English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

مـحـاكـمـة عـنـتـرة

أشـرف  سـالـم


عنتر بن شداد - أو عنترة للمبالغة لا التأنيث– ـ اسم ارتبط على مر عصور التاريخ العربي بالشجاعة والإقدام والبطولة والفروسية، وبقصة حبٍ خالدة لـ  "عبلة " أصبحت مضرب الأمثال في دنيا العشق والغرام؛ حتى أصبح في أذهان البسطاء كأبطال الأساطير الخيالية .. ورغم صدق هذه الصفات على عنترة فإنها غبنت ذلك الفارس النبيل حقه، وأغفلت جوانب هامةً من شخصيته ..فتناست نخوته ونجدته ..علو همته ورفعة نفسه ..عفته وبسالته ..جوده وحزمه؛ تلك الصفات النبيلة التي اجتمعت في هذا الفارس المغوار، إلا أنها توارت خلف صفاته الظاهرة المثيرة للعواطف .. ويكفي عنترة فخرًا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما أُنشد قول عنترة:

حتـى أنــال به كــريم المـــأكل

 

ولقد أبيت على الطــــوى وأظله

 

فقال عليه الصلاة والسلام:"ما وُصِفَ لي أعرابي قط فأحببت أن أراه إلا عنترة" .. ولقد أكد عنترة أن الرجل يقاس بقيمه وأخلاقه لا بلون بشرته فقال:

وما لسـواد جــــلدي مــن دواءِ

 

لئــن أك أسـودًا فالمسك لــوني

كبـعد الأرض عن جـو الســــماءِ

 

ولكـن تبعــد الفحشــاء عنــي

       

ولا يقتصر هذا الترفع عن الفحشاء والمنكرات والدنايا على هذين البيتين المشهورين من شعر ابن شداد بل نلمحها منهج حياة يحفل بالمثاليات التي يتوق إليها ذَوُو الهمم العالية فيقول:

ولـولا العـلا مـا كنت في الحب أرغب

 

لغيـر العـلا مني القلـى والتجنـب

فلـي من وراء الكـف قـلبٌ مــدربُ

 

لئـن تك كـفي مـا تطـاول باعهـا

وأنــي إلـى عــز المعــالي محبب

 

فحسـبي أنـي في الأعـادي مبغضٌ

ويعجــم فـي القـائـلون وأعــربُ

 

يصـول علـي الجـاهلون وأعتلـي

ولا أنطـق العــوراء والقـلب مغضبُ

 

ولا أعـرف الفحشاء إلا بوصــفها

زمـاني وصـرف الـدهر نعم المـؤدب

 

غرائـب آدابٍ حبـاني بحفـظهــا

 

        والمُطالِع لأشعار عنترة يلمح روحًا دفاعية وكأنها مرافعة محامٍ مخلص عن بريءٍ مضطهد في ساحة قضاءٍ ظالم، ولا عجب فهذا الفارس المغوار مثال النبل والمروءة والإقدام يرفض أبوه الاعتراف ببنوته لأنه أسود، ويرفض عمه تزويجه لابنته لأنه عبد، وتأبى قبيلته بنو عبس الإقرار بسيادته رغم ما حققه لهم من انتصارات .. حتى أن هذه الروح السائدة في شعره جعلتني أتخيل محاكمة حقيقية عقدتها لعنترة من خلال أشعاره التي قدمها للإجابة على أسئلتي .. فكيف كانت المحاكمة؟!.

- عفوًا يا عنترة، هل أنت حقًّا تحقد على قومك بني عبس لما فعلوه بك؟.

عنترة:

لا يحـمل الحـقد من تعلو به الرتبُ

 

ولا ينـال العـلا مـن طبـعه الغضـبُ

لله در بنــي عبـسٍ لقـد نسـلوا

 

من الأكــارم مـا قـد تنسـل العـربُ

قد كنت فيمـا مضى أرعى جمالهمو

 

واليــوم أحمــي حمـاهم كلما نكبوا

لئن يعيبوا سـوادي فهو لي نسـبٌ

 

يــوم النـزال إذا مـا فــاتني النسبُ

والنقع يوم طراد الخيل يشـهد لـي

 

والضـرب والطـعن والأقـلام والكـتبُ

         

- لعلك تخوض هذه الحروب من أجل المغانم.

عنترة:

أغشـى الــوغى وأعـف عنـد المغنمِ

 

يخبــرك من شــهد الوقيعة أنني

ويصــدني عنـها الحــيا وتكـرمي

 

فـأرى معـانم لـو أشـاء حويتها

 

- إذن لن يكون لك مالٌ تفخر به.

عنترة:

ولا يــدعى الغــني من الســـراةِ

 

لعمري ما ألفــخار بكســب مـالٍ

وأنصــر آل عبــس علـــى العداةِ

 

وإنــي اليـوم أحمي عرض قومي

            

- فماذا ستجني من حروبك وغزواتك؟

عنترة :

ونيــل الأمــاني وارتفــاع المراتبِ

 

لعمــرك إن المجـد والفـخر والعلا

بقــلبٍ صبــورٍ عنـد وقع المضاربِ

 

لمــن يلتــقي أبطـالها وسـراتها

علــى فــلك العلــياء فوق الكواكبِ

 

ويبــني بحـد السـيف مجدًا مشيدًا

 


- فإذا بلغت هذا المجد الذي تريد هل تقنع وتتوقف عن القتال؟.

عنترة:

وكــان وراء ســجفٍ كالبنــــات

 

إذا قنــع الفتــي بذميــم عيشٍ

ولـم يــرو الســيوف مـن الكمـاة

 

ولـم يقـر الضيــــوف إذا أتوه

ولـم يــك صــابرًا فــي النـائباتِ

 

ولـم يبــلغ بضــرب الهام مجدًا

ألا فـاقصــرن نــــدب النـادباتِ

 

فقـل للنـــاعيات إذا نعتــــه

- ولكن زواجك ممن تحب قد يدفعك إلى الركون ، ويحول بينك وبين الغارات والغزوات.

عنترة:

وأبـلغ الغـاية القصـوى مـن الـرتب

 

دعيــني أجدُ إلى العلياء في الطلبِ

وأصــطلي نــارها في شــدة اللهب

 

خلقـت للحـرب أحميـها إذا بـردت

لـــه جبـــابرة الأعــاجم والعرب

 

بصــارمٍ حيثــما جـردته سجدت

 

- إذن كيف أنت والنساء؟

عنترة :

لا أتبـــعُ النفس اللجــوجَ هــواها

 

إنــي أمـرؤٌ ســمحُ الخليقة ماجدٌ

وإذا غــزا فــي الحـرب لا أغشاها

 

أغشــى فتــاة الحـي عند حليلها

حتــى يــواري جارتــي مـأواها

 

وأغــض طـرفي إن بدت لي جارتي

 

- قد تلعب الخمر برأسك فتنسى كل هذا.

عنترة:

وميـض غمـامٍ غــائر المـزن خُلّبُ

 

وأعــرض عن كـأس النـديم كأنها

ولا تمــكر الصهبــاء بي حين أشربُ

 

وقـورٌ فـلا الألحـان تـأسر عزمتي

 


- عفوًا يا عنترة، ألم يورثك لون بشرتك ذل العبودية .. فتنخذل في النوائب؟

عنترة:

رأيــت النجــم تحتـي وهـو يجري

 

سَــمَوتُ إلى العــلا وعلوت حتى

ألاقــي كـــل نائبـــةٍ بصــدري

 

وذلَّ الدهـــرُ لمــا أن رآنــي

ولا حــط الســواد رفيــع قــدري

 

ومــا عــاب الزمـان عليّ لوني

فضــرب الســيف في الهيجاء فخري

 

إذا ذكــر الفخــار بأرض قــومٍ

       

- أفلا يتسرب الخوف لقلبك فتركن؟.

عنترة :

وإذا نــزلت بــــدار ذلٍّ فارحــلِ

 

حــكّم سـيوفك فــي رقاب العذل

خــوفًا عليــك من ازدحـام الجحفلِ

 

وإذا الجبــأن نهـاك يـوم كريهةٍ

واقــدم إذا حــقّ اللــقا فـي الأول

 

فـاعصِ مقالتــه ولا تحفـل بهـا

أو مـت كــريمًا تحـت ظـل القسـطلِ

 

واختــر لنفسـك منــزلاً تعلو به

فـوق الثريــا والســماك الأعــزل

 

إن كنــت فـي عـدد العبيد فهمتي

فســنان رمــحي والحســام يقر لي

 

أو أنكـرت فرســان عبـسٍ نسبتي

بــل فاســقني بالعــز كأس الحنظلِ

 

لا تســقني مــاء الحيــاة بذلـةٍ

حصــنٌ ولــو شــيدته بالجنــدل

 

فالمـوت لا ينجيــك مـن آفــاته

مـن أن يبيــت أســير طـرفٍ أكحلِ

 

مـوت الفتــى فــي عزةٍ خيرٌ له

 

هذا هو عنترة سيد كريم وفارسٌ مقدام .. فكيف سيكون حكمكم عليه بعد هذه المحاكمة؟! .. هناك ملاحظة أخيرة قد لا تكون لصيقة بموضوعنا ولكنها مهمة، فرغم مرور ستة عشر قرنًا على نظم هذه الأبيات التي قرأناها معًا، فلا يكاد أحدنا يحتاج للرجوع لمعجمٍ لغوي ليكشف غموض لفظٍ أو عبارةٍ أشكل عليه معناها، بل وجدناها كلماتٍ سلسة ومعاني واضحة وعباراتٍ ندية .. ترد على كل من يزعم أن الشعر القديم عامة والجاهلي خاصة صعب الفهم غامض العبارة معجمي الألفاظ، ويستهدفون من وراء هذه الفرية أن يستبدلوا بالشعر الأصيل ما يفرضونه علينا من ضحالة وغثاثة باسم التجديد والحداثة

:اقرأ في نفس الزاوية

 الكتابة الساخرة..

 

 

 

ثقافة وفن

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع