|
الصوت
الواطي
ظل
الطلبة يهتفون نكاية في شرطة بلدهم: "لا
نلين ولا نطاطي؛ إحنا كرهنا الصوت الواطي"؛
ولأني أعرف أن خفض الصوت فضيلة، فقد انتظرت
وظلوا هم يهتفون حتى تعبت أصواتهم وخَفَتَ
هتافهم، فتفرَّق جمعهم ليعاودوا الكَرَّة
مرة ثانية - بعد استراحة قصيرة - في فاصل آخر من
الصوت العالي.
لم
يدهشني تكرار المشهد؛ على مدى سنوات نفس
الهتافات ونفس السلوك، ولا أعترض فكل وجُلّ
ما يملكه العرب الآن من فعل هو الصوت – الذي
كان عالياً – حيث يعتريه هو الآخر الهَرَم،
ويفعل به الزمان الأفاعيل، فلا نملك بعدها
فعلاً أو قولاً!! ولأني انتويت قبل أن أكتب أن
أرتدي حلة التفاؤل، وبدلتي البرتقالية
الساخنة، فلن أكمل سيرة الصوت العربي، وأتوقف
على محطة التاريخ القيصري عند تشيكوف الذي
بيانه سحر وقصصه شعر.
كان
تشيكوف رائد القصة القصيرة في روسيا
القيصرية، ولم تكن له حيلة في فن القياصرة إلا
الصوت الواطئ الذي مبعث إبداعه ومكمن تميزه،
فجاءت قصصه مفعمة بالدهشة الهادئة، والرمز
الواضح، والاستعارة الكامنة، عالم من الهمس
كالهتاف وامِض، ودنيا من التأمل كالصراخ
وأشد، وعلى همس أعماله فإن الوضوح صاحبها
والصدق دليلها. ولم يمنع قهر القياصرة ولا بطش
البلاشفة تشيكوف من أن يكون صوته الواطئ
مدفعاً وراية.
ومثل
تشيكوف في القصة كان تولستوي في الرواية
وتشايكوفسكي المتدفق نغماً وسيمفونيات…. ولو
عددت القائمة لامتدت وما امتلأت، كلهم
استغلوا القهر والضغط الاجتماعي والسياسي في
روسيا وبروسيا والنمسا وألمانيا وغيرها إبان
حكم القياصرة، وفجروا بأعمال صامتة، وأصوات
هادئة ثورة الحروف والنغمات، غيّرت وجه
المكان وصفحة التاريخ.
هل
قلت شيئاً عن الصوت والصراخ والأمل؟ ربما!
حسام
الدين

ثقافة وفن
|