English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

الثقافة الصهيونية:

الأرقام والحقائق الصلبة

د. عبد الوهاب المسيري


الأرقام ليست حقائق صلبة، ومن ثم يمكننا تفسيرها، وتحليلها، والوصول إلى نتائج مختلفة حسب المنهج الذي نتبعه، ويحاول الصهاينة أن يحوِّلوا مفاهيمهم الصهيونية إلى حقائق نهائية من خلال الأرقام، فيقولون: إن الشعب اليهودي قد طُرد من وطنه، وشُتت في أجزاء الأرض، بعد أن هدم "تيتوس" الهيكل، وبالفعل نجد أن عدد يهود العالم داخل فلسطين أقل بكثير من عددهم خارجها، فنؤمن بشتات اليهود، وأنهم نُفوا قسرًا من ديارهم، وأنهم يودون العودة!!

ولكن يمكن استخدام الأرقام بطريقة مختلفة تمامًا؛ لنصل إلى نتائج عكس النتائج التي استخلصها الصهاينة من الأرقام، يقال: إن عدد العبرانيين القدامى قبل التهجير إلى بابل كان يبلغ نحو 1.800.000 شخص، وأن ذلك العدد تناقص بعد التهجير، وحينما سمح "قورش" ليهود بابل وآشور بالعودة، فإنه لم يُعد منهم سوى أعداد صغيرة (اندمج يهود بابل في محيطهم الحضاري وانصهر يهود آشور)، وعلى هذا تزايد عدد اليهود بعد ذلك؛ ليصل إلى ثمانية ملايين، لكن مهما يكن الأمر، فإن المؤرخين كافة يجمعون على أن عدد اليهود في فلسطين كان لا يشكل سوى ثلث عدد يهود العالم، وذلك قبل أن يهدم "تيتوس" الهيكل؛ أي أن الفكرة القائلة بأن اليهود مرتبطون ارتباطًا أزليًّا بصهيون (فلسطين) وأنهم لا يتركونها إلا قسرًا هي فكرة تتنافى مع واقع التاريخ.

فالديارسبورا، أو الشتات اليهودي، مسألة طوعية، وليست مرتبطة بعملية إكراه خارجية. وحالة الدياسبورا حالة دائمة بغض النظر عما كان يحدث في فلسطين. بل إنه حينما يتجه بعض أعضاء الجماعات اليهودية إلى فلسطين للاستقرار فيها، فإن ذلك ينبع من حركيات لا علاقة لها بصهيون، وعلى كل، ها هي الدولة الصهيونية قد فتحت بواباتها داعية يهود العالم إلى المجيء إليها، فهي تعاني أزمة سكانية، غير أن يهود العالم لا يأتون إلا قسرًا (كما حدث مع اليهود السوفيت)؛ إذ إن الأغلبية الساحقة تفضل البقاء في/أو التوجه إلى الولايات المتحدة (بابل الحديثة)، التي يشار إليها باليديشية بأنها "جولدن مدينا"، أي "البلد الذهبي" أرض الميعاد الاستهلاكية التي تفوق في جاذبيتها أرض الميعاد الصهيونية.

ويدعي الصهاينة أن اليهود يعيشون في حالة عزلة دائمة، ويشيرون إلى بعض الحقائق الصلبة، ولكن قراءة الواقع والأرقام بطريقة مختلفة تبين كذب ما يقولون، وقد أشرنا من قبل إلى اندماج يهود بابل وانصهار يهود آشور، ويمكن أن نشير إلى اندماج يهود الإسكندرية ونسيانهم لغتهم في الدولة البطلمية، ولذا كان لا بد من ترجمة العهد القديم إلى اليونانية، ويمكن أن نشير إلى أن عدد اليهود في بداية العصر المسيحي كان قد وصل إلى عدة ملايين، لكن يلاحظ أنه مع بداية العصور الوسطى في الغرب، كان أعضاء الجماعات اليهودية يتراوح بين مليون ومليونين (تركز أغلبهم في العالم الإسلامي)، وقد ظل عددهم دون تغيير ملحوظ حتى القرن الخامس عشر الميلادي، ولنا أن نلاحظ انخفاض عدد اليهود إلى الخُمس، على الرغم من عدم حدوث هجمات أو عمليات إبادة ضخمة ضدهم أو انتشار أوبئة، ولذا لا يمكن تفسير هذا الانخفاض إلا بأن عملية الاندماج والانصهار والذوبان كانت مستمرة على قدم وساق، أي أن فكرة الانعزالية اليهودية ومقدرة اليهود على مقاومة الاندماج هما مجرد أسطورة تتنافى مع الحقائق التاريخية؛ فأعضاء الجماعات اليهودية، شأنهم شأن جميع الأقليات والجماعات الأخرى، خاضعون لحركيات إنسانية عامة يؤدي بعضها إلى العزلة ويؤدي بعضها الآخر إلى الاندماج والانصهار.

وتتحدث الدراسات الصهيونية (وتتبعها بعض الدراسات العربية) عن اليهودية باعتبارها ظاهرة عالمية، وعن توزعهم الجغرافي في جميع أنحاء العالم، وعن "الصهيونية العالمية"، لكن إذا نظرنا إلى توزع أعضاء الجماعات اليهودية من منظور تاريخي حضاري، فستظهر صورة مختلفة تمامًا، ولننظر الآن إلى أكبر تسع جماعات يهودية في العالم:

نسبتهم إلى يهود العالم %

عدد أعضاء الجماعة اليهودية

الدولة

43.1%

5.515.000

الولايات المتحدة

29.0%

3.717.000

إسرائيل

10.7%

1.370.000

الاتحاد السوفيتي (سابقًا)

4.1%

530.000

فرنسا

2.5%

320.000

بريطانيا العظمى

2.4%

310.000

كندا

1.7%

218.000

الأرجنتين

0.9%

114.000

جنوب أفريقيا

0.8%

100.000

البرازيل

نلاحظ في هذا الجدول أن 95.1% من يهود العالم يعيشون في تسعة مراكز رئيسة، بما في ذلك الدولة الصهيونية، وأن 82.4% منهم يعيشون في ثلاث دول فقط، ونلاحظ أيضًا أن البلاد التي فيها أعضاء الجماعات اليهودية تنتمي إلى ما يمكن تسميته التشكيل العرقي الأبيض؛ ففي الأرجنتين، حيث أعلى نسبة من البيض في أمريكا اللاتينية أما في البرازيل، فتكاد تكون الاستثناء الوحيد من القاعدة، ومع هذا، فإننا نجد أن نسبة السكان من أصل أبيض عالية في المدن، حيث يتركز اليهود. ولا يوجد اليهود في الاتحاد السوفيتي السابق إلا بنسبة ضئيلة في الجمهوريات الآسيوية؛ إذ إنهم يتركزون في روسيا وأوكرانيا.

ويمكن تقسيم البلاد التي تعيش الأغلبية الساحقة من أعضاء الجماعات اليهودية في كنفها إلى قسمين أساسيين لا ثالث لهما: 22% في أوربا والاتحاد السوفيتي سابقًا، أي داخل التشكيل الحضاري الغربي، و77% داخل التشكيل الاستيطاني الغربي (43.1% في الولايات المتحدة، و5.8% في دول استيطانية أخرى مثل: كندا والأرجنتين وجنوب أفريقيا والبرازيل، و29% في إسرائيل) فاليهود ليسوا ظاهرة عالمية، والصهيونية ليست حركة عالمية، والهجرة اليهودية ليست هجرة إلى أي مكان، وإنما هي هجرة استيطانية، والصهيونية ليست حركة قومية؛ لإنقاذ اليهود، وإنما هي حركة استيطانية.

ويمكن القول بأنه منذ بداية العصر الحديث اشترك أعضاء الجماعات اليهودية في كثير من الأنشطة المرتبطة بالاستيطان الغربي، مثل أنشطة شركتي الهند الشرقية والغربية الهولندية، وغيرهما من الشركات، وتجارة العبيد، كما اشتركت أعداد من أعضاء الجماعات اليهودية في عملية الاستيطان ذاتها، وفي بداية الأمر كان أعضاء الجماعة جزءًا من النشاط الاستيطاني الهولندي، فاستوطنوا ابتداءً من منتصف القرن السابع عشر جزر الهند الغربية (مثل ترينيداد وسورينام والمارتينيك وجمايكا وجزر الباهاما). لكن سورينام كانت أهم التجارب الاستيطانية الأولى، وقد بدأ وصول اليهود إليها من هولندا عام 1639، ثم من إنجلترا عام 1652، فكفلت لهم جميع الحريات والمزايا، ومُنح اليهود الجنسية الإنجليزية. وبعد أن ضم الهولنديين سورينام مرة أخرى عام 1667، حاول بعض اليهود الرحيل مع الرعايا البريطانيين، لكن الهولنديين أرغموهم على البقاء فيها بوصفهم جماعة استيطانية نافعة. وقد تركز اليهود فيما يسمى يودين سافان، أي سافانا اليهود، وأسسوا مستوطنة يهودية في برزدينتس أيلاند عام 1670، وكانت تلك المستوطنة تتمتع بما يشبه الاستقلال الكامل (ومن ثم فهي أول دولة يهودية استيطانية). وكان اقتصاد المستعمرة يعتمد على العبيد الذين كانوا يشقون الطرق ويزيلون الغابات والأعشاب، فأقاموا مدينة جديدة محاطة بالطرق. وقد بلغ عدد سكان المستوطنة 10 آلاف نسمة عام 1719، وكانت أغلبيتهم من العبيد، وكان العبيد المستجلبون من أفريقيا يهربون ويلجئون إلى الأحراش ويختلطون بسكان الجزيرة الأصليين، فيضطر سكان المستوطنة إلى استجلاب المزيد من العبيد من أفريقيا الذين كانوا يهربون وينضمون إلى السكان الأصليين، ثم بدأت جماعات العبيد الأفارقة والسكان الأصليين تشن هجمات على المستوطنة في الفترة من 1692 – 1774. وكوَّن المستوطنون البيض مليشيات عسكرية وجرَّدوا الحملات ضد الثوار (تمامًا كما تفعل الدولة الصهيونية ضد الفلسطينيين)، لكن الإرهاق الناتج من الحرب وانتشار الأمراض أديا إلى انتصار السود والسكان الأصليين على الدولة اليهودية الاستيطانية.

وقد استوطن اليهود أيضًا في معظم بلاد أمريكا اللاتينية، وخصوصًا في الأرجنتين التي وطَّن المليونير هيرش فيها آلاف اليهود، والتي كانت تُعد أهم تجربة استيطانية زراعية، باستثناء تجربة إسرائيل في العصر الحديث.

ويلاحظ أن هذه الأنشطة الاستيطانية كانت تدور إما في إطار الاستعمار الهولندي وإما في إطار الاستعمار الأسباني – البرتغالي، والمادة البشرية الأساسية هنا هي يهود السفارد (المارانو)، لكن مصدر المادة الاستيطانية الحقيقية كان يهود اليديشية، الأشكناز من شرق أوروبا، الذين كانوا يشكلون الأغلبية الساحقة من يهود العالم مع نهاية القرن التاسع عشر، وكان النشاط الاستيطاني الأكبر ليهود اليديشية داخل التشكيل الاستيطاني الأنلوساكسوني، فاتجه ملايين اليهود إلى جنوب أفريقيا وكندا ونيوزيلندا وأستراليا وهونج كونج، لكن أغلبيتهم (85%) اتجهت إلى الولايات المتحدة – أهم التجارب الاستيطانية – ثم إلى إسرائيل التي تلي الولايات المتحدة في الأهمية.

والإطار التفسيري السابق يجعلنا نرى مدى ارتباط الجماعات اليهودية في العالم (العالم الغربي بالذات) بالتشكيل الاستعماري الاستيطاني الغربي، ونضع يدنا على الحقائق الأساسية التالية في واقع أعضاء الجماعات اليهودية في العالم:

1- الدياسبورا اليهودية: أي انتشار أعضاء الجماعات اليهودية في أرجاء العالم ليس انتشارًا عشوائيًا، وإنما هو انتشار يصاحب انتشار التشكيل الاستعماري الغربي، وخصوصًا في جانبه الاستيطاني، فهجرة أعضاء الجماعات اليهودية لا تحددها حركيات التاريخ اليهودي أو الطبيعة اليهودية، وإنما تحددها حركيات الاستعمار الغربي، ولا سيما الاستعمار الأنجلوساكسوني.

2- لا تشكل إسرائيل استثناء لهذه القاعدة؛ فهي جزء من نمط ومن حركية غربية هي الإمبريالية الغربية التي جعلت العالم مسرحًا لنشاطها، سواء في أستراليا أم أمريكا اللاتينية أم جنوب أفريقيا أم فلسطين. فالمشروع الصهيوني هو جزء لا يتجزأ من التشكيل الاستعماري الاستيطاني في الغرب، وما كان يمكنه أن يتحقق دون إمكانيات الإمبريالية الغربية ودون طموحاتها أو آلياتها.

واستيطان اليهود في فلسطين هو نقل لفائض بشري غربي إلى بقعة في آسيا أو أفريقيا، حيث يتم تحويل هذا الفائض إلى دول وظيفية استيطانية لخدمة مصالح الغرب لقاء أن يقوم هو على حمايتها. فإسرائيل من هذا المنظور هي إعادة إنتاج لنمط قديم، ووعد بلفور، ثم دعم حكومة الانتداب للمستوطن الصهيوني، ثم دعم الولايات المتحدة لإسرائيل وتوقيع الاتفاق الإستراتيجي معها؛ كل هذا يبين أن الدولة الصهيونية امتداد لارتباط أعضاء الجماعات اليهودية بالاستعمار الاستيطاني الأنجلوساكسوني.

3- بل يمكن القول بأن يهود الشرق والعالم الإسلامي قد تم تحويلهم إلى مادة استيطانية تابعة للتشكيل الاستيطاني الغربي من خلال مدارس الأليانس، والدعاية الصهيونية، وهجرة أعداد ضخمة من اليهود الأشكناز إلى العالم العربي، إذ إن هذه العمليات كلها أفقدتهم مختلف هوياتهم المحلية، وأحلت محلها هوية يهودية عالمية اسمًا، لكنها استيطانية فعلاً، جوهرها فك الصلة بين اليهودي ووطنه، ومن ثم استيعابه في المنظومة الاستيطانية. وفعلاً، حينما أعلن إنشاء إسرائيل، هاجرت الأغلبية الساحقة من يهود البلاد العربية إلى إسرائيل، والباقون جالسون على حقائبهم في انتظار السفر إما إلى الولايات المتحدة وإما إلى إسرائيل. والله أعلم.

 

إقرأ في نفس الزاوية:

يبيعون الأوطان..بالشهرة والدولارات!

يا أم البتول

 

 

ثقافة وفن

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

أدلة وخدمات

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع