بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

إندونيسيا.. من يوقف شبح الإفلاس ؟!!

–عبد الكريم حمودي -

باستثناء جميع اقتصاديات الدول الآسيوية التي ضربها إعصار الأزمة الاقتصادية في تموز (يوليو) عام 1997م وبلغ ذروته في عام 1998م، فإن مستقبل الاقتصاد الإندونيسي - أكبر الاقتصاديات في جنوب شرق آسيا – ما زال يكتنفه الغموض، وما يزال يعاني من مشكلات وأزمات واختلالات عميقة لم تنفع معها الوصفات والبرامج، ومن أبرز الدلائل على ذلك أن الاقتصاد الإندونيسي لم يستطع أن يسجل أي نمو إيجابي عام 1999م، كما أن أكثر التوقعات تفاؤلاً تؤكد أنه لن يخرج من أزمته الطاحنة هذا العام أيضًا.

ثلاثة أسباب وراء التدهور

ويرى الخبراء أن تخلف إندونيسيا عن مثيلاتها الآسيوية – تايلند، وكوريا الجنوبية، وماليزيا - في تجاوز آثار الأزمة الاقتصادية التي عصفت باقتصادها واستقرارها السياسي والاجتماعي يعود إلى ثلاثة عوامل رئيسة، وهي:

الأول: أن البلاد - ومنذ اندلاع الأزمة الاقتصادية - لم تعرف أي نوع من الاستقرار السياسي، بل على العكس تماماً فقد شهدت - وما تزال - العديد من الجزر الإندونيسية اضطرابات متواصلة على خلفية الأزمة الاقتصادية، بالإضافة إلى أسباب عرقية ودينية، وبلغت هذه الاضطرابات ذروتها بانفصال إقليم تيمور الشرقية في صيف عام 1999م.

الثاني: ضخامة حجم الضربة التي أصابت الاقتصاد الإندونيسي، فعلى صعيد العملة  انخفضت قيمتها بأكثر من 450% في الفترة من تموز (يوليو) 1997م إلى تموز (يوليو) 1998م، وذلك من 3250 روبية للدولار قبل بداية الأزمة إلى نحو 17 ألف روبية للدولار.

وقد أدى انهيار سعر صرف الروبية فقط إلى اعتبار 90% من الشركات والمؤسسات المقيدة في البورصة في حالة الإفلاس، وباتت الحكومة عاجزة عن دفع الدين الخارجي للمصارف والمؤسسات المالية الدولية الذي بلغ في حزيران (يونيو) عام 1997م نحو 58.7 مليار دولار، وأعلن 240 مصرفًا وشركة الإفلاس، وفقد الملايين وظائفهم ومدخراتهم، كما التهمت خسائر القطاع المصرفي وحده أكثر من 50% من الناتج المحلي الإجمالي، في حين أن خسائر هذا القطاع لم تبلغ في الدول الأخرى التي ضربتها الأزمة أكثر من 20%، وحتى الآن ما تزال لدى المصارف ديون هالكة تصل إلى 90 مليار دولار.

وهنا لا بد من الإشارة إلى الدور الذي لعبه الفساد في تدمير الاقتصاد الإندونيسي وما يزال مستمراً في ممارسة هذا الدور حتى الآن، حيث إن أصحاب الأعمال يقدرون نسبة تتراوح بين 15 – 20% من تكاليف شركاتهم ومنتجاتهم مقابل الرشاوى التي يتم وتمنح للبروقراطية الحكومية بجميع صورها وأشكالها؛ لضمان إنجاز معاملاتهم الرسمية مع جميع الجهات المختصة بما فيها الجمارك والضرائب.

ولعل ما كشف عنه الرئيس الإندونيسي عبد الرحمن وحيد من أن ثروة الرئيس السابق سوهارتو الشخصية تبلغ 45 مليار دولار - جمعها أثناء فترة حكمه التي استمرت 32 عاماً - تؤشر على هذا الجانب الخطير، وهذا المبلغ يساوي حجم البرنامج الاقتصادي الذي وضعه صندوق النقد الدولي لانتشال إندونيسيا من أزمتها الاقتصادية.

الثالث: وقوع الاقتصاد الإندونيسي في حبائل صندوق النقد الدولي الذي سارع إلى التدخل وتقديم القروض، ومن ثَمَّ التحكم بهذا الاقتصاد؛ ليعمل بعد ذلك في تسخير موارده ليس لحل المشكلات التي يعاني منها، بل لسداد فوائد القروض الضخمة التي قدمها صندوق النقد الدولي تحت مظلة الاتفاقيات الأربع المعقودة بين إندونيسيا والصندوق وباقي مؤسسات الإقراض الدولية، والتي تركز في جانب هام منها على ضمان حقوق المقرضين الدوليين وتنفيذ اتفاقية فرانكفورت المعقودة بين السلطات الإندونيسية والمقرضين الأجانب من مصارف ومؤسسات مالية، ومن ثَمَّ الوصول إلى اللحظة الحرجة وهي إجبار الحكومة الإندونيسية على بيع مصانعها وشركاتها ومؤسساتها المختلفة بثمن بخس للمستثمرين الأجانب، وهو ما يحدث الآن.

