بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

مع اللاجئين.. يكتمل المشهد الحزين

صنعاء-محمد عبدالعاطي


ربما أنت مثلي.. لم تَعُد تحتمل أن تسمع أو تقرأ عن مأساة جديدة من مآسي عالمنا الإسلامي.. ولكنيّ أستسمحك.. هذه المرة فقط.. فالحمل ثقيل.. وعتابهم عليَّ جَدُّ كبير.. ومأساتهم أوشكت أن تدخل كهف النسيان المريع.. مأساة امتزجت فيها خيوط السياسة المتشابكة بخيوط الاقتصاد المتهالكة.. وجاءت قصص المشردين واللاجئين في خلفية الصورة ليكتمل المشهد الحزين..

إنه حقًّا مشهد حزين، ومع ذلك – بعد أن أذنت لي - سوف أطلعك عليه.. فأقل ما نقدمه لهم هو أن نتعرّف عليهم.. إنهم اللاجئون الإريتريون

مسلمون؟.. نعم مسلمون ولكنهم منسيون..!!

عددهم تجاوز الـ 750 ألفًا.. يمثّلون حاليًا واحدًا من أكبر تجمعات للاجئين المشردين في العالم..

المكان  : جنوب اليمن والسودان.

والزمان : هذه الأيام.

البيوت  : بعضها مبني من الطين الذي تعلوه حزم القش المتجمعة على هيئة مخروط، وبعضها من صفيح الزنك الذي رسم الصدأ عليه أبيات شعرية من قصيدة القهر والفقر الخالدة.

جاءوا إلينا.. في عيونهم نظرات شاردة.. وعلى وجوههم الطيبة خطوط عميقة لكنها قديمة..

يتكلمون العربية.. ومع ذلك لم يسمع بهم أبناء العربية..

سألْنا أحدهم: كيف حالكم؟

فكان هذا التحقيق ..

كنا ونحن صغارًا ندعو لهم.. وعندما صرنا كبارًا نسيناهم..!!

        هل تتذكرون؟

هل تتذكرون زمانًا كانت المساجد في عالمنا العربي تدعو في قُنوتها: اللهم انصر المجاهدين في إريتريا..؟

والآن هل تعرف عددهم؟ أنا أخبرك حتى لا أسبب لك مزيدًا من الحرج.. العدد تجاوز الـ 4 ملايين نسمة.. ثلاثة ملايين منهم مسلمون.. والبقية موزعة بين المسيحية والوثنية الأفريقية المشهورة.. هذه الملايين الأربعة تعيش فوق مساحة تزيد قليلاً عن 121 كيلو مترًا مربعًا، وتحتل موقعًا استراتيجيًّا مهمًّا عند مدخل البحر الأحمر، وتبعًا للتقسيم الإداري فإن إريتريا تضم 8 محافظات 5 منها تسكنها أغلبية مسلمة، تزيد نسبتها عن 95 % والثلاث الباقية يتقاسم العيش فيها المسيحيون والمسلمون.

لا ندري هل جاء هذا التوقيت قدرًا أم كان من ألاعيب السياسية الدولية التي نسج خيوطها خفافيش الظلام بقيادة الإمبراطور الإثيوبي السابق هيلا سيلاسي.. المهم أن هذا الرقم يمثل في ذاكرة الشعوب العربية والإسلامية ذكري أليمة.. الرقم هو 1967 .. في ذلك العام .. هجمت أنياب الوحش الصهيوني على الجسد العربي فمزقته دون رحمة.. وابتلعت في قسوة قطعاً من مصر والأردن وسوريا ولبنان إضافة إلى كبد أُمَّنا فلسطين.. هذا ما حدث في شمال العالم العربي.. أما ما حدث في الجنوب الشرقي منه فكان شيئًا متشابهًا..

سيلاً من الدموع

في عام 1961م قاد المجاهد حامد إدريس عوَّاد ثورة شعبية للتخلص من الاحتلال الإثيوبي لبلاده.. واجتمع الشعب الإريتري حوله يحدوهم الأمل في لحظة يستنشقون فيها عبير الحرية بعد عقود من أدخنة الإمبراطور هيلاسيلاسي الخانقة.. وكادت الثورة أن تنجح لولا دعم الاتحاد السوفييتي لصديقهم الحميم سيلاسي.. فكانت النتيجة التي فجَّرت سيولاً من الدموع جرفت في طريقها كل ما عرفته البشرية من ألوان الرحمة.

اتبع سيلاسي مع الثوار ومن أَيَّدَهم من أهالي القرى والمدن المسلمة أو حتى تعاطفت معهم سياسة الأرض المحروقة.. فبدأ بقتل الحيوانات وإحراق الزرع حتى جاع الناس.. ثم راحت رصاصته الغادرة تحصد تلك الأكباد الجائعة.. وأحذية جنوده المهينة تدق تلك الهياكل العظمية التي لم تعد تقوى على السير..

بدأت أفواج الهجرات الأولى مع مطلع عام 1967م.. خرجت النساء يحملن أولادهن الرضع فوق ظهورهن.. كان المنظر مؤثراً - أو إن شئت الدقة - فقل .. باكيًا.. الدموع متحجرة في العيون.. والعيون نفسها كانت تلتهم الرؤية بطريقة نهمة.. كأنما كانت تحاول أن تختزن صور الوطن الحبيب في الأعماق لأيام قادمة لا يدري أحد فيها هل سيعود إلى مراتع الصبا ومواطن الطفولة أم لا..؟!

أما الرجال فكانوا يسيرون في صمت.. صمت مهيب.. يحملون في أيديهم بعض الملابس البالية.. وكِسْرات من الخبز الجافة.. وأوعية من ماء الوطن..

حطًّوا الترحال بعد أيام من السير تحت وهج الشمس الحارقة.. وفوق الرمال الملتهبة..

كانت السودان هي بيت الأخت الكبرى.. التي استقبلتهم في شرقها بكرم ممزوج بشفقة عجيبة..

بنى لهم شريك القاتل "الأمم المتحدة" معسكرًا في ولاية القضارف شرق السودان.. ليكون نواة لاستقبال بقية المهاجرين.. وبعد فترة كان المعسكر معسكرات.. أسموها معسكرات سمسم.. وكان المهاجرون 750 ألفاً..!!

ومن هناك.. من معسكرات سمسم.. حدثونا بصوت تخنقه العبرات عن أرغفة الخبز الجافة التي ترميها لهم مفوضية شؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة.. وعن الملاريا التي تفتك بأجسادهم ولا يجدون علبة دواء تقيهم موجات الألم.. وعن رغبتهم في تعليم أولادهم تخلصًا من ذل الجهل ومرارة الأمية.. وعن.. عمَّا هو أشق على النفس وأصعب.. عن الشوق والحنين إلى أرضهم التي خُلقوا فيها.. وأمنياتهم في أن تدفن أجسادهم حتى وإن كانت  - كما يراها العالم – نحيلة من الجوع.. فيها..   

عدنا ورجعنا

سألتهم: لماذا لا تعودون؟

فقالوا: عدنا.. ورجعنا..!!

لماذا..؟!

قال أحمد حسن صدّيق – أحد هؤلاء اللاجئين الإريتريين الذين يعيشون في معسكر الخوخة التابع لمحافظة الحُديّدَة في اليمن: بعد استقلال إريتريا عن إثيوبيا وتولي أسياس أفورقي الحكم استبشر اللاجئون خيراً.. وقالوا علَّنا نجد في ظل الجمهورية الوليدة ما لم نجده من قبل في عهد هيلا سيلاسي ومنجستو هيلا مريم .. فرجع قرابة 25 ألفًا من معسكرات سمسم وأَلْفاو، وحينما حاول البعض إثنائهم عن فكرة العودة وتحذيرهم من الأوضاع في إريتريا قالوا: .. لن نجد الوضع في بلادنا أسوأ مما نحن فيه الآن ..

من معسكر إلى معسكر

وكانت المفاجأة غير السارة.. خرجوا من معسكر فدخلوا معسكرًا آخر..أعدَّه أفورقي لاستقبالهم.. تساءلوا.. هل سيسمح لنا بالعودة إلى مدننا وقرانا؟!!.. فكانت الإجابة المريرة كلا..

أعادوا التساؤل: لماذا؟! فلم يجبهم أحد!!

لكن الحقيقة كما يقول صديق هي أن الحكومة أرادت أن تطبق سياسية العزل حتى تحقق هدفين؛ الأول: هو ما علمته حكومة أفورقي من تنامي ظاهرة التدين والتأثر بالصحوة الإسلامية داخل معسكرات اللاجئين، سواء في السودان أم في اليمن أم في الصومال، وخشيت الحكومة من انتقال تلك الصحوة إلى بقية السكان، مما يؤثر على استقرار حكم أقلية التجري الأرثوذكسية المتطرفة والتي اختارت أفورقي ليكون واجهة لها.

الأمر الثاني: الذي هدفت الحكومة إليه من عزل اللاجئين في معسكرات خاصة بهم وعدم السماح لهم بالعودة إلى مدنهم وقراهم؛ هو ممارسة وسائلها المعروفة لإفسادهم أخلاقيًّا عن طريق الأفلام الجنسية والاختلاط المبتذل لفتيات شبه عرايا.. وهذا – كما يقول صديق – هو النهج الذي اتبعوه على مدى السنوات الثلاث الماضية، والذي كان يثبت ولاءه للنظام عن طريق التمادي في الفساد الخلقي "يفرج" عنه ويسمح له بالانخراط في المجتمع!!

هذه المرة كانت هجرة بلا أمل في العودة.. هجرة تمَّت تحت شعار.. وظلم ذوي القربى أشد مرارة..

تسلل الآلاف من هؤلاء المهاجرين من داخل معسكرات أفورقي سرًّا.. مختبئين تحت ستائر ظلام الليل.. سائرين آلاف الأميال حتى وصلوا إلى الحدود السودانية منها استطاعوا العودة إلى معسكرات سمسم وألفاو فكانت جدرانها الصفيح أحن عليهم من وطن يحكمه الطغاة..

كدت أن أغلق الملف.. عزيزي القارئ.. حياءً منك لأنني أطلت عليك لولاها.. نعم أصدقك القول.. هي التي أصرَّت عليَّ ألا أغادر الخوخة عائدًا إلى صنعاء إلا بعد أن تخبرني بقصتها.. في البداية ظننتها في حاجة عاجلة للمساعدة المالية.. لكن منعني من الإسراع بإعطائها نظرات العزة التي في عيونها.. فتوقفت أستمع إليها.. فقالت: أنا شراع عبدالقدوس.. أبي يعمل في إريتريا تاجرًا .. ونحن ثلاث بنات نعيش داخل هذا المعسكر.. هرَّبَنا والدنا إلى هنا خوفًا علينا من التجنيد الإجباري وما فيه من ..

سكتت البنت وخنقتها العبرات.. فالتفت إلى مرافقي أحمد حسن أسأله عن تكملة القصة فقال.. هذا نموذج واحد من آلاف النماذج الموجودة في معسكرات الإريتريين سواء في اليمن أم في السودان.. حيث تختزن ذاكرة هؤلاء البنات ذكريات أليمة أثناء محاولة الجبهة الشعبية الحاكمة في إريتريا تجنيدهن إجباريًّا.. سواء من عملية الانتزاع التي تتم عنوة من وسط الأهل.. أو أثناء الإقامة في معسكرات الجيش المختلطة.. وما يتم فيها من فاحشة..

اكتفيت بكلمة فاحشة التي وقعت على مسمعي كالصاعقة.. لم أستطع أن أتابع تفصيلات القصة.. فنفسي لم تَعُد تحتمل سماع مزيد من مآسي عالمنا الإسلامي.. تماماً مثل نفسك – أخي القارئ – لكن ما حيلتنا.. مادامت هناك أفواه جائعة وقلوب موجَعة.. وآمال ضائعة.. ومادامت لنا آذان واعية.. فلابد لنا من أن نستمع.. وهذا أقل ما نقدمه لهم.. فقط أن نستمع.. أم أن السماع أصبح في هذا الزمان سلعة غالية؟!!  

 

اقرأ حول الموضوع:

اللاجئون الفلسطينيون في لبنان بين نارَي الطائفية السياسية والمفاوضات الفلسطينية

توطينهم في العراق هل يحل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين؟

قرأ في نفس الزاوية:

"في تاريخ بني إسرائيل"

 

ثقافة وفن

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع