|
عَقْلُه
في أذنيه
معاذ الله أن نكون ممن يحسبون كل صيحة عليهم، لكننا أو بعضنا ممن برع في وصفهم أمير الشعراء أحمد شوقي قائلاً: يا له من ببغاء عقله في أذنيه.. يردد ما يسمع دون أن يمرره على عقل أو بصيرة، وينفعل بما يرى دون ضابط أو وقفة تأمل، فتكون النتيجة انتقال عقل الأمة ووعيها من مكانه، فوق الرءوس، إلى أسفل، في أذنيها..!
كانت الأذن في الثقافة العربية - لوقت طويل - هي سبيل العقل والوعي: تلاوة القرآن، وخطب القادة، وقصائد الشعراء، ونصائح الآباء للأبناء، وحكايات الجدات للأطفال قبل النوم، والأغاني الشعبية، والألحان الموسيقية.. كلها شكَّلت الثقافة العربية والإسلامية… سماعيًّا.
وكانت الأذن سبيل البصيرة وبوابة الخيال، تفتح في الأفق نافذة نطل منها على موضع أقدامنا في خطوات المستقبل، ومنبت جذورنا في التاريخ، فنعرف "بوصلة" اتجاهنا وخريطة حياتنا.. كل هذا بأذننا؛ حيث كانت الثقافة العربية - على مدى الدهر - سمعية شفهية: فقط تغمض عينك وتتخيل وتتأمل وتفكر، فيعمل العقل عمله.
لما استجد الجديد، وصارت جرائد سيارة، ومحطات فضائية، ومواقع شبكية، وأصبح الفضاء الكوني "عنقود عنب" في روضة ظليلة - هكذا نتخيل - نقطف منه ما نشاء ثمراً مُسكّرًا.. تراجعت آذاننا عن أداء دورها، وانخفض سقف الدنيا - في نظرنا - ليصبح هو سقف تلك "الكَرْمة" الفضائية الإلكترونية، شديدة السرعة، كثيفة المعلومات، عابرة كالبرق الخاطف، مبهرة في ومضٍ زائف.. لم تَعُد تترك لآذاننا مساحة تَعَقُّل أو لخيالنا فسحة تَجَوُّل، فصرنا نطير وعقلنا في آذاننا، ندخل في معارك وهمية، ونعتبر منتديات النقاش على الإنترنت ساحات حرب، نستعيد فيها المجد الضائع، والحق المسلوب، بل لا نمانع أن نشارك في تصويت على المقدسات، وكأنها محل تفاوض، أو كأن نتيجة التصويت تحسم الحق…
مثل ألعاب الفيديو، وتسالي المراهقين.. دخلت قضايانا وهمومنا الكبرى الساحات الإلكترونية، وانتقلت عقولنا من آذاننا إلى أزرار لوحة المفاتيح، فمن يملك مصائرنا وأحلامنا بعد ذلك؟!
حسام
الدين
ثقافة وفن
| |
|