|
|||||||||||||||||||||||
|
|||||||||||||||||||||||
|
|||||||||||||||||||||||
|
|
|||||||||||||||||||||||
|
إن أحد جوانب الحيوية الأساسية للأمة في خبرتنا الحضارية: هي أن مفهوم الأمة يتسم بأنه يعترف بتعددية دوائر الانتماء الفرعي داخله، دون تناقض بينها، حيث يسوده ولاء واحد، وتصاعد في الولاء وتدرج، يتحقق بوجود اتفاق حول مرجعية عليا يحتكم إليها الجميع (عناصر ومكونات المرجعية العليا للجماعة). وقد اعترفت خبرتنا الحضارية العربية الإسلامية بتعدد وتداخل دوائر الانتماء للجماعات والأفراد، دون تعارض أو تناقض فيما بينها، لأنه كان يتم في إطار من الوحدة التي تتحقق أساساً في ظل الاتفاق أو الاعتراف بمرجعية واحدة عليا تهيمن على الجميع. مفهوم الأمة بهذا المعنى على استعداد لقبول الآخر، عكس المفاهيم الأخرى (الوطن/الشعب/القوم…إلخ)، فالأمة تفترض أن الذات محددة الهوية، وذات مرجعية، وعلى استعداد لقبول الآخر (مهما كان هذا الآخر)، خاصة أن مفهوم الأمة في الرؤية الإسلامية لا يقوم ولا يعتمد فقط على التعاقدية التي يمثلها مفهوما الدولة والمواطنة: التعاقدية تفترض أن العلاقة بيني وبين الآخر يحكمها عقد ما، لو انتهت مدته أو صلاحيته فإن العلاقة تنتهي بيني وبين هذا الآخر، ومن ثم لا بد أن تكون هناك علاقة جديدة تحكمها الندية الكاملة. والتعاقدية تفترض أنني والآخر قادران تماماً على الفهم الكامل لجميع القوانين الآنية والوقتية التي نتعرض لها في الحياة، أو في الوضع الحالي، أو الذي نتعاقد عليه. كما أن مفهوم التعاقدية يفترض أنني لو استطعت أن أسخّر الآخر أو ألتهمه فهذا من حقي طالما أن العقد يسمح لي بذلك وطالما أنني أملك القدرة عليه. والأمة في رؤيتنا الحضارية، وإن اعترفت بالتعاقدية في العلاقات بين أطرافها وجماعاتها الفرعية، إلا أنها لا تجعلها الأساس، كما تحيط بالعقد وتغلفه قيم التراحم والتكافل. إن التعددية التي هي نتاج النظرة التكافلية التراحمية التي يجسدها مفهوم الأمة، والتي لا تلغي التعاقدية - كما قدمت - ولكن تغلفها وتحيط بها - تختلف تماماً عن التعددية في الغرب، التي هي نتاج ومحصلة للصراع الذي يتجسد في شكل تعاقدية صرفة، خالية من القيم الثابتة أو المعايير الحاكمة والأطر المرجعية الملزمة من خارج الجماعة والبشر. وإذا كانت خبرتنا الحضارية تعترف بتعددية دوائر الانتماء داخلها، إلا أن مبدأ التعددية كامن أيضاً في بنية الإسلام ذاته، فالإسلام لا يجعل "القداسة" سمة تلحق بالبشر أياً كانوا، أو بالخبرة التاريخية أياً كانت (فيما عدا خبرة الخلفاء الراشدين المهديين، كما ورد في الحديث: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي.."، أو بالأفكار التي ينتجها البشر. وهو في هذا يجعل النقطة المركزية الحاكمة هي "الفكرة المجردة" غير المُشخِّصة (الأصول: قرآناً وسنة)، وهذا فيما أظن أحد الأسرار الأساسية وراء استمرار تعاليمه في الزمان والمكان، وقدرته على الاستجابة للحاجات المتطورة، والتحديات والمستجدات التي تطرأ في الواقع. المسلمون وفقاً لهذا المنظور مطالبون - دائماً وأبداً - بتحقيق أو "تشخيص" تعاليم الإسلام في واقعهم الموضوعي، أي تحويل الفكرة المجردة إلى واقع مُشخِّص في أرض الواقع، وهذا يحمل تحدياً للمسلمين، يتطلب منهم استجابة تنطلق من "الفكرة المجردة" لتستجيب للواقع المعاش. هذه الفكرة البدهية عند كل مسلم لها تداعيات وتأثير في جوانب كثيرة تتعلق بموضوع التعددية وغيره من الموضوعات والقضايا. فهذه الفكرة يمكن أن تقودنا إلى إدراك "التعددية الإسلامية"، أي تلك التعددية التي نشأت داخل الدائرة الإسلامية. التعددية الإسلامية منشؤها مفهوم "الأمة": فهي التي تتفاعل مع "الفكرة المجردة"، عبر مخزونها الثقافي والاجتماعي، لتنشئ واقعاً تتعدد أشكاله، وتتباين ملامحه داخل الإطار الحاكم (الفكرة المجردة)، التي تعطي لهذه التعددية قواسمها المشتركة، وسماتها المميزة عن أنواع التعدديات الأخرى. وهكذا تنشأ التعددية - في الرؤية الإسلامية - في إطار الوحدة، وهكذا يمكن فهم تعدد الأنماط الحضارية التي أنتجتها أمة الإسلام عبر تاريخها، فاختلفت في الزمان والمكان. المدخل الأساسي لضوابط التعددية في الرؤية الإسلامية، وكما أظن، هو "الأمة"، خاصة من جهة دورها في تحديد "النظام العام" الذي هو في جوهره مجموعة الأسس القيمية والاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية والثقافية التي يقوم عليها نظام المجتمع. النظام العام هو الروح المهيمن على النظام السياسي والقانوني للمجتمع والدولة، والأمة - وفق التصور الذي سبق أن قدمته لدورها ومهمتها هي التي تحدد ملامح النظام العام في المجتمع. ضوابط التعددية نوعان: الأولى: تكون في النظام القانوني أو الدستوري، وهذه الضوابط في نهاية الأمر تتعلق بالإجراءات التي تتفق عليها الأمة، والأطراف أو الجهات التي تحددها الأمة لممارسة هذا الحق وتختص به. ومن هنا فإن الحديث عن ضوابط للتعددية أمر سابق لأوانه أو غير قائم الآن، ما لم تجاهد جميع الأطراف والقوى السياسية من أجل إعادة الحق للأمة في الاختيار الحر في واقعنا العربي الإسلامي، لأنه في ظل هذا الغياب فإن السلطة، كما هو كائن، هي التي تفرض ما تراه من قيود على مسألة التعددية. الثانية: ضوابط في الواقع، وهذا الشكل من الضوابط أيضاً مرده إلى الأمة، فهي التي تضع الحدود الواقعية على حركة أية قوة سياسية وفعلها وآرائها، بعبارة أخرى: الأمة هي التي تعطي لأي طرف أو قوة سياسية وجودها الواقعي أو تهمشها، فالأحزاب العلمانية ضعيفة جداً في واقعنا العربي والإسلامي، ومعظمها - إن لم تكن كلها - يتدثر بورقة الشريعة ليخفي بعضها من سوءاته، وليكتسب تعاطف الجماهير المسلمة
|
|
|||||||||||||||||||||||||||||||
|
||||||
|
||||||
|
كلمة الشيخ القرضاوي | شروط الخدمة | حقوق النشر محفوظة @ 1999 - 2008 إسلام أون لاين.نت |
||||||