|
|||||||||||||||||||||||
|
|||||||||||||||||||||||
|
|||||||||||||||||||||||
|
|
|||||||||||||||||||||||
|
الرقابة المطلوبة ( 2 ) في شبكة العنكبوت في الوقت الحاضر وسائل تدخل تحت عنوان "التصفية" ومهمّتها أن تمنع ظهور ما لا يريد مستخدم الشبكة أن يظهر على الشاشة، من صور فاضحة أو مشاهد إجرامية مثلا. من ذلك على سبيل المثال ما يمكن صنعه أثناء تركيب المتصفّح الشبكي أو المستشكف ، وإعداد مواصفاته وفق رغبة المستخدم، وهو البرنامج المساعد على التجوال بين المواقع الشبكية، والأشهر حاليا هو متصفح "إكسبلورر" ومتصفح "نيتسكيب" وكلاهما من إنتاج أمريكي ( وليتنا نقاطع كلّ ما يمكن أن نقاطعه من الإنتاج الأمريكي كحدّ أدنى لما ينبغي أن نصنع كأفراد ما دامت حكوماتنا لا تصنع ما ينبغي أن نصنع كدول ). إنّما يسري مثل هذا التجهيز لبند التصفية على ما ظهر من متصفحّات تعرّب المتصفحات الأجنبية وتطوّر بعض خدماتها، مثل متصفح سندباد. ومن وسائل التصفية الشبكية أيضا ما يتجاوز نطاق المتصفح إلى آليات البحث عن المواقع، وما زال المتوفّر منها بالعربية قليلا ومحدود الانتشار، مثل آليـة البحث: "أين" ، فالاعتماد الأكبر على الأجنبي أيضا. وبدأت تظهر باللغات الأجنبية آليات بحث توصف بأنّها مخصصة للأطفال والناشئة، أي أنّ قوائم عناوين المواقع التابعة لها لا تشمل معلومات مسجلّة أو مصوّرة إلاّ في حدود ما يناسبهم، ولكن يبقى أنّ المقاييس والقيم والمعايير التي ينطلق منها مصمّمو تلك الآليات تختلف عمّا نتطلّع إليه وفق مقاييسنا وقيمنا ومعاييرنا. ويسري شبيه ذلك على تلك المواقع التي تندرج تحت عناوين التصفية أو التأمين، فلا حاجة إلى ذكر الأمثلة عنها. ويبدو أنّ تصفية ما تنقله الشبكة ستبقى محدودة الفعالية، وتنحصر في نهاية المطاف بين المتصفّح .. وآلية البحث، ولكنّ الأمر الأهمّ من ذلك هو أن ندعم تلك الشركات العاملة من داخل بلادنا والملتزمة بمقاييسنا، لتوجد البدائل المعتمدة على معاييرنا الذاتية، وقد أثبتت قدرتها على ذلك كما يشهد ما قدّمته حتى الآن من إنتاج متطوّر. وبالمقابل إذا علمنا مثلا أنّ بعض آليات البحث المشهورة تضمّ عشرات الملايين من العناوين الشبكية، وباتت تباع وتشترى بمليارات الدولارات في الوقت الحاضر، وعلمنا أنّ المصدر الوحيد لتمويلها هو الدعايات التجارية، فإنّ مسألة إيجاد البدائل تطرح قضايا فرعية عديدة ، يكفي في إطار هذه السطور التنويه بعناوينها فقط، كالسؤال عن دعم المستهلك من مستخدمي الشبكة لبرامج الخدمات الشبكية "الوطنية"، والسؤال عن نسبة حجم الدعاية فيها - وهي الوطنية- من ميزانيات الشركات التجارية "الوطنية" من القطاعات الاقتصادية الأخرى، ثمّ من العناوين الفرعية أيضا السؤال عمّا نصنع عمومًا بعقدة النقص التي تزعم تلقائيًا أنّ كل أجنبي هو الأفضل، وتهمل تلقائيًا أيضا سبيل تحسين المنافسة الوطنية عن طريق دعم المستهلك نفسه. وإذا نقصت المعلومات أو الخبرة عند بعضنا ، فعليه الاستعانة بذوي الاختصاص والخبرة، ولكن ليس المقصود بعد ذلك أن يكون أحدنا بالقليل الذي يعرفه أو يكتسب معرفته أو يستعين بغيره لمعرفته، حارسًا على الشاشة الصغيرة بين يدي ابنه أو ابنته، وقد قطعا على الأغلب أشواطًا بعيدة في استيعاب ما نحن بصدد استيعابه بعد. إنّ أقصى ما يمكن صنعه تجاه جيل الشبيبة هو الإرشاد إلى الأفضل، والتشجيع على الأخذ به، ودعم نشأة الوازع الداخلي لرفع مستوى الرقابة الذاتية .. وغالب ذلك أو جميعه هو ممّا يتردّد الحديث عنه في الخطب والمواعظ والدروس وبحوث التربية، ولكنّ جلّه أو جميعه ممّا لا يؤخذ به تطبيقًا، ولا بدّ من نقله إلى واقع حياتنا اليومية في الأسرة والمدرسة وخارج نطاقهما، وأن تتحوّل تلك المعاني في تعاملنا اليومي إلى سلوك تلقائي غير مصطنع، متوازن غير متشنّج، لينتقل على هذا النحو نقلة طبيعية إلى البنين والبنات، وآنذاك .. آنذاك فقط نصل إلى الراحة والاطمئنان ، تجاه ما يصنعون تحت أعيننا .. وبعيدًا عن أعيننا. ثمّ إنّ للرقابة الذاتية في التعامل مع شبكة العنكبوت أبعادًا أوسع نطاقًا، وأخطر شأنًا على المدى البعيد؛ فجيل المستقبل سيعيش مع هذه الوسيلة الحديثة وسواها من المبتكرات، وهو اليوم على مفترق الطرق، ما بين تقييده وسوء توجيه استخدامه لها، وبين إطلاق يده وحسن استخدامه إياها ليساهم في رقيّ أمّته ونهوضها. وجيل المستقبل هو الأقدر على استيعاب مختلف الوسائل الحديثة وهو الأسرع والأكثر استعدادًا لتوظيفها فيما يفيد .. فكيف يمضي بعضنا، ممّن ينتمي إلى الجيل الأكبر سنّا، إلى تنصيب نفسه مصدرًا للرقابة، وسببًا لتقييد استخدام تلك الوسائل، وما حالنا نحن إزاءها وإزاء استيعاب تقنياتها، بالمقارنة مع أبنائنا، إلاّ كما كان حال آبائنا وأجدادنا -بالمقارنة معنا- إزاء الطائرة .. ولعلّ بعضهم لم يركب الطائرة قط، وإزاء السيارة .. ولعلّ بعضهم ما أمسك بمقودها قطّ. ثمّ إنّنا لا نريد أن ينشأ جيل المستقبل في تعامله مع شبكة العنكبوت وأشعة ليزر والأقمار الصناعية وما شابه، على مثل ما نشأنا عليه مع السيارات والطائرات التي نركب، والآلات الصناعية التي نشغّل، ومطابع الكتب التي نقرأ، ومحاريث الأرض التي نفلح، فقد عشنا نستورد ونستهلك ولا ننتج ولا نصنع .. وإنّنا لنعلم أنّ مستقبل أمّتنا وبلادها رهن بوجود جيل لا يستخدم المبتكرات الجديدة فحسب، بل يتقن صنعها وتطويرها وتوظيفها، فلا نغلقنّ الأبواب في وجه تعامله معها تعاملاً مبكّرًا، ولنعمل من البداية على أن يكون قادرًا على ضبط نفسه ليسيطر على تلك المبتكرات بدلا من أن تسيطر عليه، وليستخدمها بدلا من أن تستخدمه، وليوظّفها في خدمة أمّته، بدلا من أن تصبح المدخل إلى انتزاعه من حضن حضارته وعقيدته وتاريخه وأمّته .. ولن يكون ذلك كلّه دون أن تتوفّر مواصفات أساسية: كالثقة بالنفس، والوازع الداخلي، والشجاعة الأدبية، وقوّة الشخصية، وأن تكون على مستوى عالٍ وواقعيّ مؤثّر، كارتفاع مستوى الكفاءات الفنية والعلمية الضرورية لتحقيق القفزة النوعية المطلوبة على طريق النهوض والتقدّم .. فكيف تتحقق تلك المواصفات إذا كان على رأس كلّ فرد رقيب يقول: اصنع كذا.. واترك كذا؛ إنّ تحقيقها رهن بأن ينشأ جيل المستقبل على أن يكون سيّدًا لنفسه، حاكمًا لها، متحكّمًا بما يقع بين يديه، قادرًا على التمييز بين الغث والثمين، متوازنًا في الانتفاع ممّا يفيد والاستمتاع بما يسرّ وإقصاء ما يسيء ويضرّ، وآنذاك يكون كلّ فرد هو الرقيب على نفسه والمحاسب لها، قبل يوم نشر الأعمال والحساب ![]()
يونس بن علي
اقرأ في هذا الباب:
الرقابة المطلوبة (1)
|
|
|
||||||
|
||||||
|
||||||