|
|||||||||||||||||||||||
|
|||||||||||||||||||||||
|
|||||||||||||||||||||||
|
|
|||||||||||||||||||||||
|
السياحة..
ضد أدب الرحلات! منير
عتيبة
نشط
أدب الرحلات أساساً على أيدي الجغرافيين
والمستكشفين الذين اهتموا بتسجيل كل ما تقع
عليه عيونهم أو يصل إلى آذانهم حتى لو كان
خارج نطاق المعقول، ويدخل في باب الخرافة..
حتى أن الدكتور صلاح الدين الشامي (رئيس قسم
الجغرافيا بجامعة صنعاء) يرى أن: "الرحلة في
البر أو الرحلة في البحر هي العين المبصرة
التي قادت الاجتهاد الجغرافي". وقد
ازدهر أدب الرحلات العربي مع ازدياد الفتوحات
واتساع رقعة الدولة الإسلامية وانتشار الأمن
بين ربوعها.. فعرفنا الرحالة العظام أمثال:
ابن بطوطة وابن جبير والمسعودي والإدريسي
وغيرهم.. أما في الغرب فالعصر الذهبي لأدب
الرحلات كان هو عصر المستكشفين الكبار فاسكو
داجاما وماجلان وكولومبوس.. وبالإضافة
إلى تسجيل رحلات الرحالة، هناك نوع آخر من أدب
الرحلات هو القصص الخيالية الشعبية مثل:
سندباد الذي يُعد رمزاً للرحالة المدمن
للرحلة.. والقصص الأدبية مثل: قصة ابن طفيل عن
"حي بن يقظان".. و"رسالة الغفران"
لأبى العلاء المعرى.. و"روبنسون كروزو"
لدانيل ديفو.. و"رحلات جليفر" لجوناثان
سويفت.. إلخ والملاحم
الشعرية والأدبية الكبرى في تاريخ الإنسانية
تعد كذلك من أدب الرحلات، مثل: ملحمة الأوديسا
الإغريقية.. وملحمة جلجامش البابلية، وملحمة
أبو زيد الهلالي العربية.. وغيرها؛ لأن هذه
الملاحم تنبني في جوهرها على حكاية رحلة يقوم
بها البطل لتحقيق هدف معين، وقد تنبني تلك
الرحلات الأسطورية على بعض الوقائع
التاريخية أو الشخصيات الحقيقية في عصر ما،
ثم يترك الشاعر لخياله العنان؛ ليخلق الملحمة
التي هي خلاصة رؤية المجتمع لقضاياه الكبرى
في مرحلة زمنية معينة. بل
إن أحدث أنواع الأدب ظهوراً وهو أدب الخيال
العلمي يندرج هو الآخر تحت أدب الرحلات؛ لأنه
يقوم في معظمه على فكرة الرحلة عبر الزمان
الماضي والآتى، أو عبر المكان: الفضاء أو
أعماق البحر أو باطن الأرض. وعدد
كبير من الروايات والقصص يمكن أن يندرج بصورة
ما تحت مسمى أدب الرحلات.. فهذا المسمى الواسع
كما نرى قادر على استيعاب أعمال ابن بطوطة
وماركو بولو وتشارلز داروين وأندريه جيد
وأرنست همنجواي ونجيب محفوظ وغيرهم.. رغم
التباين الكبير فيما بينهم؛ لأن الفكرة التي
تجمعهم هي فكرة الرحلة نفسها، الرحلة
الزمانية أو المكانية أو النفسية. ولكن
الملاحظ –كما يرى الدكتور أحمد أبو زيد- أن
أدب الرحلات قد تراجع عما كان عليه في العصور
السابقة وحتى أوائل القرن العشرين، وذلك على
الرغم من أن العصر الحالي يعتبر بحق عصر
الرحلة والسفر؛ نظراً للإمكانيات والتسهيلات
الهائلة التي حدثت بحيث أصبح السفر جزءاً من
الحياة العادية للرجل العادي والسياحة
بمفهومها الحالي أصبحت بعكس ما كانت عليه
الأوضاع في الماضي.. فالرحالة الأوائل كانوا
أدباء ومؤرخين وجغرافيين ومكتشفين؛ لذلك
جاءت كتاباتهم سجلاً وافياٌ ودقيقاً وعميقاً
عن انطباعاتهم عن حياة الشعوب التي زاروها،
ومظاهر سلوكهم وعاداتهم وتقاليدهم ونظمهم
الاجتماعية والسياسية إلخ.. فكتابات هؤلاء
تكشف عن درجة عالية من القدرة على الملاحظة
الدقيقة والتحليل، كما نلاحظ في كتابات ابن
فضلان مثلاً، أو كتاب البيروني "تحقيق ما
للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة"..
وكذلك كتابات الرحالة الأوروبيين في القرنين
السابع عشر والثامن عشر وإن لم تخل كتابات
هؤلاء من تحيز لثقافتهم الأوروبية، فضلاً عن
إغراق بعضها في التخيلات والمبالغات
والأحكام غير الدقيقة والافتراءات.. ولعل
المسئولية الأساسية عن تخلف أدب الرحلات
حالياً ترجع إلى حرمان المسافر من تجربة
الرحلة الحقيقية بكل ما فيها من عمق وإثارة
واكتشاف.. فقد أصبح السفر سهلاً ومتاحاً لكل
الناس.. وفقد المسافر خصوصيته فيما يسمى
بالرحلات الجماعية المنظمة سلفاً.. مما جعل
"السائح" الحديث يحل محل "الرحالة"
القديم.. فالرحالة يعنى التميز والفردية
والأصالة والعمق.. والسائح هو المتابع السطحي
الذي ترك أمور رحلته بيد غيره.. يرى بعيون من
نظم الرحلة.. ويفهم ويصدر الأحكام المتعجلة
النابعة من الآخرين وليس من ذاته.. فهذا
التحول من الرحالة إلى السائح يعد أحد أهم
أسباب تراجع أدب الرحلات حالياً.. يضاف إلى
ذلك تقدم وسائل الاتصال خصوصاً التليفزيون
والإنترنت بحيث يظن مستخدم هذه الوسائل أنه
يعرف كل شيء عن العالم، وأنه زار كل مكان في
العالم وهو جالس في بيته لم يتحرك من مكانه
أمام شاشة التليفزيون أو الكمبيوتر.. مما يفقد
الإنسان بكارة الدهشة واختلاجة القلب
بالمعرفة القائمة على تجربة الاتصال الحي
المباشر والتي كان يشعر بها الرحالة القدامى،
وفقدناها الآن فيما فقدنا من مشاعر وأحاسيس
كجزء من الثمن الباهظ الذي ندفعه من
إنسانيتنا مقابل الرفاهية والحضارة المزعومة.
(1)
مجلة عالم الفكر- المجلد الثالث عشر- العدد
الرابع- 1983
اقرأ
نموذج من أدب الرحلات:
اقرأ في نفس الزاوية: - للحرية أنياب ورقيب منع الكتب..وقانون للمجون في الغرب!
اقرأ
أيضًا: مارك
توين وأدب الصعلكة الأمريكية أيام
قرطاج ..الكتابة للطفل تختلف ! حصاد
الرماد.. قراءة أدبية في أعمال نسائية! فن "اليوميات " انتشر بفضل الحرب
|
| |||||||||||||||||||||||||||||||
|
||||||
|
||||||
|
كلمة الشيخ القرضاوي | شروط الخدمة | حقوق النشر محفوظة @ 1999 - 2008 إسلام أون لاين.نت |
||||||