بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

رسائـل فلسطينية

سمر دويدار


كاتب هذه الرسائل شاب فلسطيني اسمه عبد الرحمن شعث، خلال عام 1945 أنهى دراسته الثانوية، وبدأ العمل كمدرس في انتظار قبوله في إحدى جامعات أمريكا لإكمال دراسته في عام 1948 وبسبب ظروف الحرب والنكبة قرر عدم السفر لإكمال دراسته وصرف مدخراته التي جمعها أثناء عمله في التدريس - والخاصة بالسفر والدراسة - على العائلة خلال تلك الأوقات العصيبة .. وفي شهر سبتمبر من نفس العام تمت هجرة العائلة
من القدس إلى غزة. ومن ثم سافر إلى الإسكندرية للبحث عن عمل  - عندما ضاق به وبعائلته العيش في غزة - ومنها انتقل للسعودية حيث حصل على عمل مكّنه من مساعدة أخيه على إكمال دراسته، واستمر في عول والديه وأخواته البنات.

هذه رسائل كتبها لخاله المقيم بالإسكندرية، الأولى من القدس بتاريخ 6/5/1948
في بداية المحنة ليخبره بقراره بعدم السفر وأشياء أخرى كثيرة، والثانية من غزه بتاريخ 20/9/1948 يصف فيها هجرته والعائلة من القدس إلى غزة بكل ما في هذه الرحلة من صعاب وآلام دفعته إلى فقدان الثقة بكل ما حوله.

فلنبحر معًا في التاريخ من خلال تلك الوثائق - الرسائل الحميمة الصادقة المعبرة عن مشاعر وأحاسيس بنفس بشرية مظلومة، وإن اختلفنا مع بعض ما تثيره من شجون، ولكنها تظل أكثر تعبيرًا من كل كتب التاريخ عما يفعله الظلم بالنفوس وبالشعوب.

إقرأ الرسائل:

القدس في 6/5/1948

غزة في 20/9/1948

 
 

القدس في 6/5/1948

خالي العزيز، أشواق من صميم الأفئدة، وتحية عاطرة بنفحات الجنة، فياحة بشذى عبير الوطن المنكوب، وبعد فأرجو أن تكونوا جميعًا بخير، أزعجنا صمتكم الطويل، سيّما وأنكم لم تجيبوا عن رسالتين سابقتين، أرجح بعد هذا الصمت الطويل أنهما قد فقدتا مع البريد المسروق. وها أنا ذاك أرسل الثالثة مع صديق لي ذاهب لعمان ليرسلها من هناك.

استلمت برقيتك المرسلة في 26/3، وقد أرسلت طبعًا بالبريد العادي، وقد سررنا جميعًا بها، وهذا أقل ما كنت أتوقعه منك يا خالي، ولولا تأكدي من أنك ستلبي طلبي لما تجرأت على سؤالك، فأنا أتقدم إليك نيابة عن والدتي وعن والدي بالشكر الجزيل على مبلغ اهتمامك بأمري هذا ونسأل الله تعالى أن يحفظك ويوفقك.

في الحقيقة يا خالي الحالة في فلسطين قد تطورت تطورًا خطيرًا في الأيام الأخيرة، وطبعًا قررت أن أؤجل سفري وأبقى هنا، فالبلاد أحوج ما تكون إلى شبابها في مثل هذه الأيام العصيبة.

أما الأخبار فهي كما تسمعها من الراديو بعد أن انقطعت الصحف الفلسطينية عن الصدور. ولو أن الأخبار التي تسمعها من الراديو لا تعطيك صورة حقيقية عما يقع في فلسطين عامة وفي القدس خاصة، فالحقيقة أن العرب قد استهانوا بقوة اليهود، ولم يكن أحد يتوقع منهم هذا الاستعداد الهائل، وأصبح من الواضح الآن بأن المتطوعين غير النظاميين غير قادرين على تحرير فلسطين، ولن يفعل ذلك إلا الجيوش النظامية.

حبذا يا خالي لو أنك هنا في فلسطين لترى بأم عينك التضحية الحق في سبيل الواجب المقدس، حبذا لو أنك هنا لترى حماس الشباب لخوض المعركة الأخيرة معركة الحياة أو الموت.

إنك تسير في الشارع فلا ترى إلا البنادق والمدافع، ولا تسمع إلا الحديث عن الجهاد والقتال. إن الأطفال في الشوارع يلعبون (بالفشنك) الفارغ وألعابهم المفضلة هي (العرب والهجانة) وتعداد أسماء الأسلحة وأنواع المدافع.

أصبح منظر المتطوعين الأجانب مألوفًا، فترى العراقي والسوري والأردني والمصري والحجازي والإيراني والتركي واليوغوسلافي حتى الإنجليزي!.. وفي هؤلاء المجاهدين نرى الفلسطيني رافع الرأس متأهبًا لتسطير صفحة ناصعة البياض في كتاب الجهاد المقدس.

إننا في كل يوم نودع قافلة من الشهداء الأبرار، لكنك لا ترى علامة للتأثر على وجوه الأقارب أو الإخوان، فالمصاب عام، وكل شيء يهون ويرخص في سبيل أسمى غاية وأنبل هدف، قبل مدة قريبة فقدنا واحدًا من أعز أصدقائي.. وقد استشهد -رحمه الله- في ميدان الشرف.

لقد أصبح اسم الهيئة العربية مضغة في الأفواه بعد أن ساقت الناس إلى هذا المعين دون أن تستعد استعدادًا كافيًا، وقد تقلص ظل الهيئة من جميع البلاد، وقد انتزعت منها مؤخرًا قيادة منطقة القدس، والناس طبعًا مستعدون أن يسجدوا لمن ينقذهم، وقد تردد اسم القاد فجي على الأفواه فترة من الزمن بعد مقتل عبد القادر ومذبحة دير ياسين، حينما جاء ودك بمدفعيته الأحياء اليهودية في القدس، لكنه انسحب دون سابق إنذار، وقيل: إنه انسحب بناءً على طلب آل الحسيني الذين أمروه آنذاك بالانسحاب وعدم التدخل في أمور قيادتهم.

وأخيرًا لم يبق غير الملك عبد الله بعد ذلك النشاط الذي أبداه، فالجميع هنا يهتفون باسمه، ولم يبق بلد لم يرسل وفدًا لعمان لرفع آيات الولاء ولمبايعة المنقذ ابن المنقذ. وقد تحول الحب الذي يحمله الشعب للحاج أمين الحسيني للملك عبد الله.

والجميع في انتظار 15 أيار لرؤية الجيوش العربية تكتسح فلسطين وتستعيد طبريا وحيفا.

والإنجليز.. الإنجليز المجرمون الذين مكنوا اليهود من حيفا زهرة مدن فلسطين وأعطوهم إياها لقمة سائغة، وكانوا السبب المباشر في وقوع مذبحة دير ياسين. وقد مكنوهم أخيرًا من حي الفظمون في القدس. إذ كلما حاول العرب دخول مستعمره جاء الإنجليز وأجلوهم عنها بالقوة، ولو أنهم تدخلوا في الوقت المناسب؛ لما حدثت مذبحة دير ياسين التي ذهب ضحيتها 135 نفسًا بريئة، وقد خرجوا من حيفا في الليل دون أن يخطروا العرب، خرجوا بعد أن أعطوا اليهود مراكز إستراتيجية تمكنوا بواسطتها من اكتساح حيفا، والتحكم في البترول والبنزين والميناء.

وقد خسر اليهود في القدس في الأيام الأخيرة ما يزيد عن سبعمائة قتيل طبعًا بدون مبالغة، فالبارحة حاولوا الهجوم على جبل الطور، فقتل منهم حوالي المائة والخمسين، لكن لن يفيدنا إلا احتلال عسكري منظم للثأر لكوارث حيفا وطبريا ودير ياسين.

الجميع هنا بخير يهدونكم سلامهم ونحن في البلدة القديمة في أمان، وقد أصبح عدد سكانها حوالي المائة ألف، وليس هناك أي خطر إلا إذا ضربوا البلدة القديمة بالمدفعية..!

سلامي وقبلاتي إلى العزيز نبيل وميسون ونهى ونديم وسلامي إلى الست أم نبيل، ولك تحياتي واحترامي،

واسلموا

للمخلص

عبد الرحمن شعث  

 

(صورة من الرسالة الأصلية)

 

غزة في 20/9/1948

خالي العزيز حفظه الله، تحياتي وأشواقي إليكم جميعًا، أرجو أن تكونوا في صحة واطمئنان، وبعد فقد وصلتني رسالتك الأخيرة، وكذلك التي قبلها، وقد سررنا بصورة نبيل أيما سرور، وقد رآها الجميع، ولم يصدقوا بأنها صورة نبيل علي شعث، فقد أصبح رجلاً ولا شك، قبّل عيونه نيابة عن الجميع، وكذلك نديم وميسون ونهى، وقد أوصلت رسالة )بشير ( إليه فوعد خيرًا وأرجو أن يكون كذلك.

ماذا أكتب لك يا خالي؟.. كان بودي أن أكتب لك أشياء تثلج صدرك وتبعث الرضا في نفسك، ولكن ما العمل وكل شيء حولنا يوحي بمنظر الدماء والدموع!.

إذن دعني أسكب بين يديك هذه الدموع؛ لعل في ذلك بعض العزاء.. لكن قلمي لا يطاوعني حين أكتب عن نفسي قبل أن أكتب عن الناس، إذن هل أحدثك يا خالي عن ما نرى من مآسي المهاجرين وعما يقاسونه من جوع ومذلة وتشريد؟.. هل أكتب لك عن هذا النفر من الناس الذين جردوا مما ملكت أيديهم وأخرجوا من ديارهم كما ولدتهم أمهاتهم، كانوا بالأمس سادة محترمين في مدنهم وأملاكهم واليوم.. اليوم أصبحوا عالة على الناس يقضون لياليهم في معسكرات اللاجئين في غزة، وفي الصباح يخرجون إلى المدينة يريقون ماء وجوههم في السؤال والاستجداء إذ لا أظن أن الرغيف الأسود كل أربع وعشرين ساعة يكفي لرد غائلة الجوع عنهم وعن أطفالهم، فهم أقرب إلى الموت منهم إلى الحياة في هذه الأيام فما بالك في أيام الشتاء المقبلة!. إنهم يسألون الله أن يرفق بهم فيرسلهم إلى الموت مسرعين لتتلقاهم رحمته من وراء الموت فيجزيهم عن بؤسهم في الدنيا نعيمًا في الآخرة.

لقد قسا عليهم الدهر فذهبوا بجريرة غيرهم دونما ذنب جنته أيديهم. ترى هل أخطأت الذلة والمسكنة طريقها إلى اليهود فلحقت بأهالي اللد والرملة ويافا الأبرياء؟!..

كل شيء في حياتنا يذكر بالمسخ.. لقد كان هذا البلد فيما مضى وطنًا عزيزًا، مجيدًا، مكرمًا ينشر النعمة على غيره من الأوطان.. والآن تضاءل وهان أمره على نفسه وعلى الناس وأصبح أضعف من أن يستقل بأيسر شئونه. ينظر إليه الناس ضائقين به مشفقين عليه. إذن أتراه قد مسخ؟.. أم أهله الذين مسخوا؟.. أصبح لا يصلح لإيوائهم، وأصبحوا بدورهم لا يصلحون للعيش فيه…...

فيم أكتب لك يا خالي بعد هذا؟.. هل أكتب لك عن ما قاسيناه في القدس من أهوال ومخاطر؟.. لم يبق للعرب في القدس، كما تعرف، إلا البلدة القديمة، وقد رأى والدي قبل رمضان أن آخذ البنات إلى غزة، فذهبنا إلى غزة في الهدنة الأولى ورجعت أنا في الهدنة الثانية إلى القدس لأجدها قاعًا صفصفًا، فقد أقفرت الشوارع من المارة، وشعرت بالوحشة، وأنا أجتاز الممر المؤدي إلى بيتنا من باب الأسباط، وكان صدى وقع أقدامي يتردد في أذني رهيبًا كئيبًا ينذر بأيام النحس والهوان التي تنتظرنا، وصلت البيت فوجدت والدي ووالدتي في حالة يرثى لها، وعلمت أن جميع الجيران.. جميعهم قد تركوا منازلهم؛ هربًا من هذا الجحيم، وبقينا في القدس أربعة أيام أقلق راحتنا فيها هدير الألغام وقصف قذائف المورتر. فهربنا بعض الأشياء الخفيفة من فراش ومؤونة واستأجرنا سيارة لوري.. إلى غزة. ولا تسل عما قاسيناه في الطريق من مخاطر، إذ يكفي أن تعلم أن الطريق استغرقت خمسة أيام. وزاد الطين بلة حيث تلف بعض العفش، وتلف ما هو أهم من العفش، فقد اندلق البترول على الطحين والسكر والأرز والشعير و.. و.. لكن كل شيء يهون إلى جانب وصولنا غزة سالمين بعد أن تعرضنا للحدث الأكبر قرب بعض المستعمرات اليهودية.

سكنا في بيت العم أبي العبد بضعة أسابيع.. ولكن.. ولكن ابن آدم لا يحتمل ولو من قبل أخيه ولا معنى لبقائنا في بيت العم غزال ما دام أبي قد حضر، وكان إن انتقلنا مع أمتعتنا إلى بيت صغير متواضع في أرض العم أبي إبراهيم، ونحن نعيش فيه الآن راضين مسرورين منذ أربعين يومًا تقريبًا.

تسألني يا خالي عن أحوالنا المالية.. ربما تعرف أنه كان معي قبل بدء الحوادث مبلغ مائتي جنيه تجمعت لدى أثناء عملي في القدس. منذ أربعة أشهر ونحن (نأكل) من هذا المبلغ، وهو بدوره –لعنة الله عليه- أخذ في التقلص السريع.. منذ أسبوع انخفض عن الخمسين. ولا أعلم ماذا كان أمرنا لولا وجود هذا المبلغ البسيط!..

وأملنا الوحيد الآن هو أن أتعين في مدرسة غزة؛ لكي أقوم بأمر هذه العائلة التي وكلت أمرها.. وإذا لم أشتغل كان الشيطان بالعون.

إنك لا تعرف أحدًا في محنتك لا صديق ولا حتى أخ. حتى الخال المحترم أبو رشيد قد (كش) وابتعد عن أخته الكبرى التي كان يقدرها ويحترمها مثل والدته رحمة الله عليها.. فكأنما حسبنا أننا سنلجأ إليه عند الحاجة.. معاذ الله!.. لا إليه ولا إلى أمثاله.. إن معسكر (انصراط) للاجئين قرب غزة أوسع من أن يضيق بعائلة تلحق بالقافلة.

إن الجميع هنا يا خالي يمجد اجتهادك وسؤالك عن الأقارب وعن أحوالهم.. الجميع يثنون على نبلك وكفى لا أقولها استجداءً لرضاك، بل أقولها كحقيقة واضحة، وأنا بلسان الجميع وخصوصًا بلسان والدتي وخالتي أم بهيج –ولا أدري هل أتكلم بلسان الخال أبي رشيد لأننا الآن غرباء بالنسبة إليه وخصوصًا بعد أن حاولت أمي التدخل؛ لتسوية مشكلة أم بهيج تسوية معقولة- على كل أتقدم إليك بالنيابة عنهم جميعًا بالشكر الجزيل، وأدعو لك بالتوفيق والنجاح.. وليحفظك الله والعائلة الكريمة.

أم بهيج لا تزال تضرب على نغم الإسكندرية برغم نصائحي ونصائح الجميع، وبالرغم من وضوح رسالتك الأخيرة لها. وسبب ذلك أن الخال المحترم أبا رشيد يوافق على قبولها في بيته بشرط أن تترك أولادها، بحجة أن لديه أولادًا كفاية. وهو يعرف تمام المعرفة بأن خالتي لن تترك بأي حال من الأحوال أولادها، ولم يفلح أحد في إقناعه بأنه من غير المعقول أن تترك أولادها الصغار في رعاية الغير، فلعلك يا خالي تستطيع إقناعه بأن يقبلها هي وأولادها حتى ولو في غرفة الغسيل أو في الجنينة، إذ ليس لها في غزة من هو أولى بها منه، أظن أم بهيج تحتاج إلى خمسة عشر جنيهًا في الشهر.

لا أدري ماذا جرى لخالي أبي رشيد إذ لم نره منذ شهر تقريبًا، إنه جاحد ناكر للجميل، ينحي عليك باللائمة لتقصيرك –كما يدعي- في مسألة بروين، وكذلك لتقصيرك في مساعدته بعد أن وعدته بذلك، وهو يصر على أنه لم يتلق منك أية مساعدة مالية إلى الآن، ويقول أن الخمسة والعشرين جنيهًا قد أخذهم رفيق وسدد بها كمبيالة كانت مستحقة على الخال أبي رشيد فإذن هو لم يستلم منك مليمًا واحدًا. والغريب أنه يعترف بأن رفيقًا سدد عنه كمبيالة بالمبلغ ويصر بعد ذلك كله أنه لم يستلم منك ، (وهذا طرفه).. وقد فهمت أنه كان ينوي إرجاع المبلغ إليك مع الشكر ليقول لك: إنه ليس بحاجة إليك..

        إن شغل الجاراج في هذه الأيام أخف مما كان عليه في أيام السفر بالطبع.. وبما أنه أي خالي كان مديونًا منذ مدة طويلة فهو الآن في ضائقة مالية.. إن سوء إدارته البينية هي السبب في هذه الضائقة المالية ليس غير. وأظنك نعرف من المسؤول عن الإدارة البينية.

ربما أطلت عليك يا خالي؛ لأني لم أجد أحدًا أتكلم له.. على كل الجميع هنا بخير يحضرونكم أشواقهم فردًا فردًا.. والسلام.

وليحفظك الله،

ملحوظة: هل فكرت يا ترى في إرسال العشرين جنيهًا لهم. أرجوك.. بأية واسطة.

وأرجو كذلك ألا تحرمني من رسائلك؛ لأستمد من كلماتها الفياضة بالمحبة والعطف والتقدير القوة والعزم والنور..

والله يحفظك  

 

(صورة من الرسالة الأصلية)

 

اقرأ في نفس الزاوية:

الأمثالُ العربية.. حكمةُ الناسِ العادية

 

 

ثقافة وفن

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع