بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

يوحنا وراء جدران الفاتيكان

نبيل شبيب

ولد  كارول جوزيف فويتولا في بلدة فادوفيتش التابعـة لميناء كراكاو البولندي يوم 18/5/1920م، بعد ميلاد أخيه الوحيد بأربعة عشر عامًا، وكان أبوه عسكريًّا يعمل في خدمة الجيش النمساوي، ثم في الجيش البولندي، وكاد " كارول " ينخرط في السلك العسكري بعد تدريبات أجراها كتلميذ مدرسة عام 1935م، ثم عام 1939م، أي مع بدء الحرب العالمية الثانية، ولكنه تحوّل إلى دراسة اللاهوت في الجامعة، وأكمل سنته الثالثة في آخر أعوام الحرب، ثم تابع الدراسة في روما بعد الحرب، وانخرط في الحياة الكنسية عام 1949م كمساعد قسيس في سانت فلوريان، وتابع دراسته الدينية حتى عام 1960م، ولفت الأنظار إليه بسلسلة من المؤلفات الدينية المسيحية، فبدأ يرتقي في المناصب الكنسية حتى أصبـح رئيسًا لأساقفة كراكاو، وعضوًا في المجمع الكنسي العالمي (المسكوني) في روما، ثم اعتلى العرش البابوي وهو ابن 58 عامًا، وبدأ به عهد كنسي جديد يختلف عن عهود أسلافه بصورة واضحة، وأبرز ما اشتهر عنه كثرة سفرياته، وآخرها ما يوصف برحلة "الحجّ إلى الأرض المقدسة"؛ وتطلقها الكنيسة على سائر الأراضي التي شهدت أحداثًا كنسية تاريخية رئيسية، وتبدأ بإبراهيم عليه السلام قبل ظهور اليهودية فالمسيحية بمئات الأعوام، وبذلك يشمل تعبير " الأرض المقدسة " المساحة الممتدة بين الفرات والنيل وجبال طوروس وتخوم خيبر، وهذا ما يتطابق مع  المطامع الصهيونية المعروفة في المنطقة، فتشمل أجزاء من أراضي العراق وسورية وجنوب تركيا والأردن وفلسطين وشمال السعودية وغرب مصر. وتمهيدًا لرحلة " الحج " هذه نشر البابا يوحنا بولص الثاني رسالة بتاريخ 29/6/1999م، كان مما جاء فيها: "رحلة الحج هذه التي أقوم بها في السنة المقدسة إلى الأرض المقدسة، مفعمة في الدرجة الأولى بالشوق الذي عبر عنه المسيح في صلاته للأب وهو يقول: ينبغي أن يتحد جميع الأبناء، وهذا رجاء يكسب أهمية خاصة في تلك الساعة التي تبدأ بها الألفية الثالثة".

ولكن مهما بلغ التأكيد أن هذه الرحلة رحلة حج دينية، لا يمكن فصل مغزاها وأهدافها ومفعولها عن الدور السياسي الذي كانت وما تزال تؤديه سائر رحلات البابا الكاثوليكي التي تجاوزت المائة، وقطع فيها أكثر من مليون كيلو متر، أي ما يعادل أكثر من 29 ضعف دورة كاملة حول الكرة الأرضية! وقد قضى خلال هذه الرحلات أكثر من عشرة في المائة من الفترة الزمنية التي قضاها في كرسي البابوية، وقد دخلت عامها الثاني والعشرين. وقد أبرزته رحلاته كرجل سياسي أكثر منه رجل كنيسة، وهو ما يمكن تفسيره بالعودة إلى الظروف الدولية التي رافقت وصوله إلى المنصب الأعلى في دولة الفاتيكان، وكان في السنوات الأخيرة التي سبقت تعيينه يحمل المسؤولية عن الكنيسة الكاثوليكية في بولندا، والتي ينسب إليها القيام بدور رئيسي بالتعاون مع نقابات " التضامن " العمالية، أول ثورة عمالية شعبية على طريق انهيار الشيوعية في الشرق، والتي حكمت باسم " ديكتاتورية العمال " .. وكان لأسلافه رحلاتهم أيضًا، ولكن لم تكن تجد في حينه ما وجده البابا يوحنا بولص الثاني من تعاون وثيق مع المسؤولين السياسيين في مختلف الدول المعنية، لتحويل رحلاته إلى جولات من المفاوضات السياسية، دعمًا لموقع الكنيسة في البلدان الشيوعية سابقًا، وإلى مهرجانات كنسية جماهيرية، ربما بتأثير الانطباعات التي تركتها التحركات الجماهيرية الأكبر من نوعها في تاريخ البشرية أثناء الثورة الإسلامية في إيران، وما تلاها من أحداث إقليمية ودولية، إذ دفعت الغربيين على ما يبدو إلى مثل ذلك الدعم لرجل الكنيسة الكاثوليكية الأول، تأكيـدًا للوجود الديني الجماهيري المسيحي مقابل الإسلامي. وعلى جميع الأحوال فقد كانت رحلات البابا الكاثوليكي تحمل رسائل سياسية بمضامين مدروسة، سواء في ذلك ما كان في البلدان الغربية ذات الكثافة المسيحية العالية، أو ما كان في بلدان تعيش فيها أقليات كاثوليكية محدودة العدد، وعلى وجه التخصيص في البلدان الإسلامية.

