبالنسبة لإيران تتشكل سياستها الخارجية
من طموحات عامة ومتعددة يصفها أعداؤها بالانتهازية وردة الفعل فى بعض
الأحيان، ويتفق كثيرون على غموضها وقيامها على استراتيجية
مزدوجة فى أحيان كثيرة، وعلى الرغم من أن إيران خرجت من الحرب مع
العراق ممتعضة من مواقف عدد من الدول العربية في الخليج، فإنها سعت
لتطبيع علاقاتها مع دول الجوار العربية خاصة منذ عام 1989م، أي بداية
من مرحلة الجمهورية الثانية.
ولفهم
التغيرات التي طرأت تدريجيًّا على السياسة الخارجية الإيرانية منذ
حوالي عقد من الآن لا بد من التمييز في مراحل التطور السياسي لإيران
بعد الثورة بين حقيقتين أساسيتين: إحداهما: هي ما يمكن الاصطلاح على
تسميته بالجمهورية الأولى، وبطبيعة الحال كانت بدايتها مع قيام الثورة
عام 1979م وانتهت برحيل الإمام الخميني في عام 1989م. أما الثانية فهي
عهد الجمهورية الثانية الذي بدأ مع علي خامنئي مرشد الثورة وهاشمي
رفسنجاني رئيسًا للجمهورية، وإذا كانت الجمهورية الأولى تتميز بكونها
أكثر التزامًا بمبادئ الثورة وبأسلوبها الصارم مع المعارضة الداخلية،
وبوجود الشخصية الكارزمية المهيمنة وبضعف القدرات العسكرية والاقتصادية
ورفض كامل لعملية السلام في الشرق الأوسط، فإن الجمهورية الثانية التي
بدأت مع انتهاء الحرب العراقية الإيرانية أهم ما ميَّزها هو غياب
الشخصية الكارزمية وبروز التيار الإصلاحي المعتدل والتقليل من أهمية
ولاية الفقيه وبروز التعديلات الدستورية، والتعايش بين تيار الدولة
وتيار الثورة، وموقف عدم الممانعة من عملية السلام.
أمن المنطقة والاستثمار مطالب
للطرفين
ولعل
السؤال الذي يبدو مشروعًا وفي غاية الأهمية هو ما الذي يريده
الإيرانيون والخليجيون من بعضهما تحديدًا؛ إذ لا شك أن لكل منهما
كطرفين رئيسيين في منطقة الخليج، أجندته الخاصة ؟
فإيران تريد الاعتراف بالأمر الواقع
في طهران والتعامل معه على هذا الأساس، كما تريد دورًا في حماية أمن
المنطقة؛ إذ لا يمكن إلغاء دولة رئيسية في حجم إيران واعتبارها كأنها
غير موجودة، ثم التعاون وحسن الجوار، وكذلك دعم التعاون الاقتصادى وجذب
الاستثمارات الخليجية لبلادهم. وعلى استحياء يطالبون بوقف اضطهاد
الشيعة في دول الخليج العربية، والأهم من ذلك الرغبة في أبعاد الوجود
الأمريكي عن المنطقة.
أما
عن أهم ما تتضمنه أجندة دول مجلس التعاون من مطالب مطروحة بشكل أو بآخر
على إيران، فهي كالتالي:
-
أن تتخلى إيران عن فكرة تصدير الثورة.
-
أن تتوقف عن دعم الجماعات المتطرفة بين دول مجلس التعاون والولايات
المتحدة.
-
تنسيق التعاون في المجال النفطي.
-
تخلي إيران عن مفهوم الهيمنة على منطقة الخليج.
-
وقف الهجرة الإيرانية غير المشروعة إلى بلدان الخليج العربي.
-
تشجيع التبادل التجاري.
-
إنهاء احتلال إيران للجزر الإماراتية الثلاث.
المذهبية والقومية عوامل تعوق
التقارب
إذا
أردنا أن نتناول عوامل التنافر بين الطرفين، فإن منها ما لا يمكن أن
يحل ويأتي في مقدمتها: الخلاف المذهبي بين الشيعة والسنة، فإذا كان
الأمر في هذه الحالة لا يمكن التنازل عنه على أساس التباين، فالحل
الوحيد هو أن يقبل كل طرف الطرف الآخر، وثانيًا الجانب القومي الذي
يعكس تباينًا هو الآخر لا يمكن تغييره، فلا مجال لإلغاء المذهبية أو
القومية، وثالثًا الوجود الأمريكي وهو مرحلي على كل حال، لكنه يخلق
حالة من التوتر والتنافر بين الجانبين الإيراني والخليجي اللذين
يتبادلان اللوم في المسؤولية عنه.
ومن
عوامل التنافر الرئيسية التي لا تزال قائمة في المنطقة قضية التسلح
النووي الإيراني التي تشكل أيضًا نقطة خلاف جوهرية، خاصة أن إيران أكبر
دولة في المنطقة مقارنة بدول الخليج العربي التي لا تشكل خطرًا يهدد
أمن إيران، لكن الإيرانيين ما يفتئون يشيرون إلى مخاطر إقليمية تهددهم
وأعداء إقليميين يحيطون بهم من مختلف الجهات، مما يجعلهم مضطرين لحماية
أنفسهم بتسليح قواتهم وتطوير قدراتهم الدفاعية
والهجومية.
الجغرافيا والنفط عوامل
جذب
أما
بالنسبة لعوامل الجذب بين الطرفين فإن الجغرافيا بشتى فروعها تشكل
عاملاً أساسيًّا يحتم عملية التعامل مع إيران، وهي أحد عوامل التجاذب
الرئيسية بين الجانبين، فكما أن طبوغرافية إيران تفرض عليها هجرة خارج
أراضيها لمساعدة عملية التنمية، فإن طبوغرافية منطقة الخليج العربية
تفرض على دولها جذب العمالة من جهات مختلفة.
أما العامل الثاني من عوامل التجاذب هو الإسلام الذي يشكل أرضية
وقاسمًا مشتركًا يجعل كل طرف على علاقة تفاعل مع شؤون الطرف الآخر، أما
الأمن فهو يشكل عاملاً ثالثًا يدعو دول المنطقة إلى ضرورة التفكير في
كيفية تحقيق هذا الأمن، ومدى كفاية الترتيبات القائمة، ثم يأتي النفط
كعامل للتجاذب بين الجانبين؛ إذ يبدو من مصلحتهما الاتفاق للمحافظة على
أسعاره في مستوى معين، إضافة إلى التعاون الاقتصادي والتبادل التجاري
الذي هو بدوره يمثل عاملاً تتزايد أهميته في إطار هيمنة التكتلات
الاقتصادية العملاقة عالميًّا.
لجان التجارة المشتركة مظاهر
التقارب
ومنذ
انتهاء أزمة الخليج الثانية توحي جميع المؤشرات بانفراج في العلاقات
بين إيران ودول مجلس التعاون الخليجي؛ إذ عملت إيران على تقليل الفجوة
القائمة في العلاقات بين الطرفين لإثبات حسن نواياها، وينعكس ذلك في
الزيارات الرسمية المتتالية التي تقوم بها الوفود الإيرانية، وفي
تصريحات المسؤولين الإيرانيين عن استعداد بلادهم لحل خلافاتها سلميًّا
مع دول المنطقة.
وتمثلت
أهم مظاهر هذا التحسن فى محاولة تدعيم أواصر التعاون الاقتصادي
والتجاري مع قطر من خلال اللجنة المشتركة التى يترأسها وزيرا التجارة
فى البلدين، والتي نتج عنها نمو التجارة بين الدولتين إلى حدود 45
مليون دولار وتكللت بزيارة أمير قطر لطهران فى منتصف يوليو 2000م
الماضي، وسارت بشكل جيد أيضًا مع سلطنة عمان التى احتفظت بعلاقات جيدة
مع طهران حتى في زمن التوتر فى مرحلة حرب الخليج
الأولى.
ونظرًا لأهمية السعودية في المعادلة الأمنية الخليجية فقد أولت
طهران لعلاقاتها مع السعودية أولوية خاصة في سياستها الإقليمية، بل وتم
توقيع عدد من اتفاقات التعاون الاقتصادى أثناء زيارة الرئيس الإيراني
للرياض مؤخرًا، ومع الكويت سارت العلاقات على نفس الوتيرة وتم توقيع
عدد من اتفاقات التعاون الثنائية، وخاصة فيما يتعلق بتشغيل المنطقة
الحرة بميناء الشويخ الكويتي، هذا فضلاً عن الاتفاق على استئناف خط
النقل البحرى بين طهران والمنامة.
ويُعَدُّ
اتجاه كل من السعودية والكويت لترسيم حدودهما البحرية مع إيران مظهرًا
هامًّا من مظاهر حل خلافاتهما المحتملة بالطرق السلمية خاصة مع وجود
ثروات نفطية في المناطق المتنازع عليها بين الأطراف الثلاثة، بل تطور
التعاون بين الطرفين لتقدم إيران بمد الكويت بمياه، مما يوجد حالة
نوعية جديدة من العلاقات تسمح بتطويرها.
سبع
عوامل تدفع إيران نحو الاعتدال
ولا
شك أن هناك أسبابًا سياسية واقتصادية تفرض على الحكومة الإيرانية تبني
سياسات جديدة تجاه دول المنطقة، ولكننا في هذا التحليل سنقتصر في
حديثنا على الأسباب الاقتصادية فقط، وهي:
1.
أن
وجود ما يقارب من المليون نسمة من الإيرانيين في دول مجلس التعاون
الخليجي يُعَدُّ عاملاً آخر يفرض على إيران تبني سياسة أكثر واقعية في
علاقاتها مع دول المجلس.
2.
أن
الوضع الاقتصادي في إيران قد تعرض لانتكاسة خطيرة خلال الثمانينيات،
مما يفرض أكثر على طهران التعاون والتنسيق مع العواصم الخليجية للتعاون
والتنسيق في مجال النفط.
3.
رغبة
إيران في الانفتاح الاقتصادي وتشجيع الاستثمار الأجنبي قادت إلى تخفيف
القيود المفروضة على مؤسسات الاستيراد الخاصة التي يمكن أن يكون الخليج
مجالاً رحبًا لعملها وخاصة في الإمارات.
4.
الرغبة
في إعادة البناء والتعمير، وهي العملية التي تتطلب مستلزمات تريد طهران
الحصول عليها بأقل كلفة وفي أقصر فترة ممكنة، مما يجعل الشركات
الخليجية أكثر من غيرها قدرة على تلبية تلك الاحتياجات الإيرانية
بتكاليف منخفضة وسرعة في التسليم.
5.
الرغبة في تشجيع قطاعاتها الاقتصادية
غير النفطية تفرض علي إيران أن تبحث عن أسواق خارجية لمنتجاتها، الأمر
الذي يجعل الأسواق الخليجية أحد أهداف السياسة الخارجية
الإيرانية.
6.
الرغبة
في تحقيق الاتفاق بين دول الأوبك على حصص الإنتاج وأسعار
النفط.
7.
الانتعاش الاقتصادي الذي سيشهده قطاع المصارف
التجارية في دول الخليج مما يمهد الطريق أمام إقامة علاقات أفضل بين
الجانبين تقوم على أساس التكامل ويعزز فرص الاستقرار في
المنطقة.
الاقتصاد أولى من
السياسة
ويتضح
من التحليل السابق أن المصالح الاقتصادية تشكل في مجموعها دوافع أساسية
لتعزيز العلاقات مع دول الخليج، بل وربما تطغى فى أهميتها على الدوافع
الأمنية والسياسية، وخاصة بالنظر إلى تشابك المصالح وتقاربها، والأهم
من ذلك وجود أرضيات مشتركة للتفاهم في العديد من قضاياها على عكس
القضايا الأمنية والسياسية، ومما يزيد من أهمية هذا الملف أن الاقتصاد
الإيراني يختلف إلى حد ما في تكوينه عن اقتصاديات أقطار الخليج العربي،
وهو ما يزيد من فرص التعاون المشترك والتبادل التجاري؛ إذ لا تتعدى
مساهمة قطاع النفط والغاز نسبة 15% من ناتجه القومي الإجمالي وهي أقل
من نسبة مساهمته في أي بلد من بلاد مجلس التعاون الخليجي، كما ترتفع
نسبة إسهام الزراعة في إيران؛ لتتضمن ثلث القوى العاملة وما يعادل 21%
من الـناتج.
ويلاحظ
في إيران أن معدلات النمو السكاني تعوق جهود التنمية؛ لأن الزيادة
السكانية بمعدل 2.3% سنويًّا تلتهم الزيادة في الدخل القومي 3.3%
سنويًّا، ولا يبقى كزيادة فعلية في نصيب الفرد من الدخل سوى 1% سنويًّا
بالمتوسط، وهو ما يزيد من إمكانات التكامل في مجال العمالة مع دول
الخليج التى تعاني من ندرة الأيدي العاملة.
اقرأ
أيضًا:
|