|
مدير الإعلام السوري الأسبق:
الثقافة الشاملة.. "أمريكية"
وحيد
تاجا - دمشق
أسعد
صقر أحد أهم العاملين في الحقل الفكري
والثقافي في الساحة السورية، عمل أستاذًا
للفلسفة، وشغل مناصب إدارية متعددة، حيث
كان مديرًا عامًّا لهيئة الإذاعة
والتلفزيون، ثم محافظًا لعدد من المحافظات
السورية، ثم وزيرًا للإعلام في سوريا،
فضلاً عن شغله منصب نقيب الصحفيين ورئيس
تحرير جريدة البعث.
التقيناه
في دمشق، ودار حوار حول الوضع الدولي
الجديد ودلالات أحداث لوس أنجلوس الأخيرة
في الولايات المتحدة، وموقع العالم العربي
الإسلامي من هذه المتغيرات، وهذا الخضم
الهائل من الأحداث.
وفيما
يلي نص الحوار:
يلاحظ
اهتمامكم بالمفكر المستقبلي الفني توفلر
حيث قمتم بترجمة أكثر من كتاب له، فهل يمكن
إعطاؤنا فكرة عن نظريته؟
يرى
توفلر أننا نعيش مرحلة نهاية عصر الثورة
الصناعية، وبداية عصر ثورة المعلوماتية،
ويقسم الحياة البشرية إلى ثلاث مراحل أو
ثلاث موجات. الموجة الأولى: هي موجة الزراعة
عندما كان الإنسان يعيش على الزارعة،
والموجة الثانية: هي الثورة الصناعية،
والآن نحن نعيش في بدايات حضارة الموجة
الثالثة: وله كتاب بهذا
العنوان. وهو يعتقد أن حضارة هذه
المرحلة مختلفة تمامًا عن حضارة العصر
الصناعي؛ فالمعامل الضخمة التي قامت عليها
الحضارة الأوروبية في القرن التاسع عشر
والقرن العشرين، والمصانع ذات المداخن
العالية، وعشرات ألوف العمال، والإنتاج
النمطي الكئيب في طريقها إلى الزوال، فسوف
يأتي اليوم الذي يستطيع فيه العمال أن
يعملوا في بيوتهم دون أن يذهبوا إلى
المصانع، وهناك أجهزة موجودة الآن في
الولايات المتحدة واليابان تُمَكِّن أرباب
العمل من مراقبة العمال وهم يعملون في
بيوتهم وينتجون.
تعددت
النظريات الحديثة حول الثقافة الإنسانية
والثقافة العالمية، وتعرض أكثر من مفكر
غربي للتنظير للنظام الدولي الجديد، ما
رأيك بهذا وبالتالي كيف ترى هذا النظام؟
كثر
استعمال تعبير نظام دولي جديد دون أن يكون
له تعريف محدد، وفي اعتقادي أن الاسم
الأنسب هو النظام الأمريكي الجديد أو
الهيمنة الأمريكية على العالم، فبعد
الانهيار الذي طال المعسكر الاشتراكي
والاتحاد السوفييتي أصبحنا في واقع مضنٍ هو
أن هذه الثنائية القطبية التي كانت موجودة
خلال فترة الحرب الباردة هذه المرحلة انتهت
الآن، وأصبحت الولايات المتحدة تسيطر
فعليًّا على العالم من خلال هيمنة عسكرية
تتستر بالشرعية الدولية، ومن الملاحظ أن
مجلس الأمن أصبح منذ سنوات أداة في يد
الولايات المتحدة الأمريكية، ومن خلاله
تُنَفِّذ ما تشاء، وما رأيناه في حرب
الخليج وفي الحملة على ليبيا يوضح ذلك.
أما
النظريات التي تُبَشِّر الآن بما يسمى
بالثقافة الإنسانية أو الثقافة العالمية
الشاملة فما أظنها بعيدة عن هذا الواقع
الجديد؛ واقع الهيمنة الأمريكية، نحن مع
الثقافة الإنسانية وكنا كذلك دائمًا،
والحضارة العربية هي حضارة منفتحة دائمًا
على الثقافات المختلفة، وهي ذات معنى
إنساني دائمًا؛ لأن تراثها الأخلاقي
والفكري هو كذلك، ولكن
الآن بهذه الثقافة الإنسانية هي أن
تكون إفرازًا لهذه الهيمنة الأمريكية
وحيدة الجانب على العالم كله، ومن هنا
كانت هذه الثقافة ذات خلفية أو إطار يدعو
إلى التساؤل، وربما الارتياب، نحن نحترم
ثقافات الأمم الأخرى، ولكن لسنا مع فرض
ثقافة معينة مهيمنة على العالم، وهي الآن
ثقافة السوق أو ثقافة الرأسمالية الغربية،
فالمبشرون بهذه الثقافة لا ينطلقون أبدًا
من منطلقات إنسانية بقدر ما ينطلقون من
مفهوم الهيمنة الرأسمالية بأنماط معيشتها
وأنماط تفكيرها وآلياتها على العالم كله.
وكيف
ترى موقع الدول العربية والإسلامية ضمن هذا
الإطار؟
العرب
ضمن هذا النظام الجديد أيتام، وهم مجرد دول
متخلفة ليس لها أية فرصة في احتلال موقع
مناسب لها؛ إلا من خلال تكاملها وإراداتها
المشتركة كأمة عربية وليس كدول عربية مجزأة.
فإذا
بقيت مشتتة ومبعثرة في عصر التكتلات الكبرى
فلا أعتقد أنه سيكون لها أي مكان في النظام
الدولي الجديد، وما لم يدرك العرب أن عليهم
أن يسلكوا سبيل الوحدة العربية التي أساسها
الديمقراطية والمساواة بين المواطنين، فلن
يكون لديهم أي أمل بالاستقلال السياسي،
وسيكونون أيضًا تابعين اقتصاديًّا،
وسيبقون تحت سيف هيمنة القوى الخارجية
الكبرى.
نتحدث
عن النظام الدولي الجديد وكأنه شيء متجانس
متكامل لا تناقضات توصف فيه، هل ترى أن هذا
صحيح؟
إن
ما يسمى بالنظام الدولي الجديد هو حتى الآن
ليس شيئًا ثابتًا، وسبق أن قلت الأصح
تسميته نظام "الهيمنة الأمريكية الجديد"،
لكن التاريخ يعلمنا أن الهيمنة لا تستطيع
أن تستمر؛ لأنها تخلق دائمًا القلق
والثورات والتمرد، فهناك أمور كثيرة تجعل
ثبات هذا النظام أمرًا مشكوكًا فيه، بعض
هذه الأسباب خارجي وبعضها الآخر داخلي،
فعلى الصعيد الخارجي: يشهد العالم الآن
تنامي وتصارع قوى اقتصادية متعددة، فهناك
المعسكر الأوروبي الذي يضم الآن 400 مليون
نسمة، وقد أصبح أكبر سوق في العالم بعد
الاتفاقيات التي وُقِّعَت مؤخرًا، وهناك
اليابان التي تشهد منذ سنين تقدمًا تقنيًّا
هائلاً، ولديها فوائض كبيرة من الأموال
التي توظفها في دول الشرق الأقصى، وأضف إلى
هذا ألمانيا كقوة اقتصادية كبرى.
والسؤال
هنا هل الهيمنة العسكرية الأمريكية قادرة
فعلاً على أن تستمر، خاصة إذا لم يكن
يساندها اقتصاد في نفس المستوى، والمعروف
أن الاقتصاد الأمريكي ليس في أفضل أحواله.
سنتذكر
أن الولايات المتحدة عام 1941م استطاعت أن
تحشد أكبر قوة عسكرية في بضعة أشهر وبسرعة
تفوق التصور؛ والسؤال الآن كم تحتاج
البلدان مثل ألمانيا أو اليابان وهما في
قمة التطور التقني لتحشد كل منهما قوة
عسكرية هائلة؟ بالتأكيد لن يحتاج الأمر إلى
فترة طويلة جدًّا.
