|
|||||||||||||||||||||||
|
|||||||||||||||||||||||
|
|||||||||||||||||||||||
|
|
|||||||||||||||||||||||
|
الحب..
ذلك المظلوم أحمد
زين
وإذا
كان البعض ينفر منها الآن.. ويرد ذلك! إلى
أسباب قيمية وأخلاقية.. وحينما يسمعها يشمئز
سمعه منها، فإن ذلك لا يرجع للحب في ذاته،
ولكن يرجع إلى ممارسات الناس حول هذا المعنى
الجميل، هذه الممارسات التي أثقلته بذنوب لا
يتحملها، وأوزار هو منها براء.. إن
الثقافة الإسلامية الأصيلة تعاملت مع الحب
تعاملاً راقيًا فما كانت أبدًا لتقهره في
القلوب بما يولد الكبت الذي يؤدي حتمًا إلى
الانفجار، لكنها عرفت حقه الطبيعي في التنفيس
ورغبته الأكيدة في التعبير عن نفسه، فتلكم
العاطفة الجياشة التي تقع في قلوب أصحابها إن
لم يحدد لها أطرًا إبداعية وفنية تعبر فيها عن
نفسها، لخرجت إعصارًا مدمرًا في اتجاهات
سلبية تمامًا تهدم المجتمع ولا تبنيه. وكان
المبدع حرًّا دائمًا في التعبير عن عواطفه
وعواطف الآخرين، وما قرأنا عن أحد الفقهاء
حارب الشعر العاطفي ولا سمعنا عن أحد الوعاظ
هاجم مبدعًا يتفنن في الحب والغزل؛ لأنهم
وضعوا هذا الأمر في مكانه الطبيعي كفن
وإبداع، وخيال رقيق لا ينبغي أن يطبقوا عليه
معايير الواقع. إن
البعض حين يلغي الحب من قاموس الفن المنضبط
والإبداع السامي، فإنه يقع في خطأ كبير يتمثل
في أنه يأخذ من الواقع القيمي الأخلاقي
معاييره التي ترفض - ونحن معها بالطبع - أي
علاقة غير منضبطة تتناول الحب والعشق والغرام
والقرب والوصال... ثم يطبق ذات المعايير على
الفن والشعر والخيال وهذا أمر غير مقبول
تمامًا. وهو
يشابه من يحكم على لوحة فنية بأنها فاشلة
لمجرد أن فيها طفلاً يحلق في السماء بجناحين،
وذلك بدعوى أن هذا خطر على الطفل، حيث يُحتمل
أن يسقط ويصاب، ولا
أدري حقيقة من أين أبدأ فالشواهد أكثر من أن
تُحصى.. ولنبدأ مع الرسول صلى الله عليه وسلم
حين لم يجد أي غضاضة في أن يسمع من "كعب بن
زهير" الشاعر المخضرم قصيدة في طلب العفو
من الرسول صلى الله عليه وسلم وتحوي في مطلعها
غزلاً يقول: "بانت
سعاد فقلبي اليوم متبول" بل
إن الرسول صلى الله عليه وسلم يذهب أرحب من
ذلك حين يعفو عنه ويخلع عليه بردته الشريفة!! فرسولنا
صلى الله عليه وسلم أراد أن يعلمنا أن العاطفة
الإنسانية في الحب عاطفة لا ينبغي أن نخجل
منها، بل إن توسعة مجال لها في حياتنا العامة
ومنتدياتنا الاجتماعية لا يضطرها أن تلجأ إلى
السراديب المظلمة والأنفاق المعتمة.. وأشهر
من تناول العاطفة الرقيقة في شعره هو عمر بن
أبي ربيعة الذي قال في محبوبته (نعم):
وهو
الشاعر الذي قصر كل شعره على الحب والغزل
والعشق والهوى.. يقول عنه العقاد.. "إنه تخيل
فأصاب التخيل، ونزع منزع القصاصين كثيرًا،
وأضاف من عنده ما لم يرد على لسان صاحبة له ولا
صاحب ممن أسند إليهم الكلام والحوار". ويقول
عنه صاحب الأغاني.. كان
عفيفًا يصف ولا يقصف، يحوم ولا يَرِد فعمرو
وغيره من شعراء الغزل لم يبدعوا في فتيات
حقيقيات يصفونهن ويعرضن مفاتنهن، ولكن كانت
الفتيات أقرب إلى بطلات الرواية والمسرح.. وليس
أدل على ذلك من أنه لما مرض عمرو جزع عليه أخوه
الحارث فقال له عمر: -
أحسبك إنما تجزع لما تظنه بي، والله إني ما
أعلم أني ركبت فاحشة قط، ولا كشفت ثوبًا عن
حرام، فقال الحارث: -
ما كنت أشفق عليك إلا من هذا، وقد سليت عني… هو
إنما أبدع في الحب باعتباره فنًّا فحسب وليس
إثارة لغرائز أو جمعًا لشمل الغواة وأمل
الفجور.. وإنما كان فنانًا يحلق بمخيلته في
فضاء الإبداع وقمم المعاني الفنية الشاهقة. وهكذا
فهم عبد الله بن عباس رضى الله عنه أنه فن
وتخيل، ليس له من الواقع إلا العاطفة البريئة
والإحساس البكر.. وبينما
عبد الله بن عباس رضي الله عنه في المسجد
الحرام وعنده نافع بن الأزرق وبعض الخوارج
يسألونه في أمور الدين؛ إذ أقبل عمر بن أبي
ربيعة فقال: له: يا أبا الخطاب أنشدني بعض شعرك
في الغزل، فأنشده رائيته المشهورة حتى أتى
على آخرها ثمانين بيتًا.. فأعجب بها ابن عباس
رضي الله عنه وقال: يا ابن أخي، أنت شاعر، فقل
ما شئت.. فأقبل
عليه نافع فقال: لله أنت يا ابن العباس أنضرب
إليك أكباد الإبل من أقاصي البلاد، نسألك عن
الحلال والحرام من أمور الدين فتعرض عنا،
ويأتيك غلام من نفر في قريش ثم ينشدك سفهًا
فتسمعه، فقال ابن عباس: تالله ما سمعت سفهًا،
ووالله لو شئت أن أنشدك القصيدة كلها لأنشدتك. وهذا
هو "جميل بثينة" الشاعر العذري النبيل،
الذي أحب بثينة حبًّا أسطوريًّا، رغم أنه لم
يقابلها إلا مرات قلائل!! وملأ الدنيا شعرًا
في حبها، فهو حين يأتي للواقع الحسي، يترك كل
عواطفه جانبًا ويلتزم الحق متجنبًا الحرام
والزلل. أرسل
إليها يقول: أرأيت ودي إياك وشغفي بك ألا
تجزيني بما يكون بين المحبين؟ فغضبت وأرسلت:
والله لقد كنت أظنك بعيدًا من هذا، ولئن عاودت
تعريضًا بريبة لأرينك.. فأجابها:
والله ما قلت إلا لأعلم باطنك، ولو علمت أنك
تجيبني لعلمت أنك تجيبين غيري، ولو رأيت منك
مساعدة لهجرتك هجرة الأبد.. أما سمعت قولي:
وأوضح
النماذج على أن الثقافة الإسلامية تعاملت
برقي وسمو مع عاطفة الحب أنها كانت مختلفة،
حيث لم تقع فيما وقعت فيه الثقافة الغربية
الحديثة من تهالك على الجسد وعشق للمادة،
وإنما تعدت ذلك لحب الروح ورفع القيمة
المطلقة للجمال. فليس
المهم هو الاغتراف من اللذات، ولكن الاستمتاع
بهذه العاطفة النبيلة وتلمس سبلها، فروي أنه
لما سخر البعض من "بشار" على أنه يصف "بطلات"
شعره وهو أعمى. أجابهم:
بل
إن من الفقهاء والمفكرين الإسلاميين من عبَّر
في إبداعاته عن الحب، فهذا هو النظَّام
المعتزلي الذي هو أحد أعلام التفكير العقلي
في الإسلام، وأحد رجالات المعتزلة الرواد
يقول شعرًا غاية في العذوبة والرقة:
وله
نماذج عديدة، في غاية الإبداع، وهذا رفيقه
الصاحب بن عباد الذي وصفه د. عبد الحكيم بلبع
في كتابه أدب المعتزلة "أنه كان درع
المعتزلة في القرن الرابع"، هذا المفكر
الأديب يقول:
ولم
تمنع المناظرات والندوات والسجالات الفكرية
"للنظام" أن يصف العشق بكلمات يذوب لها
الفؤاد، يقول فيها: "العشق
أرق من السراب، وألذ من الشراب وهو من طينة
عطرة عجنت في إناء الجلالة، له سحابة غزيرة
تهمي على القلوب فتشب شغفًا وتثمر كلفًا،
وصديق دائم اللوعة ضيق المتنفس؛ إذ أجنَّه
الليل أرق، وإذا أوضحه النهار قلق، صومه
البلوى وإفطاره الشكوى". والموقف
الذي يذهل في هذا السياق هو موقف الرشيد ذلك
الخليفة العادل الذي كان يصلي لله مائة ركعة
في اليوم، وكان يحج عامًا ويغزو عامًا لم
تمنعه صلاته ولا حجه ولا جهاده من تذوق الشعر
العاطفي ومن تلمس ما في صدور الشعراء، بل حثهم
على الإبداع في ذلك المجال. غضب
الرشيد على جارية له فحلف ألا يدخل عليها
أيامًا فقال:
وقال
لوزيره اطلب من يَزيد على هذين البيتين، فقال
جعفر بن يحيى ليس إلا أبو العتاهية (وهو شاعر
الزهد والرقائق!!) فبعث فأجاب:
وما
خشي من أعدائه الفكريين أن ينهالوا عليه
لومًا وتقريعًا على ميله نحو الأدب العاطفي!!
لسبب بسيط أنه لم يكن جرمًا أبدًا أن يعبِّر
الفنان عن حبه ومكنونات صدره. وأحب
أن أشير إلى ما انتهى إليه د. جودة أمين في
كتابه "آداب الأمويين": إن
الغزل أضحى فنًّا مشروعًا في المجتمع
الإسلامي، يقبله الصحابة رضوان الله عليهم
والتابعون والفقهاء، بل ربما عيب على الرجل
كما يقول العقاد "في كتابه شاعر الغزل": أن
يتجافى عنه ويتوقر، فما من عالم ولا فقيه بلغت
إلينا أخباره، إلا كان له من رواية الغزل
والاستمتاع إليه نصيب موفور".
اقرأ
حول الإسلام والإبداع والحرية: -
"بنت قنا" .. يعشقها القرضاوي -
المؤلف ونصه: هل مات المؤلف حقا! - للحرية أنياب ورقيب منع الكتب. وقانون للمجون في الغرب - الإبداع خلاصة فكر.. لا تنتهي عجائبه
اقرأ في نفس الزاوية:
|
|
||||||
|
||||||
|
||||||