|
نِعْمَ القرين .. وبِئْسَ القرين
أحمد الأديب
تبدأ
القصيدة كمعظم قصائد العصر الجاهلي بأبيات
الأطلال والغزل، فيقول مطلعها:
أَتَعرِفُ
رَسْـمَ الدَّارِ مِنْ أُمِّ مَعْبَـدِ
نَعَـمْ وَرَمـاكَ الشَّـوْقَ قَبْلَ
التَّجَلُّدِ
وفيها
البيت الشارد الذي نتحدَّث عنه هنا، ننقله
عن كتاب الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله : "
من شوارد الشواهد":
عَنِ
المَرْءِ لا تَسْأَلْ وَسَلْ عَنْ
قَرِينِهِ فَكُلُّ قَرِينٍ بِالمُقارَنِ
يَقْتَدي
والمعنى
الذي يريده الشاعر عن صلة القرين بالقرين
هو من المعاني التي أكