|
الأذن..
جَدَّة
داليا
السيد
"كان هناك رجل حداد ينفخ في الكير
ويدق على الحديد، وفي يوم من الأيام وجد كورًا
قديمًا ممتلئًا بالجنيهات الذهبية، فخشي من
فقدانه؛ فخبأه في بيته وسط أشيائه القديمة،
وفي اليوم التالي قامت زوجته بترتيب البيت
فعثرت على الكور ولم تكن تعرف ما فيه، فقررت
بيعه لتاجر المهملات "الروبابيكيا"
فباعته له بقرشين، رجع الحداد إلى بيته فلم
يجد الكور فسأل زوجته فقالت: بعته، صرخ الحداد:
بكم؟ فقالت بقرشين، عاد الحداد إلى ورشته
وأخذ يدق على الحديد وهو يغني: "محلاك يا
كور محلاك محلاك عند اللي اشتراك".
تلك هي القصة التي ترددها
لي جدتي دائمًا كلما شعرت بحزني على فقداني
شيئًا، وتطالبني بالنسيان، فلن يكون ما فقدته
أغلى من "كور الذهب" وتحثني بحكمة وطيبة
قلب بأن الحداد لو أمعن في الحزن لمات كمدًا
وحزنًا على الكور. أما حينما كنت أسألها
الدعاء لي عند امتحاني فكنت أسمع منها أجمل
الدعاء حينما تقول: "يسعد لسانك، ساعة
سؤالك"، "يجعل في وجهك جوهرة وفي لسانك
سكرة".
وهي دائمًا ما تعقد
المقارنات بين مذاق اليوم والأمس فتقول: "لا..
لا هو ده أكلزمان كان أي شئ تأكليه، تشمي منه
ريحة المسك والعنبر، والمرقة من الخير فيها تبقى في لون
العسل الأبيض وفي طعم الشهد".
وهي بارعة في وصف البشر
وملامحهم، وصفت لي ابنة لها كانت قد فقدتها
بعد ميلادها بفترة قصيرة فقالت: "كانت
عيناها بلون السما، وشعرها سلاسل الذهب،
وكانت للتو مولودة وطول ذراعي.. كانت بنت موت".
ولجدتي
أقوال أحسبها ترددها دائمًا عن عمق إيماني
وسلامة تفكير وفطرة وهي ترددها دون تكلف أو
قصد، فحينما تسرح ببصرها في السماء وأسألها
فيما تفكر، تقول لي بصدق: " في مين يا بنتي،
في خلاق الليل والنهار"، وكانت تصف لي جدي
فتقول: "كان طويل وله هيبة، وقلبه طيب،
ولسانه ما ينطق العيبة ، وكان يقول لي –ما
يقول إلا لما يريد ربنا- (تلك هي جملتها
الاعتراضية الدائمة حينما تتحدث عن أي متوفى
تسليمًا بالموت وإيمانًا بقدر الله) أطيب
الكلام، ووصفت لي يوم وفاته قائلة: "الناس
ما صدقت، قالوا: الحاج محمود.. ده كان للتو
ماشي، أصلة رجع من دكانه توضأ وصلى، ومات على
سجادة الصلاة، أنا افتكرته نايم لأن وجهه كان
أحمر بلون الدم، اللي يشوفه مايصدق إنه ميت
أبدًا".
وحينما تحكي لي جدتي عن أي
شيء، أشعر بأني أقرأه بحواسي، فتقرأه أذني
التي تلتقط تعابيرها وعذب حديثها وتقرأه
عيناي اللتان تراه مكتوبًا على قسمات وجهها
وهي تصف وتصور، فترتسم الابتسامة على شفتيها
حينما تروي ما يفرح، ويبدو عليها الحزن إذا ما
حكت عما يثير، وقد تبدو عليها الحيرة إذا ما
أرادت أن تشرح مقصدها إذا ما صعب علينا فهمه،
فتعيد حكيه وتفسيره ولا تلتفت لنظرات الإعجاب
الشديد في أعين من يسمع إليها وإنما تستمر في
السرد بخبرة الراوي وبراعته.
إنني
ما جلست أستمع لجدتي إلا وملأتني الدهشة من
فرط تكاتف الصور والتشبيهات في حديثها، فهي
تلقي بظلال من الأسطورية على أحداث تبدو
شديدة البساطة والألفة، بل إن استخدامها
للألوان في وصفها للذكريات والحكايات ينبئ عن
فنان بارع لا قصاص بارع فحسب، وكثيرًا ما
تساءلت كيف استطاعت أن تصل إلى هذه الدرجة من
البراعة في الحكي والتصوير بالرغم من بساطتها
وعدم حصولها على قدر وافر من التعليم؟!، فهي
لم تقرأ يومًا رواية أو شعرًا ومع هذا يبدو لي
حديثها عذبًا شديد الثراء، كان لدي دائمًا
شعور بقيمة ما أستمع له من جدتي إلا أن هذا
الشعور لم يتبلور في فكرة إلا حينما سمعت إحدى
الأديبات تذكر مثلاً شعبيًّا من جنوب إفريقيا
يقول: "الأذن.. جدة" وقتها أدركت عمق
الثقافة السمعية التي يمكن أن تتكون لدى
الطفل إذا ما جلس يستمع لجدته تقص وتروي، بل
إن جلسات حكيها معه قد تكوِّن لديه ذاكرة
بصرية تجعله يستحضر ما تروي ويتمثله أمامه
فلا يخلو مثل هذا الحديث من المتعة ولا تخلو
خبرة الحكي من جانب الجدة من الحكمة، وقد يدرك
أي منا في طفولته هذه المتعة، أما الحكمة
فإنها تطل برأسها شيئًا فشيئًا ونحن نكبر
ونواجه ونعيش لنتذكر حكمة الجدات.
ربما
كان لجيل الجدات الفرصة الكبرى في تكوين
ثقافة من نوع خاص لها نكهتها ومذاقها، فقد
كانت أعينهن ترى وتتأمل وآذانهن تلتقط لتخزن
بعيدًا عن الثورة المعلوماتية الهائلة
والتدفق السريع للمعلومات، ولن تكون الدعوة
للالتفات لهذه الثقافة شديدة الخصوصية هي
رغبة في الانسحاب من ثقافة جديدة تشكلها
أدوات مختلفة، وإنما هي دعوة لتوسيع إطار
معرفتنا بهذا المخزون الثقافي والإنساني
الذي تقل الفرص شيئًا فشيئًا في أن تحفظه
الأجيال لا المؤسسات، وحفظ الجيل لتراثه
يختلف عن حفظ المؤسسات له؛ فهو يسهم بشكل
أساسي في خلق وعي فاعل لا ثقافة متخفية، لقد
قال أحد المؤرخين الغربيين: "إذا مات رجل في
إفريقيا، احترقت مكتبة كاملة" إن الثقافة
بالمعنى التقليدي الذي اعتدناه قد تخلق
للإنسان فرصًا كبيرة لتنمية قدراته الذهنية
والاستيعابية، إلا أنها قد تخلق لديه –في
الوقت نفسه- نوعًا من التعقيد قد يجعله يخلط
الزيف بحقيقة الأشياء، وقد يكون ذلك ما حاول
الكاتب المسرحي النرويجي هنريك ابسن إلقاء
الضوء عليه في مسرحيته "عروس المنزل" A
Doll’s house حينما جعل الزوجة قليلة الخبرة،
سليمة الفطرة ترفض أن تحيا حياة زائفة مع
زوجها المثقف والمتمسك بوجاهته الاجتماعية
وقد وجد لديه من الحجج والمبررات ما يسوغ له
حياته على هذا النحو.
قد يفيد ما ذكرناه في أن
ندرك أننا لسنا دائمًا من نقدم العون للأجداد
عند كبر سنهم وضعفهم، بل كثيرًا ما نحتاج نحن
إليهم إذا ما أردنا خلق وعي حقيقي يصاحب سعينا
في تبني الثقافة بأدواتها المختلفة، وقد يكون
إدراكنا لمثل هذه الحقيقة مدخلاً لمزيد من
التراحم والتواصل بين جيل الأحفاد والأجداد،
يمكننا أن ندرك مدى تآلف مجتمع بدوائره
المختلفة وترابط أسره الممتدة إذا ما تابعنا
ملامح هذه العلاقة بين الجيلين.
وقد يزداد تفاؤلنا في فرص
عودة ثقافة الجدات إذا ما استمر المستوى
الهزيل الذي نقدم به ثقافة الطفل في برامج
التليفزيون وخلافه!!.
:اقرأ
في نفس الزاوية
-كلام
في كلام!..
ثقافة وفن |