|
القرار
الاقتصادي.. منهجية إسلامية
علي
عبد العزيز
علم
الاقتصاد هو علم يدرس خيارات الناس
والتصرفات التي يقومون بها من أجل تحقيق
أفضل استخدام للموارد النادرة، ومن ثم يُطلق
عليه أحيانًا "علم الندرة" والتي
تُعرَّف على أنها وضع لا توجد فيه موارد
كافية لتلبية احتياجات الجميع، ومن ثم فهو
علم يساعدنا على اتخاذ القرار والمبادلة بين
الأهداف والخيارات، فعلى سبيل المثال:
إذا
أنفقت كل ما لديك على الغداء فقد لا يتبقى
لديك ما تنفقه على العشاء.
إذا
أنفقنا أكثر على قطاع الدفاع سنضطر إلى
تخفيض الإنفاق على قطاعات أخرى كالتعليم
مثلاً، وهكذا حيث يوجد عدد لا نهائي من هذه
المبادلات، وفي هذا الصدد يقوم الاقتصاديون
بدراسة الطرق التي يتم بها ترشيد عملية
اتخاذ القرار والتعامل مع محدودية الموارد
بصورة ملائمة.
ويمكن
القول: إن الأدوات والمعايير المستخدمة
لترشيد عملية اتخاذ القرار تهدف إلى تحقيق
الأغراض التالية:
-
تحقيق مكاسب أو مصالح مرتقبة.
-
تعظيم مكاسب أو مصالح موجودة.
-
دفع أضرار أو مفاسد متوقعة.
-
تقليص أضرار أو مفاسد موجودة.
خمسة
معايير تحكم القرار الصحيح
وقد
أسفرت جهود المختصين المتراكمة على مَرّ
الزمن عن العديد من المفاهيم والمعايير التي
يتم استخدامها للوصول إلى أفضل البدائل،
واتخاذ القرار الاقتصادي السليم سواء على
مستوى المنشأة أو الدولة، ومن بينها:
1
- حدود وإمكانيات الإنتاج:
لكل
مجتمع موارد محدودة من: العمل ورأس المال
يستخدمها لإنتاج السلع والخدمات، فإذا
افترضنا أنه على المجتمع أن ينفق هذه
الموارد على إنتاج سلعة "السيارات"
وخدمة "التعليم" فعند توجيه كل الموارد
للإنفاق على التعليم؛ فسوف يحصل المجتمع على
10 آلاف خريج سنويًّا على سبيل المثال، ويكون
إنتاج السيارات في هذه الحالة صفرًا، وإذا
وجهت كل الموارد لإنتاج السيارات سوف ينتج
المجتمع 20 ألف سيارة سنويًّا، وسيكون عدد
الخريجين في هذه الحالة صفرًا، فإذا ما
أردنا رفع عدد الخريجين علينا تخفيض إنتاج
السيارات والعكس صحيح، وهو ما يعطينا عدد لا
نهائي من المبادلات بين السيارات والخريجين
على منحنى إمكانيات الإنتاج، يمكن لصانعي
القرار المفاضلة بينها لاختيار أفضل توليفة
من أعداد السيارات والخريجين.
2-
تكلفة الفرصة البديلة:
وتعرف
بأنها تكلفة نشاط ما مُقدَّرة بقيمة الفرصة
الضائعة لاستغلال نفس الموارد أو نفس الزمن
في أفضل نشاط بديل ممكن؛ فإذا كان ثمن فنجان
قهوة 3 دينارات مثلاً وثمن فنجان الشاي دينار
واحد؛ فإن تكلفة شرب فنجان قهوة تساوي فقدان
فرصة شرب ثلاثة فناجين من الشاي، كما أن قضاء
ساعتين مثلاً في المذاكرة تساوي التضحية
بنفس الزمن في التنزه، وقس على ذلك.
تعطينا
تكلفة الفرصة البديلة الفرق بين الربح
الاقتصادي والربح المحاسبي حيث يحسب هذا
الأخير على أساس الربح = الإيرادات –
التكاليف.
دون
اعتبار لتكلفة الفرص البديلة ضمن التكاليف
بعكس الربح الاقتصادي.
3-
تحليل المنافع والتكاليف:
وعادة
ما يُستخدم هذا التحليل في مجال المنافع
العامة؛ حيث يهدف إلى معرفة ما إذا كانت هذه
المنافع التي يتحصل عليها الجمهور من
البرامج الحكومية كافية إلى درجة تبرر
المبالغ المنفقة عليها، ما المبلغ الذي يجب
إنفاقه على إضاءة الشوارع؟ مثلاً ولماذا هذا
المبلغ بالذات؟ وما المعيار لذلك كله؟ وهل
يتحمل الناس تكلفة هذه البرامج حسب مقدار
الخدمة أو المنفعة التي يستلمونها، أم أنهم
يحصلون على منافع متساوية ويدفعون تكاليف
غير متساوية؟، أو يدفعون تكاليف متساوية
ويستلمون منافع غير متساوية؟ وما هي النتائج
في كل حالة؟ وكيف يتصرف الأفراد، بناءً على
ذلك.
هذه
الأسئلة وإجاباتها تدخل فيما يُسمَّى
بنظرية الاختيار العام public choice theory التي
تقترح أن ردود الأفعال في ظل نظام
الانتخابات المباشرة سوف تتم من خلال السلوك
التصويتي للأفراد.
4-
نقطة الإغلاق:
إذا
أصبح مشروع ما يحقق خسائر فهل يتم إغلاقه
مباشرة أم لا؟ وما المعيار لذلك؟ ينص تحليل
نقطة الإغلاق على أن المشروع يستمر في
الإنتاج طالما لا يزال يغطي تكاليفه
المتغيرة؛ وهي التكاليف المتعلقة بالإنتاج
كالمواد الخام وغيرها ولا يُغلق المشروع إلا
إذا عجز عن تغطية هذه التكاليف؛ وذلك لأن
التكاليف الثابتة سوف يتحملها المشروع سواء
أنتج أم لا كإيجارات المباني مثلاً، ومن ثم
يستمر المشروع في الإنتاج بهدف تقليل
الخسائر إلى أن يتحسن الوضع؛ لأنه إذا توقف
في مثل هذه الحالة ستكون الخسارة أكبر.
5-
الآثار الخارجية:
وهي
الآثار التي تنجم عن استهلاك أو إنتاج سلعة
أو خدمة ما على طرف ثالث غير البائع والمشتري
ولا تظهر في السعر، وهذه الآثار قد تكون
إيجابية أو سلبية، وأبرز مثال على هذه
الآثار السلبية هو صناعة الأسمنت التي تلوث
البيئة المجاورة للمصنع، وتضر بالمزارع
وبصحة المقيمين في المنطقة، فعلى الرغم من
أن هذه الصناعة تساهم في الإنتاج القومي،
إلا أنها في نفس الوقت تضر بالإنتاج الزراعي
والصحة العامة، وهو ضرر غير مشمول في سعر بيع
كيس الأسمنت.
فما
الموقف الذي سيتخذه صانعو القرار والسياسة
العامة هل هو:
إغلاق
المصنع؟
أو
فرض ضرائب على صناعة الأسمنت لتعويض
المتضررين منها؟
-
أو فرض قيود بيئية صارمة على صناعة الأسمنت؟
وأي
من هذه الخيارات سيحقق نفعًا أكثر أو ضررًا
أقل ؟!!.
كما
أن استخدام التقنيات المذكورة آنفًا يساهم
في تحقيق التخصيص الأمثل للموارد، الأمر
الذي يفضي في النهاية إلى رفع مستوى الرفاه
في المجتمع، وزيادة الكفاءة الاقتصادية،
ولقد حدثت بسبب عدم إدراك هذه التقنيات أو
تجاهلها والتقصير في استخدامها خسائر كبيرة
لدول العالم الثالث أدت إلى هدر كميات كبيرة
من الموارد المحدودة أصلاً، في الوقت نفسه
الذي ترسخت فيه هذه المعايير وتجذرت في
بلدان العالم المتقدم، وأصبحت منهجًا
وأسلوبًا لاتخاذ القرارات على جميع
الأصعدة، بما فيها جانب العلاقات
الإنسانية؛ وذلك بسبب سيطرة الجانب المادي
على الشخصية الغربية في كثير من الأحيان.
الفكر
الإسلامي أسبق في وضع المعايير
ورغم
إن هذه المعايير قد استحدثت عبر الزمن في
تراكم معرفي- يحظى بالاحترام-قام به العديد
من الاقتصاديين على مستوى العالم، إلا أننا
ومن خلال الاطلاع المتواضع على تراث الفقه
الإسلامي؛ نلاحظ أن هذه المنهجية في اتخاذ
القرار أصيلة لدينا، وقد قام الفقهاء
والمجتهدون في هذه الأمة باستخدام هذه
التقنيات بشكل مثير للإعجاب منذ ما يزيد على
ألف عام رغم اختلاف مسمياتها؛ ولْنَرَ ما
يقوله هنا الإمام ابن قيم الجوزية – رحمه
الله - في كتابه "الفوائد" عن الأساس
الذي تُبنى عليه الإدارة ويُتخذ به القرار،
وذلك في فصل تحت عنوان "أقسام الفكر":
"أصل
الخير والشر من قبل التفكر، فإن الفكر مبدأ
الإرادة والطلب في الزهد والتراث، والحب
والبغض.
وأنفع
الفكر: الفكر في مصالح المعاد، وفي طرق
اجتلابها، وفي دفع مفاسد المعاد، وفي طرق
اجتنابها، فهذه أربعة أفكار هي أجل الأفكار،
ويليها أربعة: فكر في مصالح الدنيا وطرق
تحصيلها، وفكر في مفاسد الدنيا وطرق
الاحتراز منها، فعلى هذه الأقسام الثمانية
دارت أفكار العقلاء".
ثم
يسترسل الإمام ابن القيم في سرد بعض الأفكار
الرديئة حتى يقول:
"فكل
هذه الأفكار مضرتها أرجع من منفعتها، ويكفي
في مضرتها شغلها عن الفكر فيما هو أولى به
وأَعْوَد عليه بالنفع عاجلاً وآجلاً".
ويضع
الإمام هنا أساسيات اتخاذ القرار والتخطيط
له في الأجل البعيد "المعاد" وفي الأجل
القريب "المعاش"، أي مصالح الدنيا التي
لا يعتبر الاقتصاد إلا جانبًا من جوانبها
المتعددة، كما أنه لا يحصر هذه الآلية في
إطار ضيق محدود بل يعممها فيقول:
"ومنها
الفكر في المقدرات الذهنية التي لا وجود لها
في الخارج ولا بالناس حاجة إليها البتة وذلك
موجود في كل علم، حتى في علم الفقه والأصول
والطب".
المفاضلة
بين المصالح والمفاسد
لقد
كرر الإمام ابن القيم منهجية المفاضلة بين
المصالح والمفاسد كما يمكن أن نسميها من
الناحية الشرعية أو المكاسب والخسائر كما
يمكن أن نسميها من الناحية الاقتصادية، وذلك
في أكثر من موضع فيقول: "فصل تحصيل أعظم
المنفعتين":
"اللذة
المحرمة ممزوجة بالقبح حال تناولها، مثمرة
للألم بعد انقضائها، فإذا اشتدت الداعية منك
إليها تفكّر في انقطاعها وبقاء قبحها
وألمها، ثم وازن بين الأمرين وانظر ما
بينهما من التفاوت.
والتعب
بالطاعة ممزوج بالحسن مثمر للذة والراحة،
فإذا ثقلت على النفس ففكّر في انقطاع تعبها
وبقاء حسنها ولذتها وسرورها، ووزان بين
الأمرين وآثر الراجح على المرجوح.
إن
تألمت بالسبب فانظر إلى ما في المسبب من
الفرحة والسرور واللذة – يَهُن عليك
مقاساته، وإن تألمت بترك اللذة المحرمة،
فانظر إلى الألم الذي يعقبها، ووزان بين
الألمين.
وخاصية
العقل تحصيل أعظم المنفعتين بتقريب أدناهما
واحتمال أصغر الألمين لدفع أعلاهما، وهذا
يحتاج إلى علم بالأسباب ومقتضياتها، وإلى
عقل يختار به الأولى والأنفع له منهما، فمن
وفر قسمة من العقل والعلم اختار الأفضل
وآثره، ومن نقص حظه منهما أو من أحدهما اختار
خلافه، ومن فكر في الدنيا والآخرة علم أنه لا
ينال واحدًا منهما إلا بمشقة، فليحتمل
المشقة لخيرهما وأبقاهما".
كما
يقول الإمام أيضًا عن: اللذة من حيث هي
مطلوبة للإنسان، بل ولكل حي، فلا تذم من جهة
كونها لذة، وإنما تذم ويكون تركها خيرًا من
نيلها، وأنفع إذا تضمنت فوات لذة أعظم منها
وأكمل، أو أعقبت ألمًا حصوله أعظم من ألم
فواتها".
"فها
هنا يظهر الفرق بين العاقل الفطن والأحمق
الجاهل فمتى عرف العقل التفاوت بين اللذتين
والألمين وأنه لا نسبة لأحدهما إلى الآخر،
هان عليه ترك أدنى اللذتين لتحصيل أعلاهما
واحتمال أيسر الأمرين لدفع أعلاهما".
وبالتالي
نجد أن هذا التحليل في الفكر الاقتصادي
والفكر الإسلامي يدور حول جانبين أساسيين
هما:
-
تعظيم المنافع Benefit Maximization
-
تقليص الأضرار loose minimization
فقد
ساهم هذا التحليل في الفقه الإسلامي في
استنباط العديد من القواعد الفقهية التي
تستخدم في استخلاص الأحكام الشرعية لمختلف
القضايا، والتي يمكن تطبيقها في مختلف
المجالات، ومن هذه القواعد:
-
ما لا يدرك كله لا يترك جله.
-
دفع المفاسد يقدم على جلب المصالح.
-
لا ضرر ولا ضرار.
-
أخف الضررين.
والتي
تنطوي على استخدام ضمني للمعايير والتقنيات
التي ذكرت في بداية كلامنا، حيث يرى بعض
الفقهاء أن مبدأ التعويض العادل لمن أصابه
ضرر ما كإتلاف سيارة الأجرة التي يعمل عليها
أو مصادرة استثمار ما في مصنع أو عمارة كأن
يؤجرها على سبيل المثال، يجب أن يتضمن:
1
- قيمة الضرر أي التلف أو المصادرة.
2
- ما فات منه مغنم، أي الدخل الذي كان يعود
على المالك من السيارة أو العمارة.
بمعنى
أن يشمل التعويض قيمة الفرصة الضائعة أو
التي ضُيّعت قسرًا على المتضرر، كما أنه إذا
لم تستطع أن يأتي بالأمر كله فَأْتِي منه ما
استطعت، فإذا لم تستطع أن تحقق أرباحًا –
مثلاً - فليس أقل من أن تقلل الخسائر فما لا
يدرك كله لا يترك جُلّه، كما يروى أن الإمام
ابن تيمية مَرَّ على رجل يقوم بنَهْي مجموعة
من التتار الذين غزوا بغداد والشام عن شرب
الخمر، فقال له يا هذا إن الله قد حرم الخمر؛
لأنها تصُدُّ عن الصلاة وعن ذكر الله وهؤلاء
تصدهم الخمر عن قتل المسلمين، دعهم، حيث يرى
الإمام ابن تيمية أن الأمر بالمعروف والنهي
عن المنكر يصبح حرامًا إذا أدى إلى منكر أكبر
من المنكر الذي كان سائدًا من ذي قبل، وهو
تطبيق لمبدأ المفاضلة بين المصالح والمفاسد
أو المكاسب والخسائر في النظرية الاقتصادية.
وهو
ما يدعو إليه القرآن فقد أنكر الله عز وجل
على بني إسرائيل تصرفهم في قضية الخمر
والميسر بقوله تعالى: "أَتَسْتَبْدِلُوْنَ
الَّذِيْ هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ
خَيْر..." وقوله ".. وَإِثْمُهُمَا
أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما…"، وهو إيحاء
بترك الخمر والميسر؛ لأن إثمهما أكبر من
نفعهما.
لماذا
لم نستفد من تراثنا؟!!
إن أسلوب التحليل والاستنباط الذي استخدمه
الفقهاء المجتهدون في هذه الأمة للوصول إلى
قرار أو حكم شرعي في المسائل الفقهية
المختلفة جدير بالدراسة والتمحيص من جميع
المختصين خاصة في العلوم الإنسانية، ونحن
على ثقة من أن الرصيد الفكري والمعرفي الذي
تركه هؤلاء المجتهدون يحوي الكثير من
متحفزات الإبداع الإنساني في القضايا
المعاصرة بالذات، فما هو السبب في تأخر
استفادتنا من هذا التراث الفكري؟!
لعل
السبب الرئيسي في ذلك هو ذلك الفصام السائد
حتى الآن بين العلوم الشرعية والعلوم
الأخرى؛ إذ إن الدارسين للعلوم الشرعية لا
يتلقون ما يلزمهم في حياتهم العملية من
الاختصاصات الأخرى كالإدارة والاقتصاد
ومهارات الاتصال، وما إلى ذلك والتي لا غنى
لهم عنها حينما ينخرطون في العمل بإحدى
مؤسسات المجتمع، كما أن دارسي العلوم الأخرى
لا ينالون ما يلزمهم من العلوم الشرعية التي
يحتاجونها في اختصاصهم، وقد تفطنت الدول
المتقدمة إلى مسألة شبيهة بهذه؛ حيث أصبحت
الجامعات والكليات التي تدرس العلوم
التطبيقية كالهندسة والطب والكمبيوتر تفرض
على طلابها دراسة بعض المقررات التي تهم
تخصصهم في الإدارة والاقتصاد؛ وذلك بهدف
تأهيلهم لعملية:
-
اتخاذ القرار السليم في مجالاتهم.
-
التخصيص الأمثل للموارد المستخدمة.
ونحن
علينا أن نقوم بما هو أكثر من ذلك أي أن
نُطَعّم دارسي العلوم الشرعية ببعض العلوم
الإنسانية (إدارة – اقتصاد)، ودارسي العلوم
الطبيعية ببعض العلوم الإنسانية والشرعية،
ودارسي العلوم الإنسانية ببعض المقررات
الشرعية.. وهي عملية تهدف إلى ما يسمى بعملية
ضبط النسب أي نسب المعرفة المطلوبة في كل
تخصص من التخصصات بما يحقق التوازن المعرفي
لكل خريج أو متخصص.
إن
اللذة عند ابن القيم هي المنافع عند
الاقتصادي، والألم عنده هو الخسائر عند
الاقتصادي، إلا إن الفرق هو أن الاقتصاد
الذي لا خلفية شرعية له يعتبر أن كل ما يراه
الفرد أو الوحدة الاقتصادية لذة هو منفعة
ينبغي تعظيمها، حتى وإن كانت إنتاج أو تعاطي
الخمور والسجائر أو الدعارة أو المخدرات في
الدول التي لا تجرم تعاطي المخدرات، بينما
صاحب الخلفية الشرعية يقسم اللذة إلى قسمين
كما فعل ابن القيم لذة أو منفعة مباحة، ينتهج
فيها أسلوب المفاضلة بين المباحات، ويلجأ
إلى تحصيل أعظمها.. ولذة أو منفعة محرمة
ينتهج فيها أسلوب أخف الضررين ضرر الترك
وضرر الإتيان، وأسلوب دفع المفاسد يقدم على
جلب المصالح أي دفع الأضرار العامة يقدم على
جلب المصالح الخاصة، كما هو الحال في الخمور
والسجائر والدعارة والمخدرات التي حتى وإن
اعتبرها بعض أو مجموعة من أفراد المجتمع
منافع لهم؛ فإن لها أضرارًا عامة ينبغي أن
يعيها ويواجهها صانعو السياسة العامة، وهي
نقطة التميز في منهجية اتخاذ القرار في
الفكر الاقتصادي الإسلامي.
|