148 مليار دولار ديون إندونيسية

تحتل إندونيسيا الآن المرتبة الثانية كأكبر دولة مدينة لصندوق النقد الدولي بعد روسيا، وقد بلغت قيمة القروض التي حصلت عليها منذ اندلاع الأزمة وحتى الآن نحو 49 مليار دولار لدعم اقتصادها الذي يرزح تحت ديون كبيرة في قطاعه الخاص.

كما تعتبر إندونيسيا واحدة من الدول الأكثر مديونية في العالم؛ إذ قدرت ديونها في نهاية عام 1999م بحسب إحصائيات إندونيسية رسمية بنحو 147.7 مليار دولار، منها 62.7 مليار دولار ديون خارجية.

وتصل تقديرات الدَّين الخارجي إلى 64% من الناتج الإجمالي الحقيقي الذي يبلغ نحو 123 مليار دولار، ومع ارتفاع تكاليف خدمة الدين الخارجي إلى 36.8% من قيمة جملة الصادرات السلعية والخدمية سنويًّا، فإن إمكانية توفير موارد إضافية لمواجهة المشكلات الاقتصادية تبدو ضئيلة، خاصة أن النسبة الكبيرة من القروض المقدمة لإندونيسيا هي قروض قصيرة الأمد، وقد تضخمت قيمة المدفوعات للخارج نتيجة هذه القروض بصورة حادة عام 1998م وبلغت 32 مليار دولار منها 20% التزامات لمديونيات عامة، والباقي يستحق على القطاع الخاص وشركاته وساهم في ارتفاع الالتزامات أن ثلثي قيمة المديونية المستحقة تتمثل في مديونيات قصيرة الأجل تستحق السداد خلال 18 شهرًا على الأكثر.

وربما كانت القروض قصيرة الأجل هي المسؤولة عن جانب من الأزمة نظراً لارتفاع تكاليف خدماتها، فمنذ عام 1992م ونسبة الديون الإندونيسية قصيرة الأجل تتأرجح حول معدل الـ 60% من حجم الديون، وفي منتصف عام 1995م ارتفع معدل الديون قصيرة الأجل إلى 62.5%، ثم تراجع مع نهاية عام 1996م إلى 61.7%، وفي عام الأزمة 1997م بلغت حصة إندونيسيا من الديون قصيرة الأجل حوالي 59%. وفي 22 نيسان (أبريل) 1998م تمت إعادة جدولة ديون قصيرة الأجل لنادي باريس قيمتها 5.8 مليارات دولار، بعدما حصلت إندونيسيا على موافقة الجهة الدائنة الرئيسية وهي اليابان على إعادة جدولة 1.6 مليار دولار.

رؤية مختلفة للصندوق

وفي ظل هذا الوضع، فإن تقويم المؤسسات الدولية - وخاصة صندوق النقد الدولي - للاقتصاد الإندونيسي لا ينطلق من اعتبارات النمو ورفاهية الفرد وحل المشكلات بقدر ما ينطلق من قدرته على توفير الموارد لدفع القروض وخدماتها، حتى وإن أدى ذلك إلى إفلاس الشركات وبيعها في المزاد العلني وما قد يترتب على ذلك من مشكلات اقتصادية واجتماعية، وهو ما يحصل في الوقت الحاضر.

ففي آخر تقييم لصندوق النقد أعلن عنه في 22 حزيران (يونيو) 2000 أكد الصندوق أن الاقتصاد الإندونيسي جيد إلى حد ما، غير أن الصندوق طالب الحكومة الإندونيسية بإسراع خطا برنامجها للإنعاش وبيع المزيد من الأصول الحكومية، وقال أتوب سينغ - نائب مدير الصندوق لمنطقة آسيا والمحيط الهادي في نهاية زيارة لجاكرتا استمرت أسبوعين -: إن وضع الاقتصاد الإندونيسي جيد إلى حد ما، وأشار إلى النمو الاقتصادي الشامل وزيادة الصادرات في الربع الأول من العام الجاري وانخفاض معدل التضخم وارتفاع مستوى الاحتياطات الأجنبية نسبيًّا.

وأضاف سينغ إن الأمر المُلِحّ في هذه المرحلة من مراحل البرنامج هو تحقيق انتعاش الأصول وإعادة الهيكلة، وهذا هو جوهر البرنامج الذي يمضي قُدماً، بإشراف الصندوق.

ويطالب صندوق النقد إندونيسيا في الوقت الحاضر بالإسراع ببيع الأصول الاقتصادية، إلا أن عدداً كبيراً من الإندونيسيين يعارضون ذلك قائلين: إن الصناعة يجب ألا تباع للأجانب بأسعار بخسة في ظل ظروف ضعف السوق، لكن الحكومة تقول: إنها قد تضطر لبيع أصول أخرى بأسعار بخسة من أجل الوفاء بالتزاماتها لصندوق النقد وتجنب أي تأجيل جديد في سداد الديون، ويذكر في هذا السياق أن الميزانية الإندونيسية تستهدف جمع 18.9 تريليون روبية (2.2 مليار دولار) من بيع الأصول هذا العام.

غير أن عمليات البيع تجري ببطء، وقد يتفاقم الوضع نتيجة ركود حاد في السوق قد يقلص قيمة الأصول لدى الوكالة التي تتولى عملية إعادة الهيكلة وبيع الأصول الحكومية، وهي وكالة إيبرا المصرفية التي تعتبر من أقوى الهيئات الحكومية وتبلغ أصولها 70 مليار دولار، وقد برزت في أعقاب الأزمة التي ضربت إندونيسيا.

ويستغل صندوق النقد الدولي حاجة إندونيسيا لمزيد من القروض في فرض شروط إضافية وتعديل برنامجه بين فترة وأخرى، فقد أجَّل الصندوق في وقت سابق من هذا العام – آذار (مارس) – 2000م منح دفعة قرض لإندونيسيا قيمتها 372 مليون دولار لعدم ارتياحه لتنفيذ خطى الإصلاحات الاقتصادية التي تنفذها حكومة الرئيس عبد الرحمن وحيد، لكن الصندوق عاد وأفرج عن القرض في شهر حزيران (يونيو) 2000م بعد أن سارعت الحكومة الإندونيسية في تنفيذ الشروط التي يطالب بها الصندوق.

100 مليون فقير

وعلى الرغم من كل القروض التي قدمها الصندوق فإن الأزمة الاقتصادية ما زالت تتعمق، والمشكلات التي يعاني منها الاقتصاد الإندونيسي تزداد من استعار النار في طول البلاد وعرضها، فالجوع والفقر الذي يضرب الشعب الإندونيسي لا ينتظران انتهاء برامج الصندوق التي ثبت أنها تعمق هذه المشكلات ولا تحلها، فمشكلتا الفقر والبطالة بلغت أرقاماً قياسية تعجز أي دولة عن مواجهتها، ففي حين كان عدد الفقراء عام 1996م يقترب من 22 مليوناً من مجموع عدد سكان إندونيسيا البالغ 208 ملايين نسمة - رابع دولة في العالم من حيث عدد السكان -  فإن هذا الرقم قفز مع نهاية عام 1998م إلى أكثر من 100 مليون شخص.

وتشير التقديرات أن هذا الرقم ربما وصل الآن إلى 110 ملايين شخص، ويذكر أنه منذ منتصف 1997م تراجع دخل الفرد من 1200 دولار إلى 400 دولار سنويًّا. كما أن 80% من السكان يبلغ دخلها أقل من دولار واحد في اليوم، فيما لا يحصل العامل الماهر على أكثر من 35 دولاراً شهريًّا.

ما يمكن قوله في الختام أن أسباب الأزمة الطاحنة التي ضربت البلاد منذ ثلاث سنوات وما زالت آثارها مستمرة حتى الآن أصبحت معروفة وجلية، وبالتالي لا بد – للخروج من هذا الوضع- من إزالة هذه الأسباب والتعامل معها بمنتهى الشفافية، وليس اللجوء إلى صندوق النقد الدولي وقروضه وبرامجه المشروطة التي أدت - وفي إندونيسيا نفسها - إلى إشعال الحرائق في طول البلاد وعرضها في أيار (مايو) عام 1998م، وحوَّلت الشعب الإندونيسي إلى شعب جائع وعاطل عن العمل فيما تتسابق الشركات الأجنبية الآن لشراء الشركات والمؤسسات الإندونيسية التي بناها الإندونيسيون بأموالهم وجهدهم.

وهنا يطرح السؤال نفسه: إلى متى تستمر السلطة في إندونيسيا في اللهاث خلف صندوق النقد الدولي وغيره من المؤسسات المالية الدولية وتعول على وصفاتهم وبرامجهم لإنقاذ الوضع الخطير الذي آلت إليه الأمور؟ أليس من الأجدى الاعتماد على الذات كما فعلت ماليزيا وحققت نجاحاً كبيراً .في إنقاذ اقتصادها وشعبها؟!

نقلاً عن قدس برس

 

اقرأ أيضًا:

- التقارب الإندونيسي-الإسرائيلي منافع محتملة في مواجهة أطماع مؤكدة

- إندونيسيا وتجارة بلا قيود مع إسرائيل

- صناعة الطائرات .. حُلْم إندونيسي في مُفْتَرق الطُّرق!!

اقرأ باقي موضوعات نماء:

- 840 مليار دولار.. الإنفاق العسكري يتزايد على حساب التنمية

- في مجموعة الثمانية: أيتام على موائد الأغنياء!!

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

أدلة وخدمات

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع