بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

الأدب مرآة

أحمد الأديب


الأدب مرآة .. مرآة من قمة رأسه إلى أخمص قدميه ..

الأدب مرآة تعكس ما احترق من مشاعر في أعمق جوانح الأديب فتلتهب شعرًا ثائرًا ونثرًا هائمًا وأفكارًا تتخذ من الكلمات مراكب ومن الأوزان حداء، وتمضي بانفعالات لا تتسع لها أجواز الفضاء..

مرآة.. تثور وتهيم وتطير وتحدو، وهي تُلْقِي بإشعاعاتها ما بين رؤوس الأقلام وأحضان الأوراق، وتصقلها الكلمات - إن صدقت - فترى قلب القارئ يخفق مع قلب الكاتب دون أن يلتقيا.. ووجدانه يهتز مع وجدانه دون أن يتعارفا.. أم إنه التعارف الأعمق أثرًا واللقاء الأطول أمدًا من التعارف التقليدي بين العباد والتلاقي المرئي بين الأجساد !..

الأدب مرآة.. مرآة من قمة رأسه إلى أخمص قدميه..

مرآة لا تتردد في أن تعكس صورًا من واقع الحياة.. دون رتوش، فتكشف ما توارى خلف أستار من جلمود الإحصاءات، وجليد الأرقام وزيف التصريحات والبيانات ..

مرآة.. تجول حول ما تقمَّص في البحوث والدراسات، شخصية باسمة على الدوام كأن ليس في حياة الناس آلام وأحزان، أو ما تشبَّث ببروج المنجمين تشاؤمًا وإنذارًا كأن ليس في حياة الناس بسمات وأفراح.. حتى تغوص الحروف الأدبية في أعمق أعماق النفوس وتسبر أغوار القلوب.. وتنقل من وراء الأرقام والأنباء إلى العلن ما كان أسرارًا وما أراد أصحابها أن تبقى أسرارًا، وتبثُّ على الملأ آهات كانت محظورة ومكبوتة وراء قضبان الحرمان، وفي زنازين من صنع عدم مبالاة الأهل بالأهل والأخ بالأخ.. والإنسان بالإنسان..

مرآة تعكس الحروف الأدبية فيها كل ما يسقط عليه شعاعها، فيستحيل إلى قصة على الألسنة، أو رواية على الشاشة أو قصيدة على الأوتار، وتكشف الحقائق للبصائر والأبصار.. طالما كانت ظاهرة بيّنة.. لولا حجاب الأوهام، وتفتح للنجاة مخارج.. طالما كانت تلوح في الآفاق.. ولا تخطو الأقدام نحوها فلا تبلغ مداها.

مرآة.. حيثما تمزج الريشة الأدبية المعاناة بالأمل والمواساة، وتخلط السعادة بالتفكير والروية، وتجمع بين قلوب بائسة يائسة وأخرى كانت تحسب السعادة في ألا تبصر ولا تسمع ما قد ينغص عليها فرحة غامرة، وهي تدرك أو لا تدرك أن فرحتها شطر ضاع عنه الشطر الآخر، ووجه على ميدالية امَّحى وجهها الآخر..

وهل للأجساد.. سائر الأجساد أن تنبض بالحياة لولا مرايا الأدب المحدّبة والمقعرة، إذا ما تناثرت في كل زاوية من الزوايا ووراء الجدران، وفي كل قصر من القصور وداخل الأكواخ؟!..

الأدب مرآة .. وأي مـرآة .. شـريطة أن يكون الأديب الحرّ .. ملتزمًا، وقلمه الطليق .. منضبطًا، فتراه فقيًرا مع الفقراء، ثريًّا مع الأثرياء، سعيدًا مع السعداء، تعسًا مع التعساء، يأبى الحياة وحيدًا منعزلاً.. ولو أحاطت به " النخبة " من عشاق الوحدة والانعزال .. ويأبى أن يحرمه أي برج عاجي مصقول الجدران من مداد قلمه وألوان ريشته .. وإلاّ .. فهل من مداد ينسكب إلا  بمقدار ما تسكبه حنايا الناس في حنايا القلم وأصابع مرتعشة تمسك به؟! أم هل من ألوان تزهو في لوحة من قوس قزح في أفق مشرق إلا إذا امتزجت على ريشة فنان مبدع انغمست في سحب داكنة تحجب الآفاق ؟!..

الأدب مرآة .. فيها الأبيض والأسود وسائر أجنحة الطيف .. فلا يرى الرائي فيها إلا أقلامًا تمتطي الأجنحة لا دفاتر الحسابات ..

مرآة.. تصدع بسائر ألحان الحياة على سائر الأوتار .. فلا يحلق الضارب في سمائها إلاّ بأجنحة الأمل والألم، والفرح والحزن، والبهجة والغصة .. لا بتجليد فاخر لكتب خاوية وأنغام راقصة على جراح شاكية .. فيها الحق والباطل، والعدل والظلم، والابتسامات والدموع، والبيان والخداع، وما كان للإبداع أن يكون إبداعًا ويرتفع بالمبدع إلى العلياء إلا إذا انطلق من رسف القيود انطلاقة عملاق يحطمها بكلماته ، ومن الطرق المسدودة رائدًا بنوافذ يفتحها بتحدياته، ومن دجى الظلمات منارة بأضواء ينشرها باستشرافاته .. وما سقط من علياء الوهم واهم حالم إلا إذا أغمض عينيه عن القيود والسدود والظلمات، وصوَّر أحلامه وأوهامه وكأنّها هي الحياة النابضة في عالم لا يعرف فيه إلاّ ملائكة لا يظلمون، وبؤساء لا يعبسون، وعبيدًا لا يشكون، وأمواتًا لا يدفنون !..

الأدب مرآة .. فإن لم يتخذ الأديب من أدبه مرآة لسائر ما يلمح من صور حوله اضمحلَّت صورته هو فيها، فلا ترى له في مصقول وجهها أثرًا ولو سمعت له ضجيجًا وصخبًا.. وإن عكس الأديب من خلالها ما في عالم قلبه الفسيح من نبضات حية، وما حوله في العالم الفسيح من حياة نابضة، فلترتفعنّ هامته إلى العلياء.. في كل مرآة، ولتصلنّ به إلى آفاق نائية.. أو كان يحسبها نائية، فقد طوى قلمه المسافات الشاسعة وقفز من فوق الأزمان المتطاولة .

 

اقرأ أيضا:

      q        أدب المقاومة

      q        الأدب… في اللغة والثقافة

إقرأ في نفس الزاوية:

التطبيع (ثعلبُ شوقي)

إتحاف الأعزة.. في تاريخ غَزَّة


ثقافة وفن

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع