|
|||||||||||||||||||||||
|
|||||||||||||||||||||||
|
|||||||||||||||||||||||
|
|
|||||||||||||||||||||||
|
السينما
التونسية... واقع أليم أنور
البصلي – تونس
أكثر
من قرن من الزمن على انطلاق أولى العروض
السينمائية في تونس، كان ذلك أثناء الاستعمار
الفرنسي عندما قدم الأوروبيون لاصطياد
المناظر الطبيعية التونسية ثم عرضها
ليشاهدها "المعمرون" ونخبة من المحظوظين
التونسيين، بينما لم ينتج التونسيون أفلامًا
خاصة بهم إلا بعد عشر سنوات من الاستقلال
تقريبًا. عندما
نتحدث عن الفن السابع في تونس نجد أننا أمام
وجهتين: أولاهما يتعلق بما يمكن تسميته
السينما في تونس بما تعنيه من أفلام عربية
وأجنبية تعرض في قاعاتها، والأخيرة هي
السينما التونسية التي لا تزيد في مجموعها عن
70 شريطًا سينمائيًا طويلاً فبينما يزداد عدد
الأفلام التونسية بمعدل شريطين كل سنة؛ فإن
قاعات العرض تراجعت في مدة ثلاث عشرة سنة إلى
40 قاعة بعد أن كانت في سنة 1987 تقدر بـ 82 قاعة،
الأمر الذي دفعنا إلى متابعة هذه المسألة
بهدف فهمها وتقديم التحاليل السوسو-ثقافية
بخصوصها، وبهذا فإننا من خلال هذه المقاربة
نطمح إلى تقديم صورة عما يعرض للجمهور
التونسي من إنتاج بلاده ومن البلدان الأخرى. سينما
في تونس يشير
المتابعون للساحة السينمائية التونسية إلى
نوعية الجمهور السينمائي الذي تغير عما كان
عليه الأمر في السبعينيات والثمانينيات كما
أن فئة الشباب والطلبة التي كانت تهتم
بالأشرطة السينمائية ذات الطابع السياسي
وتتداول بعضها من خلال نوادي جامعة هواة
السينما التي تعرض ثم تناقش الأفلام قد تبدلت
اختياراتها خلال حقبة التسعينيات. ويطرح
آخرون في هذا السياق على أصحاب القاعات
متابعة اختيارات الجمهور التي تجعل من هذه
المؤسسات تعرض في أحيان كبيرة أفلامًا تجارية
ليس لها مضمون ولا قيمة فنية أو ذوقية بل إن
بعض ما تعرضه القاعات التونسية في الموسم
الثقافي هي أفلام من النوع الرديء والسوقي
تهدف إلى جلب المراهقين وذوي النفوس الضعيفة
من خلال أفلام ملصقاتها تحتوي عبارة: "ممنوع
على من سنه أقل من 15 سنة" في إشارة تحذيرية
وإشهارية في الوقت نفسه؛ للتأثير على
المشاهد، وجلبه إلى مشاهدة أفلام رخيصة تهدف
من خلالها أصحاب القاعات ومن ورائهم مروجو
هذه الأفلام إلى تحقيق المكسب المادي وإنقاذ
مؤسساتهم حتى لا يضطروا إلى إغلاقها أو
تحويلها إلى محلات تجارية أو مقاهي كما حدث
لزملائهم. كما
يقترح رئيس نقابة المنتجين السينمائيين
السيد أحمد بهاء الدين عطية على أصحاب قاعات
السينما تغيير تصوّر وهندسة قاعاتهم وذلك بأن
تكون في شكل مركب يحتوي على ثلاث قاعات صغرى
كل واحدة منها تقتصر على 150 مقعدًا؛ حتى يتاح
أمام أحباء الفن السابع ثلاثة اختيارات في
الوقت نفسه إلى جانب تجديد آلات العرض وضمان
جودتها تقنيًّا.. وهذا الاقتراح ما يزال في
حاجة إلى أكثر من قرار ومراجعة وفق واقع
القاعات الموجودة الآن والتي يفوق بعض
مقاعدها على 5 آلاف مقعد، فهي قاعات من الحجم
الكبير لم تعد تتوافق مع واقع جمهور السينما
في تونس. ويعتبر
آخرون أن محلات كراء أشرطة الفيديو خلال
السنوات القليلة الماضية هي المنافسة لقاعات
السينما، فإن الانتشار الكبير للهوائيات (الدش)
والتقاط عدد كبير من الناس للقنوات الفضائية
أصبح يصنف ضمن خانة المنافسين الجدد الأكثر
شراسة لقاعات السينما، فقد وضعت هذه التلفزات
الفضائية السينما في وضع محرج، أثًر بشكل
كبير فمن بين 23 محافظة تونسية فإن 10 محافظات
لا توجد بها قاعات سينما حسب الإحصائيات
الرسمية، كما يشتكي المنتجون والموزعون
للسينما في تونس من نوادي الفيديو التي تعمد
إلى "الاستيلاء" على حقوق بث الأشرطة
السينمائية وخصوصًا الأفلام التونسية التي
على قلة إنتاجها فإنها أكثر البضائع السمعية
– البصرية التي تتعرض لعمليات القرصنة، حسب
تصريح لأحد المنتجين التونسيين. ولكن ماذا عن
اهتمامات السينما التونسية؟ هل
هي سينما تونسية؟ يلاحظ
بعض النقاد أن السينما التونسية التي أنتجت
أولى أفلامها تحت عنوان "الفجر" سنة 1964
مرت بمراحل ثلاث رئيسة هي مرحلة أفلام
التحرير الوطني التي يجسدها مخرج هذا الشريط
السينمائي التونسي الأول عمار الخليفي
بأعماله التي من ضمنها صراخ وسجناء وظل الأرض
وهي كلها أشرطة اهتمت بتقديم صورة الكفاح ضد
فرنسا المستعمرة لينتقل المخرجون التونسيون
إثر ذلك إلى الحديث عن مشاكل مجتمع الاستقلال
كما في شريط السفراء للناصر القطاري المتوج
سنة 1978 في مهرجان "أيام" السينمائي وشريط
عزيزة لعبد اللطيف بن عمار، وإذا كان الأول
شريطًا يتحدث عن الهجرة؛ فإن الثاني يتناول
تحولات المدينة التونسية وظهور الأحياء
الجديدة وما خلفته من تحول في الأخلاق
والقيم، أما المرحلة الثالثة فهي التي بدأت
منذ شريط صفايح الذهب للمخرج النوري بوزيد
سنة 1986 وتتميز بأنها مرحلة مراجعة الذاكرة
الوطنية كما في شريط صمت القصور لمفيدة
التلاتلي مرورًا بشريط الرديف 54 لعلي العبيدي. هذه
المرحلة الأخيرة للسينمائيين التونسيين هي
محل جدال بين النقاد؛ لما تتميز به من إظهار
للصور والمشاهد الخليعة والعارية من
الأخلاق، ففي حين يرى المخرجون التونسيون أن
اهتمامهم بتقديم صورة فلكلورية ومثيرة عن
المجتمع التونسي يأتي في سياق رغبتهم في
تقديم الواقع كما هو عاريًا فإن واقع الحال
يؤكد أن جهات إنتاج وتمويل الشريط التونسي هي
التي تقف وراء هذا التوجه. ويكفي للتدليل على
ذلك أن نذكر أن منحة وزارة الثقافة التونسية
لإنتاج الأفلام التونسية لا تتجاوز 60% من
التكلفة العامة للشريط التونسي مما يضطر
المخرج التونسي إلى الاستعانة بالدعم
الأجنبي والفرنسي والفرنكوفوتي خصوصًا الذي
يفرض شروطه على المنتج التونسي و"يضطره"
إلى إظهار المشاهد الجنسية العارية تحت غطاء
الترويج في الخارج. يقول
المخرج التونسي فريد بوغدير – صاحب شريط "عصفور
سطح" – الذي يعتبر من أكثر الأفلام رواجًا
في تونس للرد على هذا الأمر: "أفلامنا ليست
مشبوهة، وهراء ما يدعيه بعض النقاد العرب.. لا
توجد أية جهة أجنبية فرضت علينا شيئًا
معينًا، فقط المشكلة في أذهان بعض مخرجينا
الذين يريدون أن يربحوا السوق الأجنبية
بإدراج مشاهد العراء أو الاستعانة بالممثل
الأجنبي". مسألة
الإنتاج السينمائي التونسي في عمقها تمس هوية
الأفلام التونسية إلى درجة يمكن للبعض أن
يتساءل: هل الأفلام التي يخرجها التونسيون
بدعم أجنبي تجعل منها أفلامًا في تونس وليست
سينما تونسية؟ ذلك أنها تتخبط في اهتمامات
بعيدة عن هوية الثقافة والمجتمع التونسي؛
فتهتم بالهامش، وتسعى إلى الإثارة ولا تقترب
من روح الثقافة التونسية إلا من حيث تسويقها
فلكلوريًّا؛ لإرضاء المنتج والموزع في
الخارج.. وبهذا
فإن البحث عن هوية السينما التونسية هو بحث عن
العمق في مستوى الإنتاج باعتبار أن من يمول
العمل الفني هو الذي يمكن أن يكون مالكًا له
بالمعنى الحضاري ولمعنى الملكية..! السينما
التونسية ما تزال تبحث عن هويتها في وضعية
إنتاج صعبة غابت فيها المؤسسات العمومية عن
"لعبة الإنتاج" وأصبح عدد شركات الإنتاج
الخاصة يفوق حسب الإحصائيات الرسمية 470 شركة،
وهو رقم قياسي يخفي في حقيقة الأمر مؤسسات
تحمل أرقامًا ودفاتر ورخصًا للإنتاج، لكنها
لا تنتج إلا بالمناسبة، عندما يتوفر لها
الدعم الحكومي والأجنبي. نذكر
في ختام هذا عن الوضع السينمائي التونسي ما
جاء على لسان المخرج ناصر القطاري: "إن تعدد
شركات الإنتاج السينمائي في تونس قد عرقل نسق
الإنتاج وتراجع المستوى الفني للأعمال.. أدعو
وزارة الثقافة إلى ضرورة التحكم في رخص
الإنتاج وبعث الشركات ومراجعة مقاييس إسناد
هذه الرخص حتى لا يزدحم القطاع بالمتطفلين".
|
|
||||||
|
||||||
|
||||||