على أن الكنيسة الكاثوليكية في عهد البابا يوحنا بولص الثاني أثارت في أوساط المسيحيين المعارضة والعداء كما أثارت التأييد والالتفاف حولها، فإلى جانب دور الفاتيكان مثلاً في جهود التقارب بين الكنائس المتعددة، وهي متعثرة حتى الآن لا سيما مع الكنائس الأورثوذوكسية الشرقية .. كان لمواقف البابا الكاثوليكي الصارمة في قضايا الأسرة، والعلاقة بين الجنسين، وموانع الحمل، والإجهاض دوراً كبيرًا في التناقض مع المجتمع المسيحي الراهن، ويعبر عن ذلك عزوف جيل الشبيبة عن الكنائس، وازدياد عدد المنشقين من رجال الدين عنها كما في فرنسا وألمانيا، ومع أن سائر التعليلات الصادرة عن الكنيسة تركّز على حماية حق الجنين في الحياة، وحماية الأسرة من الانهيار، إلا أن عنصر التكاثر البشري مع الحرص على ارتفاع عدد أتباع الكنيسة الكاثوليكية يمكن أن يكون هو العامل الرئيسي وراء ثبات البابا يوحنا بولص الثاني على مواقف حازمة في القضايا المذكورة .

ومن المؤكد أن عهد البابا يوحنا بولص الثاني قد أدخل تطورًا تاريخيًّا على موقع الكنيسة الكاثوليكية في المنظومة السياسية المنبثقة عن التمرّد على الكنيسة في نهاية العصور الوسيطة الأوروبية، عندما نشأ عقد غير مكتوب، أجبر الكنيسة على التراجع عن ممارسة سلطة الحكم، ولكن أبقى لها مكان المؤسسة التي تمارس حقوقًا سياسية كسواها من المؤسسات، ويصل تأثيرها على أعماق الأجهزة الرسمية وغير الرسمية القائمة في الدولة، من خلال الملتزمين بخطها، وهذا ما أعطى العلمانية في الغرب معنى فصل الكنيسة كهيئة .. عن السياسة كسلطة، على النقيض مما انتشر في بلدان أخرى فصلت الدين نفسه عن الحياة السياسية بمجملها باسم العلمانية.

ولعل أهم معالم التطور في موقع الكنيسة في الغرب في عهد يوحنا بولص الثاني، أنه ازداد تأثيرًا على صناعة القرار، سواء في إطار القوانين الاجتماعية والثقافية، أو في إطار السياسات التقليدية على صعيد الأمن والتسلح، وربما بقي القطاع الاقتصادي والمالي خارج هذا الإطار حتى الآن، وهو ما يفتح الباب في عصر العولمة أمام جولة جديدة من الصراع التاريخي المستمر.

قبل خمس وثلاثين سنة، في عام 1965م، قام كارول جوزيف فويتولا، بزيارة الأماكن المسيحية المقدسة بفلسطين، التي يعود إليها الآن زائرًا، باسمه الجديد، البابا يوحنا بولص الثاني، وهي زيارته الأولى منذ اعتلائه كرسي البابوية الكاثوليكية في روما يوم 16/10/1978 م. آنـذاك كان أول رجل دين كنسي غير إيطالي يصل إلى هذا المنصب منذ 450 عامًا، كما كان بمثابة حل وسطي بين الكرادلة في المجمع الكنسي العالمي ( المسكوني ) الذي انتخبه بعد مداولات استغرقت ثلاثة أيام وراء أبواب مغلقة، إذ لم يكن من السهل الاتفاق على من يخلف البابا يوحنا بولص الأول، الذي توفي بصورة مفاجئة، بعد انتخابه بثلاثة وثلاثين يومًا فقط، وغالبًا ما يصل أحد الكرادلة إلى المنصب بعد إعداد مسبق ونتيجة صراع على السلطة أثناء فترة وجود البابا السابق في منصبه. وتجري عملية الانتخاب في اجتماع يضم 120 عضوًا كعدد أقصى يشمل سائر الكرادلة دون 80 عامًا من العمر، ولا يصل رجل الكنيسة إلى مستوى كاردينال إلا بعد تاريخ كنسي طويل.

وكلمة " البابا " التي شاع استخدامها على هذا النحو باللغة العربية، مترجمة بتعابير مشابهة في لغات العالم، عن لفظة يونانية تعني " الأب"، ويُلقب البابا الكاثوليكي أيضًا بنائب المسيح (عليه السلام)، وخليفة القديس بطرس، وبطريرك الغرب، ورئيس دولة الفاتيكان، وخادم سدنة الرب، وتعتقد الكنيسة الكاثوليكية أن منصب البابا قرره المسيح نفسه (عليه السلام) وفق ما يرويه إنجيل ماتيوس على لسانه في كلمته للقديس بطرس "أنت بطرس وأريد بناء كنيستي على هذه الصخور". ولكن المجمع الكنسي العالمي (المسكوني) لم يُعرف بصورته الصارمة الراهنة إلا بعد عام 1870م، عندما تأسس المجمع الأول، بينما يحمل البابا يوحنا بولص الثاني رقم البابا 266 باعتبار القديس بطرس هو أول بابا كاثوليكي وفق المعتقدات الكاثوليكية.

وأدخلت الكنيسة عام 1996 م تعديلاً على نظام الانتخاب، الذي كان يسبب مشاكل عديدة من قبل، وأصبح يتوجب أن يحصل المرشح للمنصب على غالبية الثلثين، فإذا استحال ذلك بعد عدة محاولات يمكن للكرادلة الاتفاق على غالبية أخرى، ومع اكتمال عملية الانتخاب يكتسب البابا صفة " معصوم " عن الخطأ، وتصل صلاحياته إلى إدخال تعديلات في صميم المعتقدات الكنسية، ولكن الخبراء بالشؤون الداخلية للفاتيكان، يعلمون أن عوامل عديدة ومراكز قوة ونفوذ ومصـالح داخلية وخارجية تلعب دورًا كبيرًا في قرارات البابا والوثائق الصادرة باسمه، وهذا ما لعب دوره أيضا في إدخال التعديلات على الوثيقة الأخيرة الصادرة تحت عنوان " طلب الصفح " فيما يسمى السنة المقدسة .. وتعبير " السنة المقدسة " وصف يطلق على كل عام يكمل 25 سنة من تاريخ المسيحية، بعد أن كان يخصص لمرور 100 عام ثم 50 ثم 33 عامًا، وقد ألغيت الاحتفالات عند تزامن " السنة المقدسة " مع حرب من الحروب الدينية العديدة التي كانت الكنيسة طرفًا رئيسيًّا فيها في التاريخ الأوروبي، كحرب المائة عام وحرب الثلاثين عامًا، أو عندما احتل القيصر الألماني إيطاليا وخلع البابا الكاثوليكي من منصبه ونفاه ونصب غيره مكانه .

ويعتبر هذا التقليد لتقديس سـنة دورية، يهوديًّا في الأصل، حيث ورد في التوراة بصيغة الأمر بنفخ المزامير والاحتفال بالسنة الخمسين من التأريخ اليهودي كسنة مقدسة. وكان أول ما احتفلت الكنيسة الكاثوليكية بسنة مقدسة في عام 1300 م في عهد البابا بونيفاس الثامن، ويحتفل الآن بعام 2000م على هذا الأساس للمرة الرابعة والعشرين بصورة نظامية دورية .. إذ يطلق على بعض السنوات المميزة وإن لم تصادف الدورة الزمنية المذكورة، وصف سنة مقدسة أيضًا ويحتفل بها على هذا الأساس، تفاعلاً مع بعض المناسبات، كما كان مع عام 1983م بمناسـبة مرور 1950 سنة على " بعث المسيح بعد صلبه " كما تقول الكنيسة .. أو عام 1566 الذي أعلنته الكنيسة الكاثوليكية سنة مقدسة للصلاة من أجل الحماية من العثمانيين

اقرأ في نفس الموضوع:
- موقف البابا من اليهود ومن المسلمين

  مساحات للوعي

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

أدلة وخدمات

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع