|
|||||||||||||||||||||||
|
|||||||||||||||||||||||
|
|||||||||||||||||||||||
|
|
|||||||||||||||||||||||
|
السينما الأمريكية تصنع الأصنام
د.أسامة القفاش
فتح الناس أفواههم دهشة، ولم يغلقوها إلى الآن، رغم مرور قرن كامل، على أول عرض سينمائي، قدمه الأخوان الفرنسيان لوميير، من يومها والسينما تمثل حالة من الإبهار المدهش، والتأثير الهائل على ثقافات وعادات مجتمعات وشعوب الأرض.في الغرب أطلقوا عليها اسم "الفن السابع"، وذلك في إشارة إلى المعتقدات الإغريقية القديمة التي تضع فنونًا ستة مقدسة، يقولون إن الآلهة ترعاها وتمارسها، وكانت هذه التسمية "الفن السابع" أول إشارة إلى المنحى الوثني الذي تعاملت معه السينما بعد ذلك، عندما تحوّلت إلى صناعة، وتحول رموزها إلى أصنام، خصوصًا السينما الأمريكية في هوليود. أما في الثقافة العربية فالسينما تُسمى "الخيالة" وهي بذلك تستدعي عالم الغيب والأسطورة بما فيه أيضًا من استدعاء لغيب في الخيال، وحبسه في لحظة مجسدة على شريط السينما، وكانت هذه هي البداية لأن تكون السينما هي التعبير المباشر عن فكرة ما بعد الحداثة، حيث لا يوجد غيب -وبالتالي لا يوجد إيمان- وكل ما نتخيله أو نصدقه يجب أن يكون مجسدًا أمامنا، فيما يسمى "أيقونة" وهي عبارة عن الرمز الدال على شيء غيبي حتى يتحول إلى محسوس يحمل قداسة هذا الغيب من ناحية، وينفي وجود الغيب من ناحية أخرى. السينما -إذن- هي الخيال المنظَّم، والأيقونة المستمرة المتجسدة، ومن ثم فهي أقدر الفنون على حمل الرسالة الأيقونية لما بعد الحداثة، بمعنى أن كل ما نراه أمامنا على الشاشة ليس رمزًا، وإنما هو الشيء ذاته. وهذا الانطباق التام ما بين الدالّ والرمز والمرموز له هو أحد أهم خصائص الرسالة الأيقونية. الجانب الآخر من السينما نجده في عبارة "صناعة السينما"، بمعنى تعلُّق السينما بنمط الإنتاج الصناعي أو الإنتاج بغرض الربح، ومن ثم الإنتاج السلعي. إن "سلعية السينما" هي الوجه الآخر لعملية الأيقونة، فالأيقونة ليست فقط انطباقًا للدال على المدلول، ولكنها أيضًا سلعة في سوق. وكل فرد يختار أيقونته الخاصة ليعبدها ويتعبد لها ويتمثل فيها ويتعين داخلها. ومن ثم يتجلى بوضوح كيف كانت هوليود أكثر الأماكن ملاءمة لعملية الأيقونة ما بعد الحداثة، فهي مصنع النجوم/ الأيقونات على مستوى العالم. وهي جزء من الشبكة الصناعية الكبرى في المجتمع ما بعد الحداثي الأكبر؛ حيث تكريس قيم الفردية والذاتية، والبحث المتواصل عن اللذة الخالصة. وهي التي شهدت التطور الأعظم في هذا المجال. المرحلة التالية كانت مرحلة النجم/ السلعة، وهي تتوافق مع مرحلة تنظيم الإنتاج وظهور "هوليود" إلى الوجود، المدينة الصناعية الضخمة، والتي تجمع كل مصانع الصناعة الكبرى. ألا وهي الاستوديوهات. واستمرت هذه المرحلة طوال الفترة 1911 -1927، وهو عام دخول الصوت على السينما، وظهر خلالها العديد من النجوم/ السلع مثل: ماري بيكفورد، وليليان جيش، وكلارابو، وتشارلي تشابلن، ودوجلاس فيبربانكس، ورودلف فالنتينو. والممثل أو الممثلة داخل النمط المعيَّن؛ سواء الفتاة المرحة البسيطة (كلارابو) أو العربي البدوي الشديد (فالنتينو) أو الصعلوك البسيط الذكي (تشابلن)، والغريرة العذراء المنكسرة (ليليان جيش) أو المعتدة بنفسها (ماري بيكفورد) أنماط يسهل التعيين فيها وتقمُّصها، وبالتالي يسهل ترويجها كسلعة واستعادة الأموال التي صرفت عليها. نلاحظ هنا أن الأيقنة لم تكن عملية مكتملة، فهذا النجم/ السلعة لم يكن هو ذاته على الشاشة، وكان ثمة ثغرة دائمة بين الدالّ والمدلول هي ثغرة الصحافة الفنية التي تنقل أخبار النجوم والفارق بين السينما والواقع. الأيقونة كانت في الشخصية السينمائية/ القناع، وأيضًا في السلعية. ومع دخول الصوت حدث تطور آخر، لقد ازدادت واقعية الصورة المرئية على الشاشة، وبالتالي ازداد انطباق الرمز على ما يرمز له ودخلنا في مرحلة النجم/ السلعة/ الرمز؛ حيث همفري بوجارت ليس مجرد شخصيات متعددة في الصقر المالطي وكازابلانكا وأن نمتلك أو لا نمتلك وغيرها. وإنما هو رمز الذكورة الناضجة المتحققة على حساب الأنثى القاتلة. وهي ثمة أساسية تتكرر كثيرًا في أفلامه. ويصير فريد إستير، وجين كيلي من بعده رمزين للشباب المرح المنطلق؛ سواء في عربة الاستعراض أو الغناء تحت المطر. وتصبح هيدي لامار وأنجريد برجمان وليندا دارنيل وريتاهيوارث رموزًا شكلية؛ سواء للجميلة الطاغية أو الأنثى الغامضة كما في سيِّئة السمعة أو المأسورة، أو للجمال الهادئ في مواجهة الجمال الطاغي كما في دكتور جيكل ومستر هايد، وأخيرًا الأنوثة المتفجرة المسيطرة كما في "دماء ورمال وجيلدا" وهذا كله مـهـَّد لمرحلة "النجم الأسطورة" و "العدمية" والدين الجديد الذي ينزع القداسة عن كل ما هو مقدس. الأمر الذي نتابعه لاحقاً
|
|
||||||
|
||||||
|
||||||