|
|||||||||||||||||||||||
|
|||||||||||||||||||||||
|
|||||||||||||||||||||||
|
|
|||||||||||||||||||||||
لم تكن مجرد مصادفة عندما وجدت نفسي أقف أثناء سيرى في الطريق كي أتابع حركة أصابع هذا الفنان الخطاط الذي افترش الرصيف، وأسند لوحته على الحائط لكي يخُطَّ عليها بعض الكتابات، لا بل هي بعض النغمات التي بدأ يعزف بها على هذه القطعة من القماش.. ولأول مرة -رغم أنى مهتمة جدًا بهذا النوع من الفن، وهو فن الزخارف والخطوط العربية- أجد نفسي أتابع باهتمام شديد كيف يضع الفنان النقاط فوق الحروف؟!
فلم تكن مجرد نقاط عادية، ولم تكن مجرد نقاط لا بد من وضعها لإتمام قراءة الكلمة والجملة بالشكل الصحيح، وإنما وجدته يُفكر كثيرًا قبل أن يختار موضع النقطة، وبالطبع أدركت أنه يبحث عن الشكل وتوازن التشكيل، وانتبهت إلى أن هذا الخط -وأعنى به الخط العربي- هو فن متميز، بل إنه من أكثر الفنون أصالة التي عرفتها حضارات العالم المختلفة، وأنه بالرغم من مرور كل تلك السنين على بداية معرفة الإنسان للكتابة،وتتفاعل الثقافة العربية مع غيرها من ثقافات العالم ،فقد بقي الخط العربي محتفظا ًبخصائصه وقيمه الجمالية و لم يتأثر بأي مؤثر أجنبي. وهنا يحضرني السؤال... أيهما قد أثر في الآخر؟! هل شخصية الفنان المسلم وتدينه هي التي أثرت على تطور هذا الفن وتنوع أساليبه وأنواعه؟.. أم أن الحرف العربي بما له من انسيابية ومرونة لا تتوفر في أي نوع من الخطوط الأخرى هي التي شكلت أهم العوامل في هذا التطور وساعدت الفنان العربي على ذلك ؟... ومن المؤكد أنه كان للدين الإسلامي أكبر الأثر في تطوير الخط العربي، حيث إن القرآن الكريم قد دُوِّن به وانتشر بواسطته، وكذلك الأحاديث النبوية فأصبح يحمل قدراً من القداسًة عند كل عربي مسلم.
كذلك فإن لانتشار الإسلام في مشرق الأرض ومغربها ودخول أقوام كثيرة فيه، وسَعْي كل قوم وكل قطر إلى أن يميّز نفسه بخط معين، فضلاً كبيرًا في وفرة أنواع الخطوط وغنى الأساليب التشكيلية. فنجده في المغرب العربي ذا طابع خاص متفاعلاً مع الطبيعة المغربية التي تركز على مجموعة القيم الزخرفية للخط أكثر من
تركيزها علي قابلية القراءة، وإن مر بالهند نجد مثلا "الكوفي الهندي" الذي يتميز بالتشكيل المنحنى وقلة الزوايا الحادة، وإذا نظرنا إلى خلفاء بنى عثمان نجدهم أبدعوا في زخرفة الخطوط بل والتوقيعات أيضا، وأوجدوا لنا هذا النوع الشهير المُسمى بخط "الطغراء"، وبالطبع فقد كان الخط "الكوفي" يقف في صدارة الخطوط المتميزة بقدرتها الهائلة على التشكيل والتأليف المستمر فيه،
والإبداع في أشكاله؛ وذلك لكثرة زواياه وأقواسه وانسجامه مع الزخارف المضافة إليه. وكان لخط "الثلث" أيضا حظ وافر في التطور؛ حيث انتشرت كتابة المصاحف الكريمة به، وبذلك أخذت تطورات الخطوط في الازدياد والانتشار فأصبح فنًا متعدد الأشكال والأنماط ليست الكتابية فقط وإنما التشكيلية والزخرفية أيضا.ونأتي للمؤثر الآخر وهو الفنان العربي الذي أبدع كل تلك التشكيلات وخطها، ولعل لاعتزاز الفنان العربي بوحدة شخصيته العربية ،والتأكيد المستمر عليها في أعماله الزخرفية، أثرًا كبيرًا في ذلك التطور، فلقد كان له دور هام في تطوير هذا الفن، وجعله مظهرًا من مظاهر تاريخه وحضارته، وكذلك إبراز طابع مميز لأدبه ومعماره، حيث لم يكتفِ الفنان المبدع بكون الخطوط تُرسم وتُكتب في المصاحف والكتب فقط، وإنما امتد هذا الفن في المعمار أيضا وأبدع فيه بنماذج رائعة في الكتابة المعمارية، والأمثلة كثيرة ومتعددة من الخط "المزوي" والخط "المنحني"، ومن خلال أشكال هندسية رائعة عديدة يتقاسمها المستطيل والمربع والمثلث والمثمن .. إلخ. وكلما تعددت مجالات استخدام الخط العربي دفعت بالخطاط إلى أن يرهف في حساسية التشكيل، وقدرته على الابتكار، وضبط الإيقاعات والحروف وتوازنها سواء العمودي أو الأفقي؛ بحيث يمكن له تطويع تلك الخطوط لتكون دائرة سقفية أو تستطيل على عمود أو تتخذ لها أشكال مثمنة أو مخمسة تتحد أطرافها بمجموعة من حروف الألف واللام لتصبح خطاً زخرفيًا جماليًا رائعاً. كما لم يكتفِ هذا الفنان المبدع بالتشكيل فقط، وإنما أضاف إليه اللون أيضاً كعنصر هام ومؤثر في الرؤية البصرية، وأخذ يطور أيضاً ويعدد من أساليب التلوين من ألوان الحبر إلى قطع الآجر الملون، إلى ألوان الأكليرك، واستخدام الفرش الرقيقة للخط بها على الزجاج. وهكذا اتسع للخط العربي ما لم يتسع لغيره من الفنون الأخرى في التعدد والتنوع والتطور والاستمرارية، أيضا حيث توحد الخط مع الحضارة مع صانعي هذه الحضارة في منظومة متكاملة ورائعة ليبقى لنا في النهاية هذا التشكيل الجذاب المستمر عبر العصور الأزمنة.
هيام السيد-الإسكندرية
انظر:تجلي العقيدة الخط العربي... البصر يكشف المعنى
|
|
|||||||||||||||||||||||||||||||
|
||||||
|
||||||
|
كلمة الشيخ القرضاوي | شروط الخدمة | حقوق النشر محفوظة @ 1999 - 2008 إسلام أون لاين.نت |
||||||