وماذا
بالنسبة إلى العوامل الداخلية؟
إن
الاقتصاد الأمريكي يجد صعوبة كبيرة في
التناسب مع هذه القوة العسكرية الهائلة
للسيطرة على العالم، فضلاً عن وجود مشاكل
كثيرة داخل المجتمع الأمريكي، ومنها مشكلة
الصراع العرقي الذي لا يبدو الآن ظاهرًا
بشكل كبير، ولكنه بين الحين والآخر
يُعَبِّر عن نفسه بأشكال شديدة العنف
والقسوة، وأحداث لوس أنجلوس التي جرت منذ
سنوات هي مجرد مؤشر على هذا التصدع الكبير
في المجتمع الأمريكي الذي يعرفه، ويكتب عنه
العديد من الكتاب وخاصة السود منهم، ويكفي
دلالة على هذا قول رئيس أركان الجيش
الأمريكي الجنرال باول –
وهو من السود -: "بعد أن رأيت ما جرى في لوس
أنجلوس، أعلَمُ الآن كم أن الطريق طويلة
حتى نستطيع تحقيق الحلم الأمريكي"، وإذا
عدنا إلى توفلر نجد أنه يتوقع في أكثر
كتاباته صراعًا عنصريًّا هائلاً بين
الأمريكيين من الأصل الأوروبي ومن الشرق
الأقصى: (يابانيين، وصينيين، وكوريين)،
وليس أمرًا عديم الدلالة أن أكبر الخسائر
المادية للعنف في لوس أنجلوس كانت من نصيب
الكوريين، فأماكنهم ومخازنهم هي التي
دُمِّرَت ونُهِبَت، ولا أدري هل هذه
الأحداث كانت بداية تحقيق نبوءة "توفلر"
فيما يتعلق بالصراع العنصري مع الآسيويين
في أمريكا.
ومن
جهة أخرى وكما هو معروف فإن اليابانيين
يشترون الكثير من الأشياء في أمريكا من
مزارع كبيرة إلى بعض الأماكن التي ينظر
إليها الأمريكيون بنوع من الاحترام
والقداسة فضلا عن شرائهم أعظم الفنادق
وأشهر اللوحات في العالم كله؛ هذا لا بد أن
يساهم في تنمية هذه الروح الموجودة أصلا في
الولايات المتحدة، وبالتالي يزيد من توسيع
الشقة بين هذه الأجناس.
ولهذا
أقول: إن النظام الذي سميناه بالنظام
الدولي الجديد يشهد تحديات كبيرة في أوروبا
وفي اليابان وفي قلب الولايات المتحدة
نفسها، هذا إذا لم نذكر العالم الثالث الذي
يشكل الجزء الأكبر من البشرية، فلا نستطع
أن نهمل أو نتجاهل هذه الدول التي لن تبقى
خائفة أو مجرد كمية مهملة أمام الهيمنة
الأمريكية، ونعتقد أن ما جرى في حرب الخليج
-والذي كان بمثابة درس للبشرية بأسرها وليس
للعراق فقط وللعرب وحدهم- درسًا يمكن أن
يتكرر كثيرًا، أو بالأحرى كيف يمكن لهذا
الدرس أن يتكرر؟ وبالتأكيد ما هي قدرة
الولايات المتحدة على الاستمرار بفرض
هيمنتها العسكرية على العالم؟ هذا الأمر لن
نتنبأ به ولن نرجم بالغيب، ولن يمكن القول
إن هذا النظام يحمل في طياته تحديات كبيرة
سوف تعيد إلى العالم نوعًا من توازن القوى،
من أين يأتي هذا التوازن؟ المستقبل وحده
سيكشف هذا، قد يكون تحالفًا أوروبيًا
آسيويًا أو تحالفًا أوروبيًا متوسطيًا.
تطرقت
إلى أحداث الخليج فهل يمكن أن تتوسع قليلا
في دلائل وخطورة هذه الحرب أو هذا الدرس
القاسي؟
أحداث
الخليج هي أحداث مأساوية إلى درجة تتجاوز
كل ما قيل عنها حتى الآن، الخليج مكان مهم
للولايات المتحدة الأمريكية إلى درجة
كبيرة؛ ففي الجزيرة العربية –كما
هو معروف- أكبر احتياطي من النفط في
العالمي، وكما يقول المفكر الأمريكي "تشوميسكي":
الشرق الأوسط هو أكبر جائزة اقتصادية في
العالم الآن.
أضف
إلى ذلك أن تصميم الولايات المتحدة على
السيطرة على موارد النفط في الخليج ليس ضد
العراق والدول العربية فقط وإنما في
الحقيقة ضد اليابان وأوروبا؛ فهذه السيطرة
تتيح للولايات المتحدة تركيع كل منتجي
النفط، وإجبارهم على بيع النفط بالسعر الذي
تريده وفي الوقت الذي تريد.
هذا
بالإضافة إلى منع القوميات المستيقظة في
المنطقة من التنامي والظهور، فليس سرًا أن
الولايات المتحدة في إستراتيجيتها المتفقة
فيها مع إسرائيل تهدف إلى القضاء على تنامي
فكرة القومية العربية وتوجه العرب نحو
إقامة وحدتهم؛ فهذه الحرب كانت بشكل من
الأشكال نيابة عن إسرائيل بالإضافة إلى ما
خلفته من دمار في العراق ومن دمار تنموي هو
أكبر من الدمار المادي في الوطن العربي،
وتمركز القوة العسكرية الأمريكية في
الجزيرة العربية وفي تركيا، هذه الأمور
كلها ستفرز نتائج رهيبة جدًا.
ونحن
نرى اليوم ما يجري في الجمهوريات الإسلامية
التي انفصلت عن الاتحاد السوفيتي، ونرى أيضا ما يجري
بالنسبة للأكراد في كل من العراق وتركيا.
ترجمت
العديد من الكتب لقادة صهاينة فهل يمكن أن
تحدثنا عن تطور الفكر الصهيوني أو اتجاهات
هذا الفكر من خلال مؤلفاتهم؟
هناك
أكثر من اتجاه في الفكر الصهيوني وهي ليست
متناقضة فيما بينها؛ وإنما تختلف بسب الرؤى
التي ينطلق منها الفكر.
فمنذ
البداية كان هناك تيارات في الحركة
الصهيونية تيار مثّله جابوتنسكي وخليفته
مناحم بيجن وإسحاق شامير، وهؤلاء يمثلون
اليمين الصهيوني المتطرف وهم يرون أن أرض
فلسطين والأردن أيضا موطن للدولة
الصهيونية، ولا يؤمنون بأي لغة تفاهم مع
العرب سوى لغة العنف، وقد عبر أكثر من واحد
منهم عن هذه الفكرة بقوله: إن أفضل العرب هو
العربي الميت!!
هناك
تيار آخر حاول أن يمثله
ناحوم غولدمان زعيم المؤتمر الصهيوني
العالمي، وبطل التعويضات الألمانية
لإسرائيل، وقد توفي عام 1982 وكان غولدمان
يتبنى وجهة نظر لا تختلف في جوهرها كثيرًا
عن الآخرين، ولكنه يرى إمكانية التفاهم مع
العرب ومحاولة ضمان حياد إسرائيل بين
المعسكرين الغربي والشرقي، وأن إسرائيل
يجب أن تلعب دورًا ثقافيًا في المنطقة
بمعنى أن تكون شبيهة بالفاتيكان، وأن تكون
القدس مركز إشعاع للثقافة اليهودية والفكر
اليهودي في المنطقة العربية، وهناك الآن
أحاديث من خلال إجراء لمحادثات تحاول أن
تعود إلى هذا الفكر مداورة وتتحدث عن سوق
اقتصادية كبرى في الشرق الأوسط، تلعب
إسرائيل فيها دور الهيمنة اقتصاديًا
وثقافيًا، يؤيد هذا الاتجاه بعض المفكرين
الإسرائيليين وبعض أساتذة الجامعات وحركة
السلام الآن.
المعروف
عنك اهتمامك بالمشكلة الكردية فما الذي
تراه مناسبًا لوضع نهاية لهذه المشكلة؟
هذه
المسألة يجب أن توضع في نصابها؛ فالأكراد
جزء لا يتجزأ من هذه المنطقة عاشوا فيها منذ
أجيال طويلة جدا، وساهموا مع العرب في
إعمارها، ولا يجوز أن ننظر إلى الحركة
الكردية بمنظار تعصبي أو عنصري، فالظلم
الذي يقع على الأكراد يقع مثله على العرب،
ولا بد من حل مشكلة الأكراد أو مشكلة العرب
ضمن إطار الديمقراطية وحقوق المواطنة
واحترام حقوق هذه الأقلية العرقية،
وتمكينها من تعلم لغتها، وأن تعيش تقاليدها
وثقافتها ضمن الوطن العربي الذي هو الإطار
العام والذي يتسع لها كما يتسع لغيرها.
ثقافة وفن |