|
5
مليارات مارك لألمانيا
كرة
القدم في ملاعب العولمة!!
نبيل
شبيب- بون
أزمة
كروية "هامشية" بين الأشقاء الأوروبيين
الألمان والبريطانيين، وتبادل الاتهامات مع
الأصدقاء البرازيليين، وخيبة أمل بعد
الحماس الكبير في جنوب أفريقية، وعودة إلى
عالم الواقع في المملكة المغربية..
هذه بعض النتائج الإضافية التي رافقت إعلان
النتيجة الرئيسية وكانت -كما انتشر في أنحاء
العالم خلال دقائق معدودة- لصالح ألمانيا
التي لم يمضِ سوى أيام معدودة على هزيمتها
المُرّة في دوري التصفية الأول في البطولة
الأوروبية.
ولكن فوزها الآن كان في المباراة الأهم
والأكبر شأنًا من أي مباراة على الملعب
الأخضر، وهي السباق أو هي مبدئيًّا آخر جولة
من جولات السباق الطويل على استضافة البطولة
العالمية لكرة القدم، هذه المرة على مباريات
عام 2006 م، أي بعد ست سنوات، وكانت ألمانيا قد
تقدّمت بطلب الترشيح الرسمي في حزيران/ تموز
عام 1993م، بعد أن قررت في تشرين الثاني/
نوفمبر عام 1992 م ترشيح نفسها ..
أي أن السباق بدأ قبل سبع سنوات على الهدف
القادم بعد ست سنوات، وكان آخر المشاركين
فيه أو المشجعين على الفوز فيه المستشار
الألماني جيرهارد شرودر ووزير داخليته أوتو
شيلي، فضلا عن عمالقة تاريخ الكرة
الألمانية، ومن وراء هؤلاء بضع شركات
ألمانية تبرعت بعشـرين مليون مارك لتمويل
"الحملة الدعائية " المرافقة للترشـيح !.
الاعتقاد
بأن هذا كله إنّما هو من صنع التعبير الصادق
عن العشق الجماهيري لكرة القدم اعتقاد ساذج
إلى حدّ بعيد ..
فلا نقف عنده بعد أن فقدت الكرة براءتها
وعذريتها منذ زمن طويل، مثلها في ذلك مثل
النسـبة العظمى من الألعاب الرياضية، لا
سيما " الجماهيرية " منها، التي اقتحمت
عبر البطولات العالمية المختلفة "بورصات
" العولمة المالية والاقتصادية قبل كثير
من ميادين العلاقات البشرية الأخرى، واحتلت
في ذلك أمكنة لا ينازعها عليه أحد، ولا
ينافسها في حجم المضاربات الدائرة حولها
منافس .
5
مليارات مارك عائد البطولة المتوقع
في
دراسة أجرتها جامعة بادربورن الألمانية
ونشرت نتائجها قبيل الإعلان عن قرار استضافة
بطولة 2006 م، جاء تقدير حجم الاستفادة " غير
المباشرة " للاقتصاد الألماني من البطولة
العالمية بحوالي خمسة مليارات مارك، مقابل
ميزانية متوقعة أثناء البطولة في حدود
ستمائة مليون مارك .
أما الاستثمارات التي يتطلبها الإعداد
التنظيمي، كإصلاح الملاعب، وإقامة
منشآت استيعاب الوفود الرياضية والمتفرجين
وغيرهم، فتغطي نفسها أولا من العائدات
المباشرة المشابهة لنفقات السائح، وتغطي
نفسـها أضعافًا مضاعفة عبر الاستفادة من
المنشآت المعنية بعد انقضاء أيام البطولة،
القصيرة نسبيًّا .
ومن المقرر أن تنفق ألمانيا زهاء ثلاثة
مليارات مارك على تطوير 16 ملعبًا رياضيًّا
في ألمانيا خلال السنوات الست القادمة.
يختار
الاتحاد العالمي لكرة القدم قبيل موعد
البطولة 12 ملعبًا منها، والجدير بالذكر أن
الفوارق الاقتصادية في ألمانيا الموحّدة ما
بين شرق البلاد وغربها ستظهر للعيان في هذا
الإطار أيضًا، فليس بين المدن الست عشرة
التي ستستعد لاستضافة المباريات سوى مدينة
واحدة في الشرق، وهي بوتسدام، القريبة من
برلين العاصمة .
وكان من وسائل التأثير غير المباشر على قرار
اللجنة التنفيذية لاتحاد كرة القدم الدولي
في زيوريخ، أن المستشار الألماني شرودر أعلن
قبل ثلاثة أيام من الاجتماع الحاسم في
زيوريخ، اعتماد 473 مليون مارك لإصلاح ملعب
برلين الذي يفترض أن يشهد يوم 9/7/2006 المباراة
النهائية على البطولة العالمية .
40
مليون مشاهد في أنحاء العالم
وكي
نتصوّر حجم التطوّر في المسيرة الذهبية عبر
محطات العولمة الرياضية هذه، نعود بالذاكرة
إلى سجلات التاريخ، إلى عام 1936 م، عندما نقل
التليفزيون الألماني في العهد النازي ولأول
مرة المباريات الأوليمبية نقلا مباشرًا،
وآنذاك كان عدد المشاهدين عبر الشاشة
الصغيرة في حدود 140 ألفًا، واليوم يتوقع
الألمان أن يتابعهم عام 2006 م أربعون مليون
مشاهد في أنحاء العالم ..
وآنذاك شملت المتابعة الإعلامية علاوة على
ذلك أربعين محطة إذاعية، وهذه متوفرة اليوم
في بلد أو بلدين أوروبيين، وآنذاك قام على
تغطية الحدث الرياضي الكبير زهاء 1800 صحفي من
60 بلدًا ..
بينما بلغ عدد تغطية بطولة 1998 م لكرة القدم
زهاء ثمانية آلاف صحفي .
ومن أراد أن يقرأ الأرقام بلغة الدرهم
والدينار، فليرَ قيمة ما يُباع من حقوق البث
التليفزيوني المباشر للحدث الرياضي، التي
ووصلت إلى 700 مليون دولار في الدورة
الأوليمبية الأخيرة عام 1996م في أطلنطا
بالولايات المتحدة الأمريكية .
على
أنّ حقوق البث وسائر ما يتبعها ليست سوى
وسيلة لتحقيق غاية أكبر، وأرباح مالية أعظم،
فالبث ليس مطلوبًا بحد ذاته، بل نتيجة
اعتبار المتابعة الرياضيـة أفضل السـبل
لحصول المحطة التليفزيونية المعنية على
إعلانات دعائية..كما
تحصل الاتحادات الرياضية الوطنية والعالمية
على عائدات مالية ضخمة من خلال استغلال
المباريات الرياضية، ورموز البطولات
العالمية، وثياب النجوم الرياضيين، وغير
ذلك من الوسائل، لعقد صفقات دعائية كان حجم
عائدات اللجنة الأوليمبية الدولية منها في
دورة 1996 م في حدود 300 مليون دولار، وذلك من
جانب عشرة شركات فقط، توصف بالراعية
للمباريات، وهي المفضلة فيما تحصل عليه من
مواقع رئيسية لإعلاناتها الدعائية ابتداء
من لحظة الإعداد الأولى للبطولة، وإلى ما
بعد تسليم كأس الفوز فيها .
1.3
مليار دولار حصيلة للدعاية سنويًّا
لقد
أصبحت "الرياضة" في هذه الأثناء في
المرتبة الأولى بين سائر ميادين الدعاية
الاقتصادية في أنحاء العالم، بما يزيد حجمه
على 1.3
مليار دولار سنويا ..
وهو مبلغ يعادل – على سبيل المقارنة - أكثر
من ضعف ما ينفق للدعاية في الميادين
الثقافية، وخمسة أضعاف ما ينفق للدعاية في
الميادين العلمية والبيئية .
ولا
يكفي الرقم المذكور وحده لبيان الحجم
الحقيقي لاستفادة الشركات الاقتصادية من
المباريات الرياضية، الذي يجعلها تنفق
أضعاف المبلغ المذكور للدعاية ذات الصلة
بالحملات الدعائية أثناء المباريات ..
فالشركات المفضلة المعنية تكتفي في هذه
الحملات بالتعريف باسمها أو التذكير به على
أوسع نطاق؛ إذ لا يمكن أن يحمل " القميص
الرياضي " مثلا شرحًا دعائيًّا لمنتجات
الشركة؛ ولهذا يقدّر الخبراء في الدعاية
الاقتصادية، أنّ كلّ دولار تنفقه شركة كبرى
على الدعاية
المرافقة للمباريات العالميـة، يقترن
بإنفاق ضعفه أو ثلاثة أمثاله على أغراض
الدعاية التي تتضمن التفاصيل، حتّى تحقـق
"الدعاية الرياضية" المختصرة نسبيًّا
أغراضها،
وهي بطبيعة الحال ترويج السلع والمنتجات
لتحصيل أرباح إضافية في الأسواق العالمية،
بما يتجاوز حجم النفقات الدعائية أضعافًا
مضاعفة كما تقتضي أبسط القواعد التجارية .
لا
غرابة إذن أن يعلن الاتحاد الدولي لكرة
القدم يوم 9/6/2000 م، أي قبيل بدء مباريات
البطولة الأوروبية الأخيرة لكرة القدم، عن
لائحة تنظيمات جديدة، تتضمّن فيما تضمن فرض
العقوبات على لاعب كرة القدم، إذا ما أخذته
"النشوة " بعد تسديد هدف مثلا، فعبّر عن
ذلك كما يعلم متابعو تلك المباريات، عن طريق
نزع قميصه أو رفعه وتغطية وجهه ورأسه به ..
فهذه الحركة تمنع مئات الملايين من
المشاهدين على الشاشة الصغيرة في لحظة
اقتراب عدسة التصوير من اللاعب المعني، من
رؤية الدعاية المكتوبة على القميص، التي
سدّدت الشركة المعنية من أجلها مبالغ طائلة .
40
مليار اتصال إعلاني في جميع المباريات
ولا
تأتي هذه الدعاية الضخمة عبر البطولات
العالمية ولا تنفق الشركات مئات الملايين
عليها اعتباطًا، بل أصبحت منذ زمن بعيد
نتيجة مدروسة لمخططات محكمة وعمليات تقويم
متوالية، تنعقد لها المؤتمرات، وتنظم
الدورات، ويؤهّل المتخصّصون، وتقام المنشآت
..
فالرياضة –كما جاء في مؤتمر ضمّ مائتين من
الخبراء الألمان والفرنسيين والبريطانيين
في أواخر عام
1997 م ببرلين- عبارة عن بضاعة، سلعة
تجارية، فمن يرغب في تسويقها، عليه الالتزام
بقواعد السوق ومتطلباتها.
ويعبّر عن ذلك أيضا هارتموت تساستروف، من
معهد البحوث العلمية للتسويق في كولونيا،
فيقول: إنّ أهمّ ما تريده الشركة هو تثبيت
مكانتها العالمية، وتسويق بضائعها، عن طريق
ربط ميل المستهلك إلى لعبة رياضية أو أحد
النجوم الرياضيين، بميله إلى الشركة التي
يقترن اسمها بالمباريات وأبطالها.
وليس هذا المفعول بسيطًا، بل لا تكاد توجد
مناسبة لتحقيقه على أوسع نطاق عالمي مثل
البطولات الكروية العالمية .
ومن
الشركات المعروفة التي تحتل المرتبة الأولى
في الدعاية لنفسها في البطولات العالمية،
شركة آديداس لمختلف المنتجات المتعلّقة
بالرياضة، ويقول المسؤولون فيها: إن عدد "الاتصالات
الدعائية " بين المشاهدين في أنحاء
العالم، والإعلانات الدعائية المرافقة
للمباريات، يناهز (40 مليار اتصال) ..
والمقصود بهذه الكلمة "لحظة وقوع عين
المشاهد" في المدرجات أو عبر الشاشة
الصغيرة، على اسم الشركة أو ما يرمز إليها،
أثناء متابعته للعبته المفضلة طوال جميع
المباريات.
وبالنسبة
لتلك الشركات العملاقة التي اخترقت عبر
مسيرة العولمة الحدود الوطنية وتجاوزت
حواجز الحماية الجمركية والتجارية وغيرها،
فالأهم من سائر ما سبق أن الرقم المذكور لعدد
"لحظات الاتصال الدعائي" موزّع على 195
بلدًا في مختلف أنحاء العالم، وهو ما لا يمكن
الوصول إليه عبر مختلف الميادين والأساليب
الدعائية الأخرى .
كما تحقّق الشركة الغاية من دعايتها
المعتمدة على المباريات الرياضية، بطرق
إضافية غير مباشرة، قد تكون أمضى مفعولا؛
لأنّها لا تحمل الصبغة الدعائية مباشرة، كأن
تتناقل وسائل الإعلام في نشراتها الإخبارية
أنّ "شركة آديداس" هي التي جهّزت فريقًا
أو نجومًا رياضيين معروفين بما يحتاجون إليه
من ملابس وأدوات رياضية.
إنّ
آديداس في سائر المباريات، وتيليكوم في سباق
الدراجات، ودايملر بنز في سباق السيارات،
وكوكاكولا العابرة للقارات " ..
تشارك واقعيًّا الفريق الرياضي في كلّ
مباراة يدخل فيها أثناء البطولة، وقد يخسر
الفريق ..
أمّا الشركة فلا تخسر، ما دام الغرض الدعائي
متحقّقًا على كلّ حال.
أقرأ
باقي المواضيع:
مصر
وإيران:
التجارة
تحرك السياسة الراكدة
تقرير
التنمية البشرية:
العرب
في المؤخرة!!
|