|
"الناظر".. ودرسه الجديد على
الشاشة
أحمد
محفوظ
بات من
الواضح أن هناك تحولاً في السينما العربية، ليس فقط على مستوى أذواق جمهورها
ونوعيته، بل أيضاً على مستوى نجومه.
فالجمهور أصبح يتشكل من الشباب
بنسبة كبيرة، لا تقل عن 85% من مرتادي دور العرض.. ولعل تغير نوعية الجمهور
هذه تتزامن مع تغير طبيعة نجوم السينما الآن.
فبعد أن كان نجم السينما له سمات
خاصة كي يصبح الفتى الأول على الشاشة؛ حيث الطول والجسد الممشوق وملامح الوجه
التي تتفجر حيوية ورجولة ـ مثل رشدي أباظة وعمر الشريف وكلارك جيبل وبول
نيومان وأميتاب بتشان .. ـ أصبح الشباب الآن يرون نجم السينما
أكثر واقعية وقرباً منهم، فصورة النجم سابقاً كانت تتسق مع الزمن والجمهور
والبيئة، فقد كانت السنون الأولى للسينما والعصر الذهبي لها عصراً يؤرخ
للمثاليات والنماذج الكاملة للبشر، فضلاً عن شيء آخر هام ألا وهو أن صورة
النجم السينمائي بهذا الشكل كانت هي الصورة الرائجة التي في الحقيقة كانت
مضمونة لجلب الربح وأموال المشاهدين.
ونظراً لأن نجوم السينما من
السينمائيين اليوم كانوا أكثر قربًا وفهماً وسنًّا لشباب ذلك اليوم فبدءوا
يُعَبِّرون عنه بلغة وبشكل وبموضوعات فيها نفس السمات في شباب ذلك اليوم مثل
بساطة الموضوعات.. بل وبعض الممارسات التي يمارسها قطاع عريض من هؤلاء
الشباب.
وبناء عليه ظهر مجموعة من النجوم
الشباب ليس لهم نفس المواصفات القديمة لنجوم السينما، على العكس يعتبر الواحد
منهم في كثير من الأحيان كما يطلقون عليه في السينما character، وهي من
كلمة كاريكايتر مثل محمد هنيدي صاحب القامة القصيرة جدًّا والرأس الكبيرة
نوعاً ما، وعلاء ولي الدين الممتلئ وصاحب الجسم "التخين" جدًّا، وأشرف عبد
الباقي بملامحه التي لا تشابه من قريب أو من بعيد أي نجم سينما، ولعل الثلاثة
هم الأشهر الآن بين نجوم السينما من الشباب، وكعادة السينما المصرية من حيث
كونها سينما موضات، فهؤلاء النجوم هم الموضة التي تعمل عليها السينما المصرية
الآن، ولكن يتعمد المنتجون على استهلاك هؤلاء الشباب لآخر قطرة، مما أدى
بالطبع إلى الاهتمام بِكَمِّ إنتاجهم وليس بجودته، ونظراً لأن هذه الموجة ما
زالت في اتجاهها للذروة فإن حصيلة إيرادات هذه الأفلام ما زالت كبيرة وتدخل
في أرقام قياسية لم تكن شبابيك دور العرض المصرية تحصل على
ربعها.
وقد عرض منذ أيام قليلة أحدث إنتاج
هذه المجموعة من النجوم وهو فيلم "الناظر" تأليف: أحمد عبد الله، بطولة: علاء
ولي الدين – هشام سليم
– حسن حسني
– محمد سعد
– أحمد حلمي،
إخراج: شريف عرفة.
والحقيقة أن هذا الفيلم لافت للنظر
بشكل ملحوظ.وبدأ بمعركة إعلامية قبل عرضه حيث أصرت الرقابة على تغيير أسمه من
"الناظر صلاح الدين" ليكون "الناظر" فقط ، منعاً للمشاكل وحتى لايظن أحد أن
الفيلم يتعرض للقائد صلاح الدين الأيوبي، ورغم عدم وجود شئ في الفيلم له
علاقة بصلاح الدين الأيوبي ، إلا أن منتج الفيلم وافق على تغيير اسمه منعاً
للالتباس الذي أثارته وسائل الإعلام قبل عرض الفيلم بالفعل ،وظل البعض يرى
الفيلم محاولة للسخرية من التاريخ والبعض يراه ضد توريث السلطة والحكم ، إلا
أنه في كل الأحوال يؤكد ما أسلفناه من تغير شكل النجم وتغير تطلعات الشباب
وطرق تعبيرهم .
ولعل أهم ما يلفت النظر في الفيلم
هو احترام صانعيه لعقلية المشاهد بشكل كبير، فالفيلم يقدم وجبة خفيفة
وكوميدية جيدة الصنع مبذول فيها جهد واضح. من خلال قصة مدرسة يورث صاحبها (
عاشور ) النظارة فيها لأبنائه بصرف النظر عن قدرتهم أو تأهيلهم إلى أن تصل لأصغر أبنائه ( صلاح
الدين عاشور) الذي لم يكن حتي أكمل تعليمه الثانوي . ويتنقل من التاريخ
البعيد إلى الحاضر الحالي ليثبت فكرته الأساسية التي يركز عليها أن الحرية
والكفاءة هما المعيار الذي يضمن للمدرسة التفوق والاستمرار وليس التوريث أو
القهر.
من ناحية أخرى تميز الفيلم ـ على
غير العادة مؤخراً ـ بمراعاة الجودة الفنية وليس مجرد الإضحاك فالسيناريو
واضح المعالم ليس فيه من المشاهد ما يخل بالبناء الدرامي أو مشاهد مقحمة
لإثارة الضحكات وانتزاعها انتزاعًا من أفواه الجمهور ، وإنما هناك حكاية يتم
روايتها مع الجمهور بلغة سينمائية جيدة وبسيطة في آنٍ واحد، ينبع فيها الضحك
من خلال الموقف ولا يتم الاعتماد فيه على "التعليقات" اللفظية والتي ما إن
تسمع وتنال القليل من ضحك الجمهور حتى ينساها.
ولعل من أهم العناصر اللافتة للنظر
في سيناريو هذا الفيلم أنه نموذج جيد لتفصيل السيناريو لبطل الفيلم، فالفيلم
تمَّ عمله لكي يناسب شكل وقدرات علاء ولي الدين بطل الفيلم وهذا من حق
صانعيه، كما أن الكثير من الإنتاج السينمائي العالمي يعتمد على هذه الطريقة،
فأهلاً بها ما دامت قد صنعت بإحكام وليست باستخفاف لعقل
الجمهور.
أما المخرج شريف عرفة لعل أبرز ما
يميزه هو تلك البساطة الشديدة التي تناول بها السيناريو وعبَّر عنه من خلال
أدواته،وتنازله عن الشكل الغربي في التعبير بالكاميرا الذي لازمه كثيراً ،
ففي هذا الفيلم في الحقيقة استطاع شريف عرفة أن يجعلنا نرى علاء ولي الدين
جديدًا، واستطاع أن يخرج لنا مكامن موهبة حقيقية لهذا الممثل الشاب، ولولا
أنه خامة جيدة ما استطاع شريف عرفة أن يخرج من عنده كل ذلك المجهود والذي
يجعله يمثل أكثر من سبع شخصيات في الفيلم. لعل أبرزها الأب والأم والابن صلاح
الدين عاشور.
أيضًا اختيار الممثلين والاعتماد
على وجوه جديدة مثل محمد سعد وأحمد حلمي، وقد نجحا في اختبار حقيقي؛ فمحمد
سعد الذي قام بأداء شخصية الصديق البلطجي استطاع أن يضع الشخصية في إطار
جسماني وصوتي جديد ومختلف، مما أدى إلى الاستفادة بها في مواقف كوميدية
مختلفة.
وأيضًا أحمد حلمي الذي لفت نظر
الجمهور بأدائه البسيط لشخصية الشاب البسيط صاحب اللامبالاة الشديدة، وذلك
بشكل غير مفتعل، واللافت للنظر أيضًا هو هذا المجهود المبذول لعمل فيلم
سينمائي حقيقي وأيضًا بصورة سينمائية جيدة ونقية، وهو ما أدى إلى جودة الصورة
وأيضًا جودة عمل المؤثرات البصرية التي أفادت الفيلم بشكل
كبير.
كل ذلك يجعلنا نشعر أن درس
"الناظر" مهم أن يتكرر حتى مع الأفلام الكوميدية التي من أهم عوامل نجاحها هو
عدم الاستخفاف بعقلية المشاهد وعمل فيلم سينمائي متكامل العناصر. ليس فيه ما
يجرح الحياء أو يؤذي الأسرة أو يجترئ على المقدسات.
|