الأمثالُ
العربية.. حكمةُ الناسِ العادية
كمال
المصري
الأمثال
ديوان الشعوب، ودليل حكمتهم، ومقياس
حضارتهم، وأمثالنا العربية نهرُ عطاءٍ يتدفق
بالحكمة والإبداع، كلماتٌ تخرج من أفواه
البسطاء، ليُكْتَب لها الخلودُ والبقاء،
فتتناقلها الألسن، وتتمثَّل بها الشعوبُ
والأمم، وتبقى دليلَ رقيٍّ وحضارة، ومن تلك
الأمثال:
قَطَعَتْ
جَهِيزَةُ قولَ كلِّ خَطيب
ويضرب
لمن يقطع على الناس ما هم فيه، وأصل المثل أن
قوماً اجتمعوا يخطبون في صلح بين حيين، بعد أن
قتل أحد الحيين من الآخر قتيلاً، فأخذ
المصلحون يخطبون كي يرضى حي المقتول بالدية،
فبينما هم في ذلك، إذ جاءت أَمَة يقال لها "جهيزة"
فقالت: "إن القاتل قد ظفر به بعض أولياء
المقتول، فقتلوه"، فقالوا: "قطعتْ
جَهِيزَةُ قولَ كلِّ خَطيب"،
فصارت
مثلاً.
تَسمعَ
بالمُعيديِّ خيرٌ مِنْ أنْ تراه
ويضرب
للنابه الذكي الدميم الشكل، وقاله النعمان
للصقعب بن عمرو النهدي من قضاعة معد، وكان
يسمع بذكره فيستعظمه، فلما رآه –وكان دميماً-
لم يعجبه شكله، وقال: "تسمعَ بالمُعيديّ
خيرٌ من أن تراه"، فذهبت مثلاً، فقال
الصقعب: "المرء بأصغريه"، فذهبت مثلاً
أيضاً، ويروى: تسمعَ بالمعيدي بنصب "تسمعَ"،
وذلك على تقدير وجود "أنْ"، أي: أن تسمعَ
بالمعيديّ خيرٌ من أن تراه.
أَتْبِع
الفرسَ لِجامَها
ويضرب
لمن يريد جمع الأمور المرتبطة ببعضها كالفرس
واللجام، وأصله أن ضرار بن عمرو بن مالك
أغار على كلب ثم على بني عدي بن جناب من كلب،
فأسر فيمن أسر أهل عمرو بن ثعلبة -وكان صديقاً
لضرار بن عمرو-، ولم يكن عمرو مع القوم حين
أغير عليهم، فلما جاءه الخبر، ذهب إلى ضرار،
وكان فيمن أخذ من أهله يومئذ سلمى بنت وائل -وكانت
أَمَةً له- وأمَّها وأختين لها، فلما لحق عمرو
بن ثعلبة ضراراً، قال له عمرو: "أنشدك
المودة والإخاء، فإنك قد أصبت أهلي فارددهم
عليّ"، فجعل ضراراً يردُّهم شيئاً شيئاً،
حتى بقيت سلمى وأختاها -وكانت سلمى قد أعجبت
ضراراً- فسأله أن يردهن، فردهما غير سلمى،
فقال عمرو بن ثعلبة: "يا ضرار أتْبِع الفرسَ
لِجامَها" –أي
اجمع بين الأمور المرتبطة ببعضها كالفرس
واللجام- فأرسلها مثلاً، فردها عليه.
يا
بعضي دَعْ بعضاً
ويضرب
للتعاطف مع ذوي الأرحام، وأصله أن زرارة بن
عدس زوَّج ابنته من سويد بن ربيعة فكان له
منها تسعة بنين، وأن سويدا قتل ابنا صغيرا
لعمرو بن هند الملك وهرب، ولم يقدر عليه ابن
هند فأرسل إلى زرارة أن ائتني بولده من ابنتك،
فجاء بهم، فأمر عمرو بقتلهم، فتعلقوا بجدهم
زرارة، فقال: "يا بعضي دَعْ بعضاً"،
فذهبت مثلا.
حَرِّكْ
لها حُوارَها تَحِنّ
ويضرب
هذا المثل لمن يريد حثّ غيره على فعل أمرٍ ما،
فيذكره بذكرى أليمة، ويروى عن عمرو بن العاص
رضي الله عنه أنه قال لمعاوية رضي الله عنه
حين أراد أن يستنصر أهل الشام: "أخْرِجْ
إليهم قميصَ عثمانٍ رضي الله عنه الذي قُتِل
فيه"، ففعل ذلك معاوية، فأقبلوا يبكون،
فعندَها قال عمرو: "حَرِّكْ لها حُوارَها
تَحِنّ"، فصارت مثلاً.
قبل
اليوم ما تُقْرَعُ العصا
ويضرب
لذي الحلم إذا زاغ وأخطأ، وأصله أن عامر بن
الظرب العدواني كان قد حكم العرب في
الجاهلية، وطال به العمر وكبر حتى ضعف عقله،
فقال لبنيه: "إذا أنا زغت فقوِّموني"،
وكان إذا زاغ تُقْرَعُ له العصا -أي تُضْرَبُ
العصا بشيءٍ لتُحْدِثَ صوتاً- فينتبه ويتوقف
عن ذلك.
أنْجَزَ
حُرٌّ ما وعَد
ويضرب
لمن يستحثُّ غيره على الوفاء بوعده، وأصله
حين قال الحارث بن عمرو الكِنْديّ لصخر بن
نهشل: "هل أدلك يا صخر على غنيمة، على أن لي
خمسها؟" فقال له صخر: "نعم"، فدلّه على
ناس من أهل اليمن، فأغار عليهم صخر بقومه،
فظفروا وغنموا وملأ يديه من الغنائم وأيدي
أصحابه، فلما انصرف، قال له الحارث: "أَنْجَزَ
حُرٌّ ما وَعَد" فأرسلها مثلا، فطلب صخر من
قومه أن يعطوه ما كان جعل للحارث –أي
خمس الغنيمة- فأبوا عليه ذلك، وكان في طريقهم
ثنية متضايقة –أي
هضبة صغيرة- يقال لها شجعات، فلما دنا القوم
منها، سار صخرٌ حتى وقف على رأس الثنية، وقال:
"أَزَهَتْ شجعات بما فيهنّ، وأَزَمَتْ –أي
ضاقت- ولا يجوزنّ أحدٌ بذمة صخر؟" فأرسلها
مثلاً، -أي أَأَعْجَبنا هذا المكان بقوتنا
وكثرة عددنا، ورغم ذلك فلا يوجد أحد يلبي ذمة
صخر؟- فقال حمرة بن ثعلبة بن جعفر: "والله لا
نعطيه شيئا من غنيمتنا"، فحمل عليه صخر
فقتله، فلما رأى الجيش ذلك أعطوه أجمعون
الخمس فدفعه إلى الحارث بن عمرو.
إني
سأكفيكَ ما كان قولاً
ويضرب
لمن يريد أن يتصدّر لأمرٍ ما، ويكفي غيره عن
القيام به، وأصله أن النمر بن تولب العكلي
أحبّ امرأة من بني أسد بن خزيمة يقال لها جمرة
بنت نوفل، وقد كبر في السنّ يومئذ، فأعجب بها
واتخذها لنفسه، وكان له بنو أخ فراودها بعضهم
عن نفسها، فشكت ذلك إلى نمر، وقالت: "إن بني
أخيك ربما راودني بعضهم عن نفسي، ولست آمنهم
أن يغلبوني" فقال لها النمر: "قولي لهم
وقولي إن أرادوا شيئاً من ذلك" –أي تحايلي
عليهم-، فقالت جمرة: "إني سأكفيك ما كان
قولاً"، فأرسلتها مثلاً، أي: إن كان الأمر
موقوفاً على القول، فسأكفيك القول.
عَشِّ
إبلَك ولا تغترَّ
ويضرب
لضرورة عدم الاغترار بالعمل، ويروى عن ابن
عباس وابن عمر وابن الزبير رضي الله عنهم، أن
رجلاً أتاهم، فقال: "كما لا ينفعُ مع الشرك
عملاً، كذلك لا يضرُّ مع الإيمان تقصيرٌ"،
فكلهم قال له: "عَشِّ إبلك، ولا تغترَّ"
أي اعمل، ولا تغترّ بعملك.
يداكَ
أَوْكَتا وفُوكَ نَفَخ
ويضرب
لمن أوقع نفسه في مأزق، ثم طلب المساعدة
للخلاص منه، وأصله أن رجلاً نفخَ زِقّا –قرْبَة
الماء- وركبه في النهر، فانحل غطاء الزِّق،
وخرج الهواء، وكاد الرجل يغرق، فستغاث
بأعرابيٍّ على ضفة النهر، فقال: "يداكَ
أَوْكَتَا وفُوكَ نَفَخ"-أي أنت من فعل ذلك
بنفسه.