بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

في التحيز والنماذج المعرفية:

قلعة "ماسادا"... شاهد على إبادة اليهود حامية رومانية

د. عبد الوهاب المسيري


مع ظهور الفكر القومي العربي، بدأ الحديث يتزايد عن الهوية والخصوصية الحضارية وضرورة الحفاظ عليهما، وأصبح هناك إحساس غامر لدى الكثيرين بأن هوية الأمة – قومية كانت أم دينية - مهددة بسبب تبنيها لنماذج ورؤى الآخر، دون إدراك عميق أحيانًا للتضمينات المعرفية لهذه النماذج.

وبدأ كثير من العلماء العرب يشعرون بأن المناهج التي يتم استخدامها في الوقت الحاضر في العلوم العربية الإنسانية ليست محايدة تمامًا، بل ويرون أنها تعبر عن مجموعة من التحيزات الكامنة المستترة في النماذج المعرفية والوسائل والمناهج البحثية التي توجه الباحث دون أن يشعر بها، وإن شعر بها وجدها لصيقة بالمنهج لدرجة يصعب معها التخلص منها. هذه التحيزات هي التي تحدد مجال الرؤية ومسار البحث، بل وتقرر كثيرًا من النتائج.

* لنضرب المثال البسيط التالي: هبَّت عاصفة ثلجية على إحدى قبائل الإسكيمو فتفرق شملها بضع ساعات. وحينما تجمع أعضاء القبيلة مرة أخرى وجدوا أن امرأة من القبيلة قد اختفت، فبحثوا عنها دون جدوى، فحملوا أمتعتهم واستمروا في التنقل من مكان إلى آخر. وبعد عام عثروا عليها وحيدة تنسج لنفسها ثوبًا. ورغم أنها كانت تعيش تحت ظروف مادية قاهرة، فإنها لم تهمل زخرفة ثوبها بالنقوش المعروفة لديهم، أي أن هذه السيدة "البدائية" توصلت (وبشكل فطري) إلى أن الجمال مكون أساسي وضروري للوجود الإنساني، وإلا لماذا أضافت الزخارف إن كانت تبحث عن الدفء والبقاء المادي وحسب؟ ولعله لو نظر إليها أحد العلماء الذين تبنوا المفهوم المادي للتقدم بكل تحيزاته، لما رصد الزخارف أبدًا، ولعله لو رصدها لاعتبرها شكلاً من أشكال "التخلف"، فقد أضاعت هذه المرأة وقتها فيما لا يفيد.

* ولنضرب الآن مثلاً آخر: من أكثر المفاهيم تحيزًا مفهوم "التاريخ اليهودي" الذي يفترض وحدة اليهود وتجانسهم، وأن ثمَّة تاريخًا واحدًا ومصيرًا واحدًا لهم وأنهم يعيشون داخل دينامية مستقلة خاصة بهم، منعزلة عن ديناميات المجتمعات التي يعيشون بين ظهرانيها بشكل أو بآخر؛ ولذا إذا أخذنا بهذا المفهوم وبدأنا نرصد سلوك أعضاء الجماعات اليهودية فإننا سنركز على عناصر التجانس ونهمل أو نهمش العناصر التي تميز جماعة يهودية عن أخرى، ومن ثَم إذا درس باحث ما كلاًّ من يهود الفلاشاه ويهود الولايات المتحدة منطلقًا من مفهوم التاريخ اليهودي الواحد فهو سيبحث عن تلك العناصر المشتركة بين الجماعتين، ولا بد أن تكون هناك مثل هذه العناصر مثل أن كتابهم المقدس هو التوراة، وأنهم يعيشون أقلية. ولكن ثمَّة عناصر أخرى في تصوري أكثر أهمية وأكثر تفسيرية، مثل أن يهود الفلاشاه لا يعرفون العبرية ويتحدثون بالأمهرية ويتعبدون بالجعيزية، لغة الكنيسة القبطية الإثيوبية المقدسة. أما يهود الولايات المتحدة فتتعبد قلة منهم بالعبرية والغالبية تتعبد بالإنجليزية، وهم يتحدثون بالإنجليزية، إلا أقلية صغيرة، فلا تزال تتحدث باليديشية. وبينما يؤمن يهود الولايات المتحدة الأرثوذكس بالتوراة والتلمود (أساس اليهودية الحاخامية، التي تسمى أيضًا اليهودية التلمودية)، فإن يهود الفلاشاه لا يعرفون التلمود أساسًا. كما أن كتابهم المقدس يحتوي على أجزاء من العهد الجديد.

كما أن هذا الباحث الذي ينطلق من مفهوم التاريخ اليهودي الواحد سيهمل الاختلاف في التراث الحضاري بين الجماعتين والاختلاف في الملبس والمأكل والسلوك، وكل هذا لأن نموذجه التحليلي قد حدد له الرؤية.

* وقل نفس الشيء عن النموذج الذي يشيعه الصهاينة وهو أن اليهود كانوا يعيشون في وطنهم القومي، فلسطين أو يهودًا... إلخ، ثم جاء القائد الروماني تيتوس فحاصر القدس وهزم اليهود وهدم الهيكل، وبعدها بدأ نفي اليهود وتشتتهم. هذا هو النموذج السائد، وهذه هي الرواية الصهيونية السائدة، التي يقبلها الجميع تقريبًا، والذي يوجه أنظارنا إلى مجموعة من المعلومات ويستبعد غيرها. ولكن تغيير النموذج يؤدي إلى اكتشاف عدد كبير جديد من المعلومات. وقد بدأ الشك في هذا النموذج يتسلل إلى نفسي حينما لاحظت أن الغالبية الساحقة ليهود العالم لم تهاجر إلى "وطنها القومي" المزعوم، فعدت إلى التاريخ لأختبر مدى مصداقية النموذج الصهيوني ومدى مقدرته التفسيرية. "فاكتشفت" أنه قبل هدم الهيكل كان عدد اليهود الموجودين خارج فلسطين يفوق عدد اليهود داخلها بعدة أضعاف، فاليهود لم "ينفوا" ولم "يشتتوا" قسرًا وإنما "انتشروا" وحسب، شأنهم في هذا شأن كثير من الجماعات البشرية الأخرى‍.

أما بخصوص تيتوس فلاحظت أن الحرب التي خاضها لم تكن حربًا للرومان ضد اليهود، وإنما حربًا للرومان ضد فريق من اليهود؛ إذ إنه كان يقف إلى جواره ـ وإلى جوار تيتوس والجيش الروماني المحاصر للقدس ـ جيش يهودي بقيادة "ملك اليهود" أجريبا الثاني، أما في سريره فكانت تنام عشيقته برنيكي، أخت أجريبا، وكان ينوي الزواج منها (لولا اعتراض الأرستقراطية الرومانية).

بل ويمكن القول بأن المستهدف من الحملات الرومانية لم يكن اليهود وإنما يهودا (كما كانت تسمى إحدى مناطق فلسطين آنذاك)؛ ولذا نجد أن فسبسيان وابنه تيتوس من بعده رفضا لقب "جودايكوس Judaicus" أي "هازم اليهود" مثلما تلقب فسبسيان بلقب "جيرمانيكوس Germanicus " أي "هازم الألمان"؛ لأن ثمرة الحملة لم تكن هزيمة قوم (إثنوس Ethnos) اليهود وإنما هزيمة يهودا كمنطقة جغرافية؛ ولذا صُكَّت العُمْلات في عهد تيتوس وعليها عبارة "جوديا كابتا judea capta" أي "يهودا التي تم أسرها"، فالذي تمَّ أسره ليس اليهود وإنما المنطقة الجغرافية. وما تم تهدئته هو بعض العناصر المعادية للرومان داخل المجتمع اليهودي في فلسطين وليس اليهود ككل. إن تقويض النموذج السائد ومحاولة نحت نموذج تفسيري جديد، قد أعطى مركزية لبعض المعلومات التي آثر الصهاينة إما إخفاءها أو تجاهلها تمامًا، وقوَّض من صلابة بعض المعلومات "الصلبة" الأخرى.

* ولنضرب مثلاً رابعًا لا يختلف عن سابقه وإن كان أكثر درامية: يُروِّج الصهاينة لأسطورة ماسادا. وهي آخر قلعة يهودية سقطت في أيدي الرومان أثناء التمرد اليهودي الأول (66 - 70 ميلادية) ضد الإمبراطورية الرومانية. وتذهب الرواية الصهيونية إلى أن الرومان حاصروا القلعة لمدة ثلاثة وسبعين أسبوعًا، ولكنّ المحاصرين اليهود آثروا الانتحار على الاستسلام. ويوزع الصهاينة صورًا للقلعة، ويوجد متحف توجد فيه بعض الآثار اليهودية، وكل هذا يبين أن ماسادا "حقيقة تاريخية" ملموسة. وحينما يدرس الموضوع فإن الباحث الذي يهيمن عليه هذا التصور لواقعة ماسادا يراكم الحقائق في إطاره.

ولكن هناك من الحقائق الأخرى ما يمكنها أن تغير تمامًا من مضمون الواقعة. القلعة القائمة، نعم، وثمَّة بقايا أثرية يهودية، نعم. ولكن كتب التاريخ الصهيونية حجبت كثيرًا من العناصر التاريخية لتفرض على ماسادا معنى صهيونيًّا بحيث تصبح ماسادا رمزًا لوحدة الشعب اليهودي ولرفضه التام للاستسلام للأغيار، فمثلاً لا تذكر المصادر الصهيونية شيئًا عن الحرب الطبقية التي دارت رحاها بين فقراء اليهود وأثريائهم، أو أنه - قبل حادثة ماسادا - تم ذبح ما لا يقل عن اثني عشر ألف يهودي على يد إخوانهم من اليهود الفقراء.

كما لا تذكر قادة التمرد الذين استسلموا وسيقوا إلى روما حيث أعدموا. وهي لا تذكر كذلك شيئًا عن القلاع اليهودية الأخرى، مثل هيروديوم وماكايروس، التي آثرت الاستسلام والبقاء على الانتحار والموت عام 70 ميلادية، لعلمها أن الرومان لن يبيدوا من فيها؛ لأنهم لم يرتكبوا جريمة الإبادة ضد الحاميات الرومانية التي استسلمت لهم، هذا على عكس ما كان عليه سكان ماسادا الذين كانوا يعرفون أن مصيرهم هو الموت بسبب إبادتهم الحامية الرومانية التي استسلمت لهم. وكانت قلعة ماكايروس أقوى وأهم حصن بعد القدس؛ ولذا لم يكترث الرومان كثيرًا بماسادا وتركوها حتى انتهوا من جيوب التمرد الأخرى وهاجموها وقضوا عليها عام 73 ميلادية. وإذا كان لا بد من اختيار رمز ما يعبر عن الواقع اليهودي إبان التمرد اليهودي الأول ضد الرومان، فإن قلعة ماكايروس، التي استسلم سكانها، أصلح لذلك من ماسادا.

وأسطورة ماسادا تحجب عناصر أخرى كثيرة، فمن المعروف أن العقيدة اليهودية تحرِّم الانتحار، فهل المنتحرون يعبرون عن هوية يهودية أم انحراف عنها؟ من المعروف كذلك أن العاملين بالتجارة لا يتسمون بالفروسية فهم قادرون على التكيف وعلى التفاوض والمساومة. ومن المعروف أن كثيرًا من الجماعات اليهودية في العالم تعمل بالتجارة. وقد لاحظ دوركهايم في دراسته عن الانتحار أن نسبة الانتحار بين الجماعة اليهودية في فرنسا أقل النسب بالمقارنة للجماعات الإنسانية الأخرى.

بل إن هناك من علماء الآثار اليهود وغير اليهود الذين يؤكدون أن قصة ماسادا قصة خرافية وأسطورة ملفقة؛ إذ لا يمكن البرهنة تاريخيًّا على سلامة الاكتشافات الأثرية التي تستند إليها هذه القصة. والمصدر الوحيد للقصة هو يوسيفوس، وهو كاتب لا يعتد به كمؤرخ. وحينما نبحث عن بدايات ما يُسمَّى "عقدة ماسادا" (أي رفض الاستسلام وإيثار الانتحار عليه) في سلوك الإسرائيليين فإننا لا نجد له أثرًا، فحينما حوصرت بعض القوات الإسرائيلية في خط بارليف عام 1973م، استسلمت بطريقة عملية ورشيدة للغاية على مسمع ومرأى الصليب الأحمر الدولي والتليفزيون المصري. وفي أحد هذه المواقع، سأل الجنود قيادتهم بتهكم إن كان المطلوب هو القتال حتى الموت لإقامة ماسادا ثانية، فأتاهم الرد بالاستسلام على أن يبتسموا أمام عدسات التليفزيون المصري.

ومع اندلاع الانتفاضة، لم يتحدث الصهاينة عن نهاية الدولة الصهيونية في الإطار الانتحاري، بل تحدثوا عن الطائرة المروحية التي ستأخذ بقية المستوطنين من على سطح السفارة الأمريكية، تمامًا كما حدث في فيتنام. وقد تزايد بشكل ملحوظ عدد الجنود الإسرائيليين الذين ينتحرون في مواجهة الضغوط النفسية وما تشكله محاولة إخماد الانتفاضة من إرهاق. وقد شُكِّلت أكثر من لجنة تحقيق لدراسة هذا الموضوع. وامتدت الظاهرة لتشمل المهاجرين الفلاشاه والسوفييت؛ إذ لوحظ مؤخرًا تزايد معدل الانتحار بينهم بسبب الإحباط الذي يعانونه في الدولة الصهيونية، وفشلهم في تحقيق أحلامهم وآمالهم.

وأخيرًا هناك جنوب لبنان، ويلاحظ أنه في البداية انتحر عدد من الجنود الإسرائيليين، ومن الواضح أنهم قاموا بفعلتهم هذه يأسًا من الحرب وثمنها الفادح؛ إذ لم يكونوا داخل موقع محاصر، وبالتالي فإن انتحارهم لم يكن من أجل الدولة والمثل الصهيونية وإنما كان احتجاجًا عليها. وفي الشهور الأخيرة للاحتلال الإسرائيلي، لم نسمع أن أحدًا منهم قد آثر الانتحار على الانسحاب، بل إنهم كانوا يتعانقون ويهللون فرحًا بالانسحاب. فهل يمكن أن نتحدث عن ماسادا بعد ذلك على أنها رمز حقيقي لما يُسمى "العقلية اليهودية"، أم أنها نموذج إدراكي يحمل تحيزات العدو، روَّجها بيننا حتى لا نرى سوى الحقائق المرتبطة به وننسى ما عداها؟ فيبث العدو في قلوبنا الخوف، ويكسب الحرب دون أن يدخل المعركة!

 

   

اقرأ حول التحيز والنماذج المعرفية:

- البنت ترتدي.. "بلو جينز"!

- السوبر ماركت "يسحر" المهاجرين لأمريكا!

 

 

إقرأ في نفس الزاوية:

- على باب المـدرسـة

- أثرتَ فضولي !..

 

 

ثقافة وفن

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع