|
|||||||||||||||||||||||
|
|||||||||||||||||||||||
|
|||||||||||||||||||||||
|
|
|||||||||||||||||||||||
|
هل مات المؤلف حقًّا؟! د. أحمد صبرة - جامعة الإسكندرية
وفي كل
الأحوال هل يرتد النص على نفسه فيظل له عالمه
المغلق أم أن نصيب النص غير الإبداعي في النص
الإبداعي كبير؟ وما وضعية المؤلف داخل عمله؟.
حين نحاول
الإجابة عن هذه الأسئلة المعضلة، فإننا نحصر
أنفسنا – بدعًا – في سؤال واحد يمكن الإجابة
عليه في هذا الحيز الضيق هو السؤال عن وضعية
المؤلف داخل عمله؛ لأن هذا السؤال سؤال مركزي
تتيح الإجابة عنه معرفة كينونة النص، وهل هو
بنية مغلقة على ذاتها، أم هو بنية مفتوحة على
العالم؛ لأن المؤلف – في نهاية الأمر – شخص
حي ينتمي إلى العالم الحقيقي، وليس إلى عالم
النص المتخيل، كما أننا سنحصر أنفسنا في النص
الروائي دون غيره، وغيره هنا قد يكون نصوصًا
لغوية مثل قصائد الشعر، أو غير لغوية مثل
اللوحة بوصفها نصًّا مرئيًّا ساكنًا،
والفيلم بوصفه نصًّا مرئيًّا متحركًا،
والأغنية بوصفها نصًّا مسموعًا، وهكذا. وحصر
الإجابة في حدود الروائي جاء من أن المعارك
التي دارت حول الرواية كانت أكثر صخبًا
وعددًا، على الرغم من أن هناك نصوصًا غير
روائية أثارت ضجة محدودة الأثر، ثم انتهت دون
نتيجة ما، نصوصًا مثل قصيدة عبد المنعم رمضان
"أنت الوشم الباقي" التي نشرت في مجلة
إبداع/ أكتوبر 1992م، وفيلم المهاجر ليوسف
شاهين، وأغنية مارسيل خليفة التي استعار فيها
جزءاً من آيات القرآن الكريم، وقام بتلحينه،
لكن المعارك حول الروايات تظل الأكثر صخبًا.
يقول بعض
النقاد: إن النص بنية مغلقة على ذاتها، عالم
متخيل له قيمه وأفكاره وشخصياته وصراعاته
الخاصة، عالم أبدعه مؤلفه، ثم فقد السيطرة
عليه، فأصبح صوت الشخصية فيه أبرز من صوت
المؤلف الذي أخذ في التواري في الخلفية، وفقد
الكثير من وُثُوقيته، وسيطرته الصارمة على
العالم، كما يقول صبري حافظ (مجلة إبداع عدد 10أكتوبر
1992م الرواية والوقائع ص42)، عالم مات فيه مؤلفه
– في رأي رولاند بارت - وإذن فإن المؤلف ليس
مسئولاً عن هذا العالم المتخيل؛ لأن أفكار
هذا العالم هي أفكار الشخصيات الروائية،
والصراعات هي صراعات روائية على الرغم من أن
اسم المؤلف يوضع في النهاية على غلاف
الرواية، لقد وجدت هذه الفكرة – موت المؤلف –
قبولاً واسعًا في النقد الروائي الحديث؛
لأنها جاءت كرد فعل متطرف لفكرة مضادة هي
الوجود المسيطر للمؤلف في كل أجزاء العالم
الروائي بحيث تنسب إلى المؤلف في النهاية كل
الأفكار الواردة فيها، وإذا جاء السرد في
الرواية بضمير المتكلم، فإن الموقف يزداد
التباسًا وتشابكًا بين السارد والمؤلف؛ لذلك
عُنِي الناقد الروائي الحديث بفض الاشتباك
بينهما، وتحديد وضعية السارد في النص
الروائي، وتجلية الأشكال التي يمكن له الظهور
فيها، والتأكيد على الفصل التام بين السارد
والمؤلف، فالسارد ليس هو المؤلف وإن كان
يتحدث باسمه، والمؤلف ليس موجودًا داخل النص
وإن ظهر باسمه، والرواية في نهاية الأمر نص
مغلق على نفسه لا يمكن محاسبته، نص لا أب له
ولا أم، أو هو نص ذو آباء كثيرين، يمكن أن يكون
القارئ نفسه واحدًا من هؤلاء الآباء، وهناك
بعض الاتجاهات تنسب النص إلى القارئ، وترى في
الوقت نفسه أن النص الواحد هو عدة نصوص بحسب
استجابة القارئ له، أي أن كل قارئ ينتج نصًّا
خاصًّا به من النص الأصلي.
والفكرة مع
جوانبها الإيجابية، وتأثيرها القوي على مسار
النقد الروائي الحديث فيها جوانب ضعف لمسها
كثير ممن اشتغلوا بالنقد الروائي التطبيقي،
إن المؤلف له حضور ما داخل النص، حضور مراوغ
قادر على الإفلات أحيانًا من يد القارئ، لكن
يمكن الإمساك به أحيانًا أخرى.
يمكن
الإمساك بالمؤلف أولاً في مقاصد الرواية
العليا، فالرواية لا تكتب لأن مؤلفها لم يجد
شيئًا آخر يفعله، بل هناك دائمًا مقاصد عليا
تدفع المؤلف إلى تكوين هذا العالم المتخيل
بشخوصه وصراعاته، قيمة أو فكرة أو رأي يبثه
المؤلف في ثنايا الرواية، وتمثل هذه القيمة
الانطباع العام الذي يخرج به القارئ من
الرواية، أحيانًا تغفر هذه القيمة بعض الخروج
عن الآداب العامة داخل النص، مثلما نجد في
رواية "الخبز الحافي" لمحمد شكري التي
امتلأت بمشاهد الجنس، لكنها مع ذلك تميزت في
رأي البعض بحس أخلاقي عال، وإدانة صريحة في
صفحاتها لما يحدث، ولعل السطور الأخيرة في
الرواية تبين ما أقصد إليه، لقد وقف السارد
على قبر أخيه الذي مات صغيرًا، وقف على هذا
القبر بعد حياة حافلة مليئة بكل ما هو موبق،
وقال هذه السطور الأخيرة التي ختم بها روايته
"أخي صار ملاكًا وأنا سأكون شيطانًا هذا لا
ريب فيه، إن الصغار إذا ماتوا يصيرون ملائكة
والكبار شياطين، لقد فاتني أن أكون ملاكًا".
ويمكن
الإمساك بالمؤلف ثانيًا في التعليق، إن تقنية
التعليق شديدة الأهمية في بعض الروايات إلى
درجة أن بعض الروايات معركتها الأساسية لا
تظهر إلا في التعليق، فالتعليق هو الذي يوجه
الصراع والشخصيات، ويحشد لغة الرواية
بمفردات قد لا يكون لها تأثير ما على الطريقة
التي يستجيب بها القارئ للنص، وهي تقنية
معقدة تظهر بذاتها أحيانًا: أي أن يتم التعليق
بشكل مباشر، وتظهر مستترة من خلال الشخصيات
والمونولوج الداخلي وأساليب السرد والوصف
وسائر تقنيات الرواية الأخرى التي يمكن
للتعليق أن يستتر وراءها ليحدث أثره، وهو في
نهاية الأمر صوت المؤلف الخلص، ويجب أن نوضح
هنا أن التعليق ليس هو الآراء التي تبديها
الشخصيات داخل الرواية، أو آراء السارد
الخاصة، بل هو الوسيلة التي يلجأ إليها
المؤلف ليلملم أشتات الرواية ويوجهها إلى حيث
يريد. ويمكن الإمساك بالمؤلف ثالثًا في شخصياته، فالتجربة الروائية تجربة خيالية في المقام الأول حوادثها ليست حقيقية، وأبطالها ليسوا بشرًا عاديين، بل هم تكوينات نفسية واختيارات صاغها المؤلف، وعلى الرغم من محاولات المؤلف – أي مؤلف - أَنْسنة عمله، فإن هذا العمل يظل موهمًا بالواقع، ولا يكون هو نفسه واقعًا أبدًا، حتى إن ظهرت بعض شخصيات الرواية بأسمائها الحقيقية، أو عرض المؤلف لبعض الحوادث الحقيقية مثلما نجد في رواية "الحب في المنفى" لبهاء طاهر، يظل هذا التكوين الحي بشخوصه وحوادثه خيالاً، ومن ثم فأية إشارة إلى تطابق إحدى شخصيات الرواية مع الواقع، أو أن البطل في الرواية هو المؤلف نفسه نوع من العبث النقدي، حتى إن كان البطل هو المتكلم في الرواية. لكن هذا لا يصدق في مجال القيم والمعتقدات المعروضة في الرواية، إننا لا يمكن أن نقول إن القيم هنا خيالية لا علاقة لها بالواقع، أو إن معتقدات إحدى الشخصيات لا نجد لها نظيرًا في المجتمع أو إن أحاسيس فلان في الرواية ليست بشرية إلا على سبيل المجاز.
الموقف إذن
مشتبك، فعلى حين أن إبطال الرواية من الخيال،
فإن قيمهم من الواقع. هذا الاشتباك بين الواقع
والخيال في التجربة الروائية هو مسئولية
المؤلف الأولى، كما أنه أحد أسباب سوء الفهم
الذي يصاحب بعض الأعمال الروائية، خاصة إذا
كانت منظومة القيم المعروضة في الرواية
تتصادم بعض أجزائها أو كلها في سورة حادة مع
منظومة القيم المتعارف عليها في المجتمع. في
هذه الحالة: كيف تقرأ الرواية وماذا يراد
منها؟
نخلص من هذا
إلى أن المؤلف يظهر في مواضع ثلاثة في الرواية:
- مقاصد
الرواية العليا.
- التعليق.
- تكوين
الشخصيات والقيم المرتبطة بها.
وظهور
المؤلف هذا يؤدي إلى نتيجة مهمة: أن النص ليس
بنية مغلقة على ذاتها، إنه موصول بحبل سري مع
مؤلفه، وإذن فهو لا يكتسب مرجعيته من ذاته
فقط، بل يكتسبها أيضًا من مؤلفه، ومؤلفه
مسئول عنه تمامًا أمام المجتمع، ولا يمكن
القول بغير ذلك. النص الروائي بهذا المعنى
مفتوح على العالم مكتوب بلغة مثقلة بقيم
ومعتقدات يعيشها المجتمع، ويُعَدُّ المؤلف
هو الأب الرئيسي له مع التأكيد على أن القراء
قد يشاركون المؤلف أبوة هذا النص، وهو موضوع
يحتاج إلى تفصيل.
اقرأ في نفس الزاوية: النقد العابر.. جماليات القصة القصيرة
|
|
||||||
|
||||||
|
||||||