|
ثلاث أديبات كويتيات:
عندما تتحول الكلمة إلى مدفع!!
زينب
العسَّال
الكتابة
هي فعل المقاومة الذي يمارسه الكاتب
حينما يستشعر الخطر؟ فما بالك إذا تعرض
الوطن لخطر حقيقي يهدد وجود الإنسان والوطن
؟.. لا شك أن فعل الكتابة ساعتها يتحول إلى
السلاح لا يقل أبدًا عن البندقية أو
المدفع، وقد استخدمت هذا السلاح كاتبات
الكويت، تَخَلَّيْن عن النظرة الضيقة عن
وضعية المرأة؛ لتتحول المرأة في كتاباتهن
إلى كيان يمارس المقاومة بكل ألوانها.
بداية
من مقاومة طمس هوية الإنسان الكويتي البسيط
كما في مجموعة فاطمة العلي "دماء على وجه
القمر" وصولاً إلى المقاومة الجسدية كما
في قصتها المعنونة "أيلول يعود وحيدًا"
و"دماء على وجه الوطن"، التي تقدم
نموذجًا للمرأة المناضلة المضحية بجسدها؛
ليصير هو ذاته تجليًّا لفعل المقاومة، وهذا
التجلي يظهر في مجموعة الكاتبة ليلى محمد
صالح "لقاء موسم الورد" عبر استرجاعات
عدة؛ ليقدم السرد عبر مواقف. فقارن بين ما
كانت عليه الحياة قبل الاحتلال.. وما تعانيه
الشخصيات والأشياء والأماكن بعد الاحتلال:
"لم تزل ذاكرتي معطرة بطلائع الياسمين
الأبيض وأنت تقدمه لي في الأول من أغسطس
القائظ اللاهث الظامئ..". "الياسمين
والمدافع" هو عنوان تلك القصة التي حملت
ثنائية تعني بها المجموعة فتقيم جدلاً
محتدمًا بين عالمين أحدهما: ينتمي إلى "الياسمين"
الجمال – الشاعرية – التفاؤل – الحنين –
الحب، والآخر: ينتمي إلى "المدافع" وما
تستدعيه من دماء – خراب – دمار… إلخ،
الأمر الذي جعل الراوية وحبيبها يعجزان عن
فهم ما يحدث على ثرى الوطن الغالي، فقد
تحولت الابتسامات إلى دموع وفزع مرسوم على
الوجوه، وكأن القدر يقف في طريق اكتمال
السعادة، لكن الحرية.. حرية الوطن.. الإنسان..
الياسمين لا بد أن تُرْوَى بدماء شهداء هذا
الوطن.
ليلى
محمد صالح ترصد عبر مناجاة مليئة بالشجن
وعي الشخصية وإدراكها لأزمتها التي صارت
أزمة وطن تعرض للاحتلال، فتضاءلت أمام
عينيها الأشياء وتصير الذات "أرضًا
هَدَّها العطش، تكاثرت فيها الشقوق وئيست
من قدوم موسم المطر"، ولا عجب في ذلك "فالوقت
تَكَسَّر وتساقطت ساعات الانتظار، أين
الفارس الغائب؟! أين الزوج والحبيب؟! لكن
ثمن النصر غالٍ.. ثمن الحرية غال "لقاء في
موسم الورد".
وفي
قصة "اللقاء ما زال وعدًا" تتجاوز
البطلة لحظة اللقاء الرومانسي وتطفو على
السطح رغبة عارمة في المشاركة في حمل
السلاح.. "فلا معنى للانتظار والوطن مهدد
بهؤلاء الغادرين الغزاة، فلقد تساوى كل شيء:
الموت والحياة، الليل والنهار، الأعداء
والأصدقاء لا فرق.. لا فرق أبدًا، صار البيت
مكانًا لتحريك المقاومة.. المنشورات
التحريضية.. بعدما لَفَّ الموت كل شيء
الطريق والبيوت المهجورة، مركبات عسكرية
مدمرة.. أين الأماكن التي أحبتها الراوية
وعاشت بينها لحظات سعادة؟! أين الحبيب؟! لم
تجلس المرأة في البيت تنتظر الزوج وتلوك
الهواجس والخوف واليأس.. وتجتر الذكريات،
عليها هي الأخرى أن تحمل السلاح؛ لتتم
عملية الدفاع عن الوطن، لتستعيد المرأة
سعادة عاشتها قبل الغزو.
وإذا
كانت بطلة قصة ليلى محمد صالح تحمل السلاح
وتقرر مقاومة العدو، فإن بطلة قصة "دائرة
البساطير" من مجموعة "رحيل النوافذ"
للأديبة والفنانة التشكيلية ثريا البقصمي،
تقع في أيدي الأعداء، لا نسمع صوت بطلة
القصة إلا مرة واحدة هازئة من سجانها؛
لتتيح للقارئ أن يتعرف عن قرب على الملامح
البشعة لجلادها وسجانها، فهو يتفنن في
إنزال العقاب ويتعجب كيف لا تستسلم ضحيته
بعد نوبات التعذيب التي تفنن في تطبيقها
على هذا الجسد النحيل الذي يقترب من جسد صبي!..
"بنت
……ما فعلناه بها، وهي ما زالت صامتة
كالجدار، النساء عندنا بعد حفلة تعذيب
واحدة، يسردن حكايات تقضي على عشيرة
بأكملها" القصة تتيح للقاء أن يدخل
الزنزانة، أن يتعرف على أساليب ووسائل
التعذيب، "صوت أنين أقرب للحشرجة، يصدر
من الكوة، الصوت لا يوضح جنس ذلك الحطام
البشري".
تخلت
الكاتبة عن استراتيجية تصوير السجان بأنه
لا يحمل قلبًا يتحرك أمام معاناة سجينته،
برغم أن الجندي يمثل الغباء في إحدى صوره
الصارخة، فهو كآلة مبرمجة لتنفيذ الأوامر
الصادرة من رؤسائه، لكن الراوي يقترب بشدة
كما سبق القول.. وتسمع صوته "عجيب أمرك يا
بني آدم، فهذا الحجر الذي في صدرك ما زال
ينبض"، إن السجان هو الآخر ضحية للقهر
والجهل والحاجة تموت حبيبته بين يديه..
وتتحول الضحية إلى اسم محفور على جدار
الزنزانة ينضم إلى قائمة بأسماء أخرى من
الشهيدات.
تعني
ليلى محمد صالح برسم بروفيل نفسي
لشخصياتها، وتقبض على لحظات مفصلية بين
مواقف حاسمة في حياتهن، بينما تهتم فاطمة
العلي برسم المشهد وسماعه صوت الشخصيات في
جدلهن وحواراتهن مع أفراد المقاومة،
فالمرأة هنا لا تمثل صوتها فقط، بل هي تحمل
ملامح شريحة من الفتيات المثقفات داخل
المجتمع الكويتي، بينما ترسم ثريا البقصمي
مشاهد تنبض بالحياة، فتُعَدُّ قصصها لوحات
تضم اللون والإضاءة والظل والتكوين
والحركة في تناغمها.. يأتي كل ذلك ليعبر عن
أزمة أبطال قصص المجموعات ومعاناتهن
النفسية من جراء احتلال الوطن فـ "الزمن
الحالي فقير من كل المشاعر الإنسانية
الجميلة" رجل بلا عينين.
هكذا
عبرت الكاتبات الثلاث عن مشاعر المرأة، فهل
تخبطت عروس البحر في شباك حزنها وقلقها
حقًّا؟ سؤال أجابت عنه ثلاث مجموعات قصصية.
تعريف
بالكاتبات
1
- فاطمة العلي:
كاتبة
قدمت العديد من الكتابات الصحفية والنقدية
والأدبية في العديد من المجلات والجرائد
الخليجية.
-
لها أكثر من عمل أدبي، منها "دماء على وجه
القمر" ووجهها وطن. وكتب عنها الراحل د.
غبريال وهبة كتابًا نقديًّا، وشاركت في
العديد من المؤتمرات والمهرجانات الأدبية
في كل من مصر والبحرين واليمن وتونس.
2
- ليلى محمد صالح:
تكتب
المقالة والقصة القصيرة، ساهمت في كتابة
العديد من البرامج الثقافية والأدبية،
وصدر لها كتاب أدب المرأة في الجزيرة
والخليج العربي، في عام 1986م، وصدر لها
مجموعة قصص قصيرة بعنوان "جراح في العيون".
3
- ثريا البقصمي.
صدر
لها العديد من المؤلفات ومنها: "العرق
الأسود" مجموعة قصصية 1977م و"السدرة"
مجموعة قصصية 1988م، "المرسم الحر ورحلة
الـ 25 عامًا" كتاب نقد فني.. لها العديد من
الأعمال الفنية التشكيلية، وترجمت بعض
قصصها للغات الإنجليزية والروسية
واليابانية.
اقرأ
حول نفس الموضوع:
الأدب
مرآة
أدب
المقاومة
الأدب…
في اللغة والثقافة
اقرأ في
مروج الذهب:
دانتيلا.. في يوم ممطر
ثقافة وفن
|