|
|||||||||||||||||||||||
|
|||||||||||||||||||||||
|
|||||||||||||||||||||||
|
|
|||||||||||||||||||||||
|
كيلو بامية..!! استدعى
الأمر أن أسأل من حولي عن البامية؛ فعرفت
أنها تطلع في الصيف وتنتشر، لم أكن بحاجة
للمعلومة نفسها إلا للتأكد، فقد كانت
البامية وطبخها يملآن بيتنا بالفعل، أما
رائحتها الفواحة حين طبخها بالسمن الدسم
واللحم، فلا تملأ الدار فقط، بل تملأ
الديار بأسرها. ذكرت
البامية ليس فقط لرائحة طبخها، لكن لأننا
أيضًا ونحن صغار كنا نلعب "كيلو بامية"،
لا أعرف على وجه الدقة العلاقة بين اسم
اللعبة واسم الطبخة، لكني الآن عرفت. أما
اللعبة فكانت تتلاقى فيها أيدي اللاعبين
في كتلة واحدة، ثم تهتز ارتفاعًا
وانخفاضًا، ومن يسحب يده أولاً ويضعها في
اتجاه مخالف للآخرين، متفردًا بهذا الوضع
يفوز، أما الباقون فيعيدون الكرة، حتى
يتبقى خاسر وحيد في النهاية يقع عليه
الحكم بالعقاب فينفذه. تسربت
اللعبة من العيال، إلى كبار الأدب والشعر،
وكبار الثقافة والسياسة!! وصار الأمر
طبيخًا لحالة من المخالفة المفتعلة،
والرائحة النفَّاذة – الفوَّاحَة سابقًا
- لإبداعات وكتابات، جعلت همها الخروج على
المألوف والمخالفة لأجل الشهرة ومعرفة
النكرات، ولأن الجو صيف فهذا الطبيخ "الإبداعي"
الجديد، لا يصمد كثيرًا للحرارة "فيحمض"
ويفسد. أحسب
أن الأطفال اليوم لم يعودوا يلعبون "كيلو
بامية"، بل أصبح يلعبها من ابتلينا بهم
في صفحة الأدب والثقافة، حباً في الظهور
وعدماً للموهبة . والطبخ
بدوره لم يعد هناك من يحرص على أصالته
وخبرته وسبك صنعته ،لا في ساحة الدار ولا
في قاعة الدرس ولا في صفحات الكتب !
وحتى أمي – لأسباب صحية - عدّلت من طبيخها
ليكون أقل دسامة، وكذلك فعل الشعراء
والأدباء والساسة والمثقفون، فصارت
أعمالهم خفيفة على العقل بطيئة على
المعدة، فاقدة الطعم، أما اللاعبون
الجدد، فهم يسعون للمخالفة والشهرة، إما
بسَبِّ الدين أو بسَبِّ أمريكا…، الطبخة
كلها فسدت؛ لأنه لم يَعُدْ من يجيد الطبخ
بعد. رحم الله جدتي، كانت أفضل من يطبخ بامية…، لكنه أمر الله!
|
|
||||||
|
||||||
|
||||||