|
سوريا..
أربع مراحل اقتصادية تنتهي بالركود
لا
يمكن فهم حقيقة الاقتصاد السوري بمعزل عن
التطور التاريخي له، ويمكن القول: إنه مر بعدد
من المراحل التي أثرت سلبًا أو إيجابًا على
تطوره، ولقد كانت مرجعية الحكم وأيديولوجيته
هي العنصر الحاكم لأي توجه اقتصادي لسورية
طوال تاريخها، ويميل الاقتصاديون إلي تقسيم
التطور التاريخي للاقتصاد السوري إلي عدة
مراحل على النحو التالي:
المرحلة الأولى: ما بعد الاستقلال
وتمتد
هذه المرحلة من عام 1946 أي منذ الاستقلال وبعد
جلاء القوات الفرنسية عن دمشق وحتى عام 1963 وهي
بداية تغيير المنهج الاقتصادي للبلاد، وتشير
الدراسات إلى أن الاقتصاد السوري سجل خلال
تلك الفترة نمواً مطرداً، وحقق تقدماً كبيراً
في كل المجالات الصناعية والزراعية، وهو ما
أكدته دراسة بعنوان: "سورية والسلام
الاقتصادي" أعدها الأستاذ "نبيل السمان"
ونشرها في كتابه "طريق السلام الإسرائيلي"
ومما جاء في الدراسة: "أن الاقتصاد السوري
منذ الاستقلال- منذ نهاية الأربعينيات والنصف
الأول من الخمسينيات- تطور تطوراً ملحوظاً
حيث بلغ معدل النمو الاقتصادي ما يقارب 12%
سنوياً، معتمداً بصورة مباشرة على مصادره
الداخلية وبعض المساعدات الخارجية".
المرحلة الثانية: التجربة
الاشتراكية
وهي
الفترة التي خاض فيها الاقتصاد السوري
التجربة الاشتراكية التي تميزت بسيطرة
الدولة على كافة قطاعات الإنتاج، وقد تم
تعميق الاتجاه الاشتراكي بعد تولي الرئيس
حافظ الأسد لمقاليد السلطة في سورية عام 1971،
بالإضافة إلى بعض الإجراءات الاقتصادية
الصارمة لمنع التأثيرات الخارجية كتحويل
العملات وتحديد أسعار الصرف، لكن ما يجب
الإشارة إليه هنا أن الاقتصاد السوري حقق
خلال فترة السبعينيات معدلات نمو عالية،
أكدتها دراسة بعنوان "الاقتصاد السوري
يتعرض لتحديات خارجية تفرض عليه زيادة قدرته
التنافسية" أعدها الدكتور نبيل سكر -المدير
التنفيذي للمكتب الاستشاري السوري للتنمية
والاستثمار، واقتصادي سابق في البنك الدولي-
ومما جاء في الدراسة: "أن الاقتصاد السوري
حقق خلال فترة السبعينيات معدلات نمو عالية
بلغت حوالي 10% سنوياً، ويعزى هذا النمو
المرتفع إلى معدلات استثمار عالية بلغت 25% أو
حوالي 30% من الدخل القومي، قام بمعظمها القطاع
العام مدعوماً بمساعدات مالية سخية من دول
الخليج العربي، وبعضها من دول المعسكر
الاشتراكي".
وحول
أسباب هذا النمو الكبير خلال تلك الفترة يقول
الأستاذ السمان في دراسته المشار إليها
سابقاً: "لقد حصلت سورية بعد حرب 1967 على دعم
مادي ومساعدات عربية وهبات، ساعدتها على
استعادة طاقاتها الاقتصادية، وكانت حرب
تشرين 1973 نقطة بداية لتدفقات مالية ضخمة لدول
الطوق العربي بعد الطفرة النفطية، وجنت سورية
أموالاً طائلة بصور مختلفة؛ إذ بلغت تحويلات
العاملين السوريين في الخليج 5.4 مليار دولار
بين عامي 1973-1979 أي حولي 800 مليون دولار سنوياً".
المرحلة الثالثة: تراجع النمو
وارتفاع التضخم
في
هذه الفترة سجل الاقتصاد السوري تراجعاً
كبيراً، وفي كافة المجالات، وتعود أسباب
التراجع -كما يقول الدكتور السكر في دراسته
"إلى انحسار المساعدات الخارجية، منحدرة
من حوالي 1.5 مليار دولار بالسنة في أواخر
السبعينيات، وأوائل الثمانينيات بالمتوسط
إلى حوالي 300 مليون دولار فقط، وبانحسار
المساعدات الخارجية، وبرزت اختلالات في
الإطار الكلي للاقتصاد وجمودات في البنية
الإنتاجية له كانت قد غطتها هذه المساعدات؛
فوقع الاقتصاد السوري في أزمة شديدة منتصف
الثمانينيات، تمثلت في نقص واختناقات في
العرض السلعي، وتضخم مفرط".
أما
الاقتصادي نبيل السمان فيضيف أسبابًا أخرى
لهذه الأزمة فيقول: "إن الأزمة الاقتصادية
التي وقعت في سورية في الثمانينيات سببها
المقاطعة الاقتصادية التي فرضتها المجموعة
الأوروبية على سورية، وتخفيض الدعم المالي
العربي، وعدم كفء الإدارة في بعض مؤسسات
القطاع المالي، والقيود الاقتصادية والمالية
على القطاع الخاص، والنموذج المركزي
للاقتصاد".
المرحلة الرابعة : بداية الانفتاح
والركود
وفي
هذه الفترة أجريت بعض الخطوات الانفتاحية
والإصلاحية كان أبرزها صدور قانون الاستثمار
رقم 10 لعام 1991، وزيادة دور القطاع الخاص
وتخفيض سعر الصرف، وتقليص عدد أسعار الصرف
والتوجه نحو التصدير، لكن هذه الخطوات هي في
الحقيقة عملية تكييف مع المعطيات الداخلية
والمتغيرات الدولية، دون أن تكون خطوات
انفتاحية إستراتيجية إلا أنها استطاعت أن
تخرج الاقتصاد من أزمته وتضعه على طريق
النمو، لذلك فقد أدت هذه الإجراءات مع
المساعدات التي تلقتها سورية بعد حرب الخليج
الثانية والبالغة 8 مليارات دولار، بالإضافة
إلى زيادة إنتاجها من النفط، "الذي أصبح
يدر نحو 1.5 -2 مليار دولار سنوياً" حسب دراسة
الدكتور السكر، أدت كل هذه العوامل إلى نمو
الاقتصاد السوري في النصف الأول من
التسعينيات بمعدلات تبلغ نحو 7% في السنة، ثم
بدأت معدلات النمو بالتراجع مرة أخرى؛ ليدخل
الاقتصاد السوري خلال السنوات الثلاث
الماضية في أسوأ مرحلة ركود.
ويحمّل
الاقتصادي السوري "محمد رياض الأبرش"
الإصلاحات الاقتصادية الغائمة مسؤولية
التراجع؛ حيث قال في محاضرة له بعنوان "العولمة
وتأثيرها على الاقتصاد السوري"، ألقاها في
معهد غوته الألماني بدمشق بتاريخ 17/11/1999: "إن
الاقتصاد السوري ما زال منذ عام 1985 قيد
الإصلاح الهيكلي بهدف إعادة التوازن إليه،
وقد مضى 15 عاماً على ذلك البرنامج التدريجي؛
الأمر الذي يجعل منه بلا شك أطول برامج
الإصلاح الاقتصادي في العالم وأكثرها غموضاً"،
مضيفاً "أن القدرة الاستيعابية للاقتصاد
السوري ما تزال محدودة بالمقارنة مع دول
كالمغرب وتونس ومصر، ولا يزال القطاع الخاص
السوري ضعيفاً في نتائج أعماله بشكل عام.
|