بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

"ابنـة الحـظ"..اللندي تأخذ القراء للبحث عن الذهب

لندن/ ليليان داود


ابنـة الحـظ رواية إيزابيل اللندي الجديدة .. عالم يَعُجُّ بالحكايات التي تستحق أن نعيشها تأخذ اللندي قراءها إلى عوالم مختلفة في أزمنة التكوين الأولى لمجتمعات جديدة بكل ما فيها من مفارقات وتناقضات ترافق طور الولادة وبداية الحياة والموت والخروج من الحياة بكل الانكسارات والانتصارات الوهمية أمام اللحظة الحقيقية، حين يعي الإنسان موته وهو يبحث عن الذهب.

تنتقل الكاتبة من تشيلي إلى أرض الثروات الدفينة كاليفورنيا في أواخر القرن التاسع عشر؛ لتدخل عالمًا من الأحداث التي حفل فيها تاريخ تلك المنطقة، خاصة بعد وصول أخبار حمَّى الذهب التي جذبت الناس من كافة أصقاع الأرض، نهمة وجشعة يحملها هاجس الاغتناء واللحاق بركاب الملاك والأرستقراطيين. وعلى الطريق الموازي لاكتشاف الذهب والبحث عن الثروات المادية، تروي الكاتبة قصة الطفلة المجهولة النسب، التي جاءت إلى هذه الدنيا في صندوق للصابون مرمي أمام باب بيت أسرة إنكليزية أرستقراطية هاجرت إلى تشيلي، وتروي قصة استكشافها لطرق الحياة الوعرة التي أوصلتها للحرية.

في القسم الأول للرواية تتهادى الأحداث على إيقاع هادئ وبطيء تستفيض فيه وتتروى الكاتبة في التعريف بشخوصها وعالمهم، رغباتهم، آلامهم المكبوتة وشبكة الأسرار التي تحيط بالشخصيات الأساسية، "عائلة سوميرز"، العائلة التي تدعي انتماءها إلى الطبقة البرجوازية فقط لكونها في تشيلي، بلد معظمه من الفقراء، وحيث تستطيع أن تخفي فيه أصلها المتواضع وفضائحها التي لحقت بها من جراء طيش الابنة الوحيدة، وتحقق عائلة "سوميرز" توازنها في حياتها من خلال الشرنقة التي يتغلف بها كل فرد، وينغلق عن الآخر كي لا يحدث الالتقاء المباشر مع الآخرين خللاً في هذا التوازن الزائف الذي لا يلبث أن ينهار حينما يرفع النقاب عن الحقائق. في ظل هذه العائلة نشأت الابنة اللقيطة في دلال ورفاهة تارة، وفقر وإذلال تارة أخرى، على قواعد صارمة في آداب المعاملة والمجاملة وإتقان دور المرأة التي يجب أن تحظى بإعجاب وتقدير الجميع.

لكن الكاتبة تلغي هذا الدور وتجعله في حياة البطلة، حياة مجردة من الانتماء الجنسي الذي يفرض على المرء سلوكًا معينًا يتماشى مع طبيعة جنسه بما هو محدد ومقبول اجتماعيًّا. وتصبح بذلك البطلة رجلاً بالزي والمظهر في البداية، وفي الموقف والتفكير لاحقًا حسب مقتضيات ومصادفات العيش وسط بيئة وعرة، حتى تصل في نهاية المطاف إلى التشكيك بهويتها الجنسية حيث يلتبس عليها الأمر هي نفسها "بتُّ لا أعرف إذا كنت رجلا يمثل دور امرأة أم امرأة بثياب رجل"، وكأن الكاتبة تحاول أن تبين هذا الالتباس الوظيفي في دور الرجل أو المرأة إنما مردُّه إلى أن هذا الاختلاف ليس قائمًا بالأساس إلا من خلال ما نتصوره مسبقًا عن دورنا الحياتي دون إفساح المجال أمام التجربة لتشكيل البرهان على المقدرات الإنسانية، فالمسألة عند اللندي ليست مسألة انتماء جنسي بقدر ما تتعلق بخيارات وقدرات فردية تختلف من حيث التصميم والإرادة من إنسان لآخر.

فإذا كانت بطلة ابنة الحظ "إلزا" قد اندفعت في مغامرتها بذلك الطيش الطفولي بغية اللحاق بحبيبها من شيلي إلى كاليفورنيا في رحلة يمشي الموت والخطر جنبًا إلى جنب مع جميع من أقدموا عليها، وخوفًا من افتضاح أمر حملها في مجتمع مخملي هش قد يسبب فيه هذا الخبر صدعًا يكشف تحته الصدأ المتراكم، هذا الحمل الذي كان مقدرًا له أن ينتهي نزيفا في أحشاء السفينة "إميليا". أما "إلزا" فكان مقدرًا لها أن تخرج من هذه المغامرة بوعي لذاتها وقدراتها عبر المرور بتجارب حياتية ومعايشة أحداث تصل عبرها إلى وعيها لحريتها التي تدفع ثمنها تخليها عن الدور الموكل إليها اجتماعيًّا.

هناك في كاليفورنيا حيث الموت لعبة يومية والحياة حرفة الأقوياء، تقضي "إلزا" أيامها محاولة أن تنجو وأن تستمر بكل الأشكال المتاحة لصبي في مثل سنها وقدراته، ذلك أنها لم تفصح عن كونها امرأة كي لا تضطر إلى العمل بالمهنة الوحيدة المتاحة لبنات جلدتها في أرض الرجال تلك، فمرة طاهية وأخرى ممثلة، حتى إنها لم تتوانَ عن التنقيب عن الذهب للتنقيب عن حبيبها الذي تضخمت صورته حتى غدا أسطورة أخذت شكلاً واسمًا، وصفة مختلفة عن هذا الذي عرفته وأحبته، فهو "خواكين مورييتا" ذلك القاتل وقاطع الطرق الذي يسرق ما يعتبره حقًّا للمكسيكيين. وتدرك إلزا في النهاية أن البحث عن هذا الحبيب قد غدا عادة فقدت معناها والهدف منها لم يَعُد مجرد إيجاد هذا الرجل، بل أخذ بُعدًا آخر هو البحث والتعرف على الذات.

تتكشف لعيني تلك الطفلة أشكالاً من الجشع الإنساني والأنانية والكره، عندما يتحول الإنسان إلى مجرد سلعة تقايض وتستهلك وترمى على قارعة الطرق، وتقسيم تلك السلع البشرية إلى مستويات حسب انتماءاتهم العرقية. ومن خلال صديقها الطبيب الصيني الذي تصبح بعلاقتها معه قادرة على استيعاب اختلاف الناس من حولها ومعنى الانتماء إلى هذه الثقافة أو تلك، وتصبح قادرة على أن تساهم في الحد من استغلال الفتيات الصينيات اللواتي يستقدمن من بلادهن كي يعملن في بيوت البغاء حتى يمتن من الأمراض.

شخصيات الرواية لا تدور في فلك الشخصية الرئيسية كما اعتدنا في الروايات التي تحكي سيرة فرد ما، بل يَعُجُّ عالم اللندي بالشخصيات الحميمة التي تعيش كل منها حياة خاصة من الأحلام والأهداف، وبتتبع التطور الدرامي لكل دور وشخصية، نجد أن الرواية تحوي نماذج متعددة، ولو قمنا بتقسيم الرواية إلى شخصيات لشكلت كل شخصية رواية مستقلة، لكن اللندي تنجح في إيجاد تقاطعات تجمعها في عقدة واحدة دون الاعتماد على المصادفة التي غالبًا ما تضعف الأسلوب الروائي.

ولا تكتفي اللندي فقط بالتركيز على حياة شخصياتها وفصولها، بل أيضًا تغوص في كيفية نشوء المجتمعات الجديدة وتركيبتها التي تقضي بالسلطة للأقوى والأبقى. والأقوى في هذه الحالة من يمتلك أكثر ومن كانت لديه المقدرة على حماية ما حصل عليه، في ظل هذا الوضع تشكل كل إثنية عصابات الحماية الخاصة بها، كما تشكل منطقتها التي تفوح برائحة أطعمتها وجلود أبنائها.

وتروي الكاتبة الويلات التي جرَّتها حمَّى الذهب على كل من مسته ودفعته إلى ترك كل شيء والمضي في سبيل تحقيق هذا الجنون المستحيل، وكيف تبخر الحلم في امتلاك الثروة؛ لأنه وبكل بساطة صارت تكاليف الحياة في تلك الغابة البشرية تكلف المرء كل ما حصل عليه من ذهب لقاء وجبة واحدة.

وهكذا برزت طبقات وانمحت أخرى، وتشكلت إقطاعيات لملاكي الأراضي الذين حصلوا على الأرض بفعل القوة واستخدموا السكان الأصليين عمالاً لديهم مقابل الحفاظ على حياتهم ليس أكثر. وتروي اللندي أيضًا الأثر الكبير الذي تركه الاستغلال العشوائي على تلك الأرض العذراء وحوَّلها خرابًا، الأمر الذي أدى إلى نفاد ثروة من التبر كانت تكفي لعشرات السنين من التنقيب اضمحلت في غضون سنتين.

ومن خلال لفتة مميزة تطرقت الكاتبة إلى دور الدِّين في تشكل هذه المجتمعات وكيف تأخذ المعتقدات الدينية والروحية محلها عبر الدعوات التبشيرية في المجتمعات الحديثة النشوء، فغنيمة الذهب لا تقل أهمية بالنسبة للمبشرين من غنيمة استقطاب الأتقياء والمنضوين تحت لواء الدين المنادى به. ونرى كذلك كيف يصبح الدين في هذا المجتمع المبرر الوحيد للإبقاء على حياة البعض، حيث تضطر مجموعة من البشر إلى اعتناق ديانة ما للحفاظ على أرواحها في ظل جماعة الدين الجديد، كما وتبرز الدور الكبير الذي تلعبه الويلات والحروب والضعف الإنساني في انتشار دين معين.

كل ذلك نراه من خلال عيني إلزا التي يتكشف العالم لناظريها دون أقنعة تجمِّله وتخفف من بشاعة واقعيته، وتكسبها تجربة السنتين صلابة وقدرة على تحديد مصيرها، مما يدفعها في النهاية إلى القرار في مواجهة عائلتها بعد أن تحدَّت مصيرها ورسمت حياتها وحريتها بالتجربة كما أرادت. قد يخلص القارئ إلى نتيجة توصله إليها اللندي بأسلوبها الساحر "بأنه لا يوجد مكان في العالم يستحق أن نقضي حياتنا فيه، إنما توجد حياة تستحق أن نعيشها".   

 

 

اقرأ في نفس الزاوية:

- البشارة 

- الجزائر تصالح الكتاب.. لتخاصم العنف 

 

 

ثقافة وفن

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع