|
ماليزيا..
الخروج من الأزمة بعيدًا عن الصندوق
عبد
الكريم حمودي
مَثَّلت
الأزمة المالية التي وقعت في دول جنوب شرق
آسيا في عام 1997م حجر عثرة من النوع الثقيل في
طريق النمو الذي سلكته النمور الآسيوية، وبعد
أن كانت تجربة تلك الدول تعتبر مثالاً
يُحْتَذى في النمو أصبحت درسًا للعبرة، وبعد
مرور أكثر من عامين على بداية الأزمة يصبح
التساؤل المطروح حاليًا: هل نجحت تلك الدول في
الخروج من أزمتها ؟ وإلى أي مدى نجحت في إزالة
ذلك الحجر من طريق النمو؟!
وجود
إجابة عامة تصلح للتعميم على كل الدول التي
عانت من الأزمة يُعَدُّ أمرًا صعبًا؛ فلكل
دولة خصائصها وأداؤها فضلاً عن اختلاف درجات
الأزمة وطرق العلاج، لكن –
من واقع المتابعة والبيانات المتوفرة –
يمكن القول: إن لماليزيا خصوصية في علاج
الأزمة تستوجب الوقوف عندها كما كان لها
خصوصيتها في طبيعة المشكلة وأبعادها، ولعل
تلك الخصوصية تكمن في أن برنامج العلاج كان
وطنيًّا بنسبة 100%، وتم بعيدًا عن روشتات
صندوق النقد والبنك الدوليين. وإذا كان أرقام
تكلفة العلاج غير متوفرة على وجه الدقة فإن
المواطن الماليزي قد دفع هذه التكلفة من
رفاهيته.
-
المؤشرات الرئيسية للاقتصاد الماليزي(1999م) -
|
21
مليون نسمة
|
-
عدد السكان:
|
|
ريجنت
|
-
العملة المحلية:
|
|
3.8
ريجنت
|
-
الدولار =
|
|
يتراوح
بين 6.1 –
8.5%
|
-
معدل النمو المتوقع (2000م):
|
|
أقل
من 3%
|
-
معدل التضخم:
|
|
9.2%
|
-
معدل البطالة:
|
|
84.5
مليار دولار "2%من الصادرات العالمية"
|
-
قيمة الصادرات:
|
|
65.5
مليار دولار "1,1% من الواردات العالمية"
|
-
قيمة الواردات:
|
|
15%
|
-
نسبة الزيادة في نمو الصادرات:
|
|
19
مليار دولار
|
-
الفائض في الميزان التجاري:
|
المصدر "وكالة التصنيف والبنك
المركزي الماليزي"
يرى العديد من
الخبراء والمحللين أن الحكومة الماليزية
التي يقودها الدكتور مهاتير محمد، التي تخطط
لتجعل من ماليزيا بلداً صناعيًّا بالكامل عام
2020م نجحت في اجتياز الأزمة الاقتصادية
الكبيرة التي عصفت بماليزيا وبعدد من
اقتصاديات دول جنوب شرق آسيا منذ تموز (يوليو)
عام 1997م، وأدت هذه الأزمة إلى فقدان العملة
الماليزية (الريجنت) نصف قيمتها، إلا أن
الحكومة الماليزية استطاعت - وخلافاً لجميع
توقعات الخبراء وفي أقل من عامين فقط من -
إخراج الاقتصاد الماليزي من أزمته ووضعه
مجدداً ليس على طريق الانتعاش البطيء، ولكن
على طريق النمو وبمعدلات مرتفعة قياساً
بالدول التي تعرضت للأزمة، ولعل أهم ما يميز
النجاح الاقتصادي الماليزي هو أنه تم دون أي
مساعدة من صندوق النقد الدولي أو البنك
الدولي، ووصفاتهما الإصلاحية التي ثبت
إخفاقها في العديد من الدول النامية.
ويَكْمُن
سر النجاح الاقتصادي الذي حققته ماليزيا خلال
العامين الماضيين (1998 – 1999) في الإجراءات
الحِمائِيَّة العاجلة التي اتخذتها الحكومة،
والتي كان في مقدمتها تثبيت العملة الماليزية
أمام الدولار (الدولار = 3.8 ريجنت)، ومنع
تحويلها إلى الخارج، وفرض قيود على تدفق رؤوس
الأموال الأجنبية من وإلى ماليزيا، وخفض
الإنفاق الحكومي العام، وفتح الشركات
والمؤسسات المراد خصخصتها أمام الماليزيين
وليس أمام الشركات الأجنبية، وتقديم إعفاءات
ضريبية مشجعة، وما تزال الحكومة الماليزية
متمسكة حتى الآن بتطبيق هذه الإجراءات، وذلك
لسببين، الأول: لأنها كانت ناجعة في تحقيق
الأهداف الاقتصادية المُتَوخَّاة منها،
وخاصة في وقف تدهور قيمة العملة، ووضع البلاد
على طريق النمو والتقدم الاقتصادي من جديد،
فقد حفزت السياسات المالية والحوافز
الضريبية التي طبقت خلال هذين العامين الطلب
الداخلي، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع
الاستهلاك الخاص والإنفاق الاستثماري، أما
السبب الثاني فقد كان لمنع أي محاولات جديدة
للمضاربة على العملة وتخفيض قيمتها، وهو ما
أكده رئيس الوزراء الماليزي مهاتير محمد
بقوله: إن الاقتصاد الماليزي ينتعش؛ لأننا
نفرض قيوداً معينة، ولسنا متأكدين ما إذا
كانت هجمات سَتُشَنُّ على العملة إذا رفعنا
هذه القيود".
نجاح
الاقتصاد الماليزي في الخروج من عنق الزجاجة
تشير إليه الأرقام والإحصاءات المنشورة حول
معدلات النمو في الناتج المحلي الإجمالي
وارتفاع قيمة الصادرات وانخفاض الواردات،
ومن ذلك ما أعلنته وكالة التصنيف الماليزية
التي تُعْنَى بمتابعة حركة النشاط الاقتصادي
في ماليزيا في آخر تقرير لها بأنها تتوقع أن
يصل حجم النمو في إجمالي الدخل القومي للبلاد
خلال السنة الجارية 2000م إلى 6.1%.
أما
البنك المركزي الماليزي، فأكد من جانبه أنه
يتوقع وفي ظل المعطيات المتوفرة خلال الربع
الأول من السنة الجارية أن يسجل الناتج
المحلي الإجمالي نموًّا بنسبة 8.5% خلال العام
2000م، وسيكون معدل التضخم أقل من 3%، والبطالة
في حدود 9.2%.
وكانت
وكالة التصنيف الماليزية قد أكدت في تقريرها
للربع الأول من عام 2000م أن الاقتصاد الماليزي
شهد أداء قويًّا في أعقاب النمو الكبير في
الإنتاج الصناعي مرفقاً بطلب مرتفع على
الصادرات والواردات. وقالت الهيئة: إن نمو
الواردات على الرغم من تجاوزه معدل نمو
الصادرات أَظْهَر أن الطلب الداخلي في طور
الارتفاع، مشيرة إلى أن هذا الأمر بالغ
الأهمية؛ لأنه يضمن حدوث تعافٍ مستدام، وبشكل
يمتص أي مخاطر قد يولدها التباطؤ الاقتصادي
الأمريكي أو تتعرض لها الصادرات الماليزية.
تقول
الإحصاءات الواردة في التقرير: إن الصادرات
الماليزية نمت خلال عام 1999م بنسبة 15% عمَّا
كانت عليه عام 1998م فقد بلغت قيمة الصادرات هذا
العام نحو 84.5 مليار دولار، وهذه القيمة تمثل 2%
من إجمالي الصادرات الدولية، أما قيمة
الواردات فبلغت نحو 65.5 مليار دولار مشكلة 1.1%
من إجمالي الواردات الدولية. وتشكل الصادرات
الصناعية 80% من الصادرات الماليزية، التي
بلغت 1998م نحو 61.3 مليار دولار بزيادة 33.3% على
عام 1997م.
ولم
يقتصر النجاح الماليزي على الاقتصاد الوطني
الذي يعتمد على موارد عديدة صناعية وزراعية
وثروات طبيعية منها النفط مع طاقة بشرية (يبلغ
عدد السكان 21 مليون نسمة) فحسب،
بل
إن جميع المؤشرات الاقتصادية تؤكد أن هذا
النجاح في الدول المجاورة كان له دور كبير في
وضع الاقتصاديات الآسيوية على طريق النمو
والتقدم من جديد، وهو ما اعترفت به منظمة
التجارة العالمية، فقد قالت في تقرير لها: "إن
أحد أبرز أسباب التعافي الذي شهدته التجارة
في منطقة جنوب شرق آسيا عام 1999م يعود إلى
ارتفاع الصادرات لكل من ماليزيا وكوريا
الجنوبية، وقد شكَّلت الصادرات الخاصة
بالمعدات المكتبية والاتصالات 80% من مجمل
الزيادة في حجم تصديرهما".
وأظهرت
إحصاءات وزارة التجارة الماليزية التي أُعلن
عنها في الأول من أيار (مايو) 2000م أن إجمالي
الصادرات في الفصل الأول من السنة الجارية
بلغ 84.4 مليار ريجنت (25 مليار دولار) مقابل 69.3
مليار ريجنت لنفس الفترة من العام السابق. أما
إجمالي الواردات فارتفع خلال المدة نفسها من
53.7 مليار ريجنت إلى 68.2 مليار ريجنت أي ما
يعادل 19 مليار دولار.
ويذكر
أن الاقتصاد الماليزي قد مَرَّ عام 1985م بأزمة
مماثلة حينما تراجع إجمالي الناتج القومي
بمعدل 1.2%، لكنه استطاع بعدها وعلى مدار 11
عاماً أن يحقق طفرة اقتصادية كبيرة استمرت
حتى منتصف عام 1997م، وكان متوسط النمو السنوي
في الناتج المحلي الإجمالي يدور في محيط
ثمانية في المائة، والآن وإذا ما بلغت معدلات
النمو لهذا العام ما توقعه البنك المركزي
الماليزي، وهي 8.5%، فإن الاقتصاد الماليزي
يكون قد تعافى من الأزمة المالية بشكل كامل
وعاد إلى ما كان عليه قبل أزمة عام 1997م، علاوة
على التجربة المتميزة التي خاض غمارها وحده
في جنوب شرق آسيا والعالم التي نجحت بشكل فاق
التوقعات، وأقلق الكثير من مخططي وراسمي
السياسات الاقتصادية الدولية.
المنهج
الماليزي في الإصلاح الاقتصادي أثار مخاوف
العديد من الخبراء؛ لأنه وجه ضربة كبيرة
لمنهج صندوق النقد الدولي في الإصلاح
الاقتصادي تماماً، كما وجه ضربة لكثير من
مفاهيم اقتصاد السوق السائدة أيضاً؛ ولذلك لم
تتوقف تحذيرات عدد من المضاربين العالميين من
نجاح التجربة الماليزية، لما سيكون لها من
انعكاسات على مستقبل الاقتصاد في الدول
الأخرى التي قد تتعرض لأزمات مماثلة، ولعل من
أبرز الذين حذروا من التجربة الماليزية
المضارب اليهودي العالمي جورج سوروس،
واعتبرها تهديداً للاقتصاد الرأسمالي
ومستقبل العولمة.
ومن
الجدير بالذكر أن سوروس هو الذي كانت
مضارباته وراء انهيار العملة الماليزية وعدد
من عملات جنوب شرق آسيا، فعلى سبيل المثال
تسببت نشاطاته في تايلاند في خسارة قدرها 30
مليار دولار، واضطر مصرف تايوان المركزي إلى
إنفاق 19 مليار دولار من رصيده من العملة
الصعبة للحفاظ على قيمة العملة الوطنية. كما
أن سوروس يقف وراء العديد من انهيار العملات
خلال العقد الأخير، فقد دفعت مضارباته ضد
الجنيه الإسترليني عام 1992م بريطانيا إلى أن
تستدين على عَجَل أكثر من 14 مليار دولار من
ألمانيا للمحافظة على قيمة عملتها، فيما
تسببت عملية مماثلة خسارة بنك إيطاليا 48
مليار دولار وأضعفت مقاومة الحكومة المالية
للخصخصة.
خلاصة
القول، إن التجربة الاقتصادية الماليزية في
الإصلاح أثبتت نجاحها دون قروض خارجية أو
وصفات إصلاحية، كما أكدت في الوقت نفسه أنه
بإمكان الدول النامية إذا ما امتلكت ناصية
قرارها السياسي المستقل أن تتحرك وتضمن
مصالحها وتتلافى الكثير من الخسائر، وربما
الكوارث التي قد تُجَرُّ إليها، ولعل الفرق
بين التجربتين: الماليزية والإندونيسية يوضح
هذا البعد الخطير؟!
-
أعمدة القيم التنموية للموزاييك الماليزية
-
محاضير محمد: تصدّيْنا للبنك الدولي فعبرنا
الأزمة المالية
|