بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

خرائط صومالية(1) قلقة!!

-منير عتيبة-


تنتمي رواية "خرائط"([1]) للأديب الصومالي "نور الدين فراح"([2])، إلى ما يسمى برواية "التكوين"، وهي الرواية التي تتمحور حول فترة التكوين النفسي والعقلي للبطل..والرواية رغم ضخامتها (350 صفحة من القطع المتوسطة) إلا أنها تبدأ وتنتهي من نقطة واحدة وهي ما يتذكره البطل في لا وعيه عن مولده ونشأته وتطوره الجسماني والنفسي والفكري.

فبطل الرواية "عسكر" ولد يتيم الأبوين، مات أبوه قبل مولده بشهور، وماتت أمه وهي تضعه، وأوكل عمه المزواج "قروح" تربيته إلى "مصرا" الفتاة الأثيوبية التي يطمع في شبابها وجمالها معظم رجال القرية وعلى رأسهم "قروح، و "وردان" معلم الأطفال في كتَّاب القرية.

تمثل "مصرا" لـ "عسكر" كل شيء في حياته، فهي التي تعهدته بالتربية من أول يوم ولد فيه وحتى بلوغه السادسة من عمره، ولم يكن اهتمامها بتربية جسده فقط، بل لعل تأثيرها في تكوين عقليته وروحه كان أكبر، فقد كانت تعامله كرجل، وكانت تحكي له كل ما تعرفه من حكايات وأفكار ومعلومات، تنتمي كلها إلى ما يسمى بالأدب الشعبي.

وفي سن السادسة انتقل عسكر للعيش مع خاله "هلال" الأستاذ بالجامعة، وزوجته "صلاتو" المُدرِّسَة.. كانت النقلة هائلة.. فمن قرية في منطقة أوغادين إلى مدينة مقدشيو العاصمة.. من "مصرا" الساذجة ـ التي يمكن اعتبارها رمزاً للقارة الإفريقية في سذاجتها وطيبتها وعراقتها ـ إلى "هلال" و"صلاتو" المثقفين.

يعيش عسكر في سن المراهقة صراعاً نفسياً كبيراً محوره: هل يلتحق بالجامعة أو "بجبهة تحرير الصومال الغربي" التي تهدف إلى تحرير منطقته ـ أوغادين ـ من الأثيوبيين؟ وهل سيكون أكثر فائدة لبلاده وهو في الجامعة أم في الجبهة؟ وأيهما مكانه الحقيقي الذي لا بد أن يكون فيه ليجد ذاته ويتصالح مع نفسه؟

الرواية ضخمة وثرية، ويمكن عرضها بأكثر من طريقة، ومن زوايا رؤية متعددة.

لكن القلق هو السمة الرئيسية والغالبة على الرواية.. القلق الذي يصاحب أفكار ومشاعر طفل ومراهق يطرح على نفسه عشرات الأسئلة الميتافيزيقية والوجودية، بالإضافة إلى أسئلته حول ذاته وتاريخه ومستقبله.. والقلق السياسي الذي تتسم به الخريطة السياسية للقارة الإفريقية عمومًا، ولمنطقة أوغادين خصوصًا ـ مسقط رأس البطل ـ والتي تدور حولها الحروب فتصبح جزءًا من الصومال بعض الوقت، وجزءًا من أثيوبيا وقتًا.

نلاحظ القلق حتى في بناء الرواية ذاته.. فأسلوب الرواية يجنح إلى اللغة الشاعرة ذات الكثافة العالية، وهي لغة بطبيعتها مشعة تحتمل معاني كثيرة وتثير نوعًا من القلق حول المعنى المقصود بالذات، كما أن الأحلام تتواتر بكثرة في الراوية بغموضها واهتزاز الصورة فيها، وتكثر الجمل الاعتراضية في الرواية مما يشير إلى تداخل الأفكار التي يريد الكاتب ـ أو تريد الشخصية الروائية ـ التعبير عنها، وعدم استقرارها على فكرة محددة، وكذلك تداخل الضمائر، فالكاتب يقفز من ضمير التكلم حيث يحكي عسكر للقارئ عن نفسه، إلى ضمير الغائب حيث يحكي الكاتب للقارئ عن عسكر، إلى ضمير المخاطب حيث يحكي الكاتب لعسكر عن عسكر.. بالإضافة إلى استخدام الكاتب لتكنيك الوعي حيث يترك قلمه منساقًا حول الأفكار والمشاعر اللاوعية لبطله والتي يستدعي بعضها بعضًا.

فعل الكاتب كل ذلك عن قصد واضح، حيث ترك روايته تبني نفسها بنفسها أثناء كتابتها، ومن هنا كانت حيوية هذا البناء الذي يبدو مشوشًا، لكنه متسق تمامًا مع طبيعة الرواية وشخوصها وعلى رأسهم "عسكر".

السمة المهمة والواضحة في "خرائط" نور الدين فراح كذلك تتمثل في اهتمامه بالحياة الشعبية، والأفكار التي تحرك الناس البسطاء: السحر والتنجيم والزار والقدرية وعلاقة الإنسان بالجان وغيرها.. "فمصرا" كانت تجيد "التبصير باللحم" أي قراءة المستقبل في شكل قطعة لحم ساخنة ما زال الدم يقطر منها بعد قراءة "تعزيمة" معينة عليها!! و"كارين" صديقة مصرا يلبسها جان وكان يتحدث بلسانها أحياناً!! وبعض جيران هلال وصلاتو في مقدشيو يقيمون "حفلة زار" لطرد الجان الذي يسكن البيت وهكذا.

قد تنسى الكثير من التفاصيل الواردة في "خرائط" لكنك لن تنسى النهاية التي أعد لها الكاتب جيداً وطويلاً .. "فمصرا" تموت في ظروف شبه غامضة، ليست غامضة تماماً لأن هناك إشارات واضحة إلى الاستعمار الذي نهب القارة الإفريقية بعد أن فتتها، وإلى أبناء القارة الذين واصلوا ـ بعد الاستقلال ـ ما كان يفعله الاستعمار فيهم، فأخذوا يقتلون بعضهم بعضاً..!! وتشير النهاية إلى توجيه أصابع الاتهام إلى عسكر ممثل الجيل الجديد الذي تخلى عن مصرا ـ رمز القارة الإفريقية ـ ولم يجد البديل في الوقت نفسه حيث إن حياة هلال وصلاتو المثقفين لا تصلح بدلاً لاغترابهما عن حياة مصرا، ويؤكد المؤلف ـ في ملحوظة ذكية ـ عقم هلال وصلاتو واستحالة أن ينجبا ما دامت الخرائط السياسية والفكرية والاجتماعية والنفسية في القارة الإفريقية قلقة وغير مستقرة، ومهددة بالتغير المستمر بسبب الانقلابات العسكرية، والمجاعات، والحروب الإقليمية والأهلية، والمؤامرات الخارجية، والفقر والجهل والمرض.. إلخ.

ما دام ذلك كذلك فستظل رواية "خرائط" معبرة عن الواقع اليومي للقارة، تشرحه وتدينه.

أما إذا حدث تغير، وعرفت تلك الخرائط نوعًا من الثبات والاستقرار فستصبح "خرائط" تراثاً مهماً يؤرخ ـ بفنية عالية ـ لمرحلة مضت.

ولا أعتقد أنها ستصبح "تراثاً" إلا بعد قرن من الزمان أو يزيد!!

 

 

[1] تقف الصومال شاهداً على التفتيت الاستعماري للقارة الإفريقية والخرائط المهتزة، فالصومال الإيطالي كان مستعمرة إيطالية في إفريقيا الشرقية، والصومال البريطاني كان محمية بريطانية في الجزء الشرقي من إفريقيا على خليج عدن، وقد اتحدا معًا سنة 1960 ليشكلا جمهورية الصومال، وصوماليا منطقة في الجزء الشمالي الشرقي من إفريقيا تشمل جمهورية الصومال وجمهورية جيبوتي والجزء الجنوبي الشرقي من إثيوبيا (راجع موسوعة المورد الحديثة 1995 مواد الصومال: جمهورية الصومال الديمقراطية - الصومال الإيطالي - الصومال البريطاني - صوماليا)

[1] خرائط "رواية من الصومال" تأليف نور الدين فراح ـ ترجمة سعدي يوسف - الهيئة المصرية العامة للكتاب 1991

[2] نور الدين فراح: ولد في بيدوا بالصومال عام 1945، له خمس روايات قبل "خرائط" كما كتب قصصًا قصيرة ومسرحيات، وفاز سنة 1980 بالجائزة الأدبية لاتحاد الناطقين بالإنجليزية على روايته "حليب ولبن".

اقرأ في نفس الزاوية: 

القصة.. مِنِ "ابْنِ الدَّايَة" إلى "مَصْنَع الأكَاذيب"

 


ثقافة وفن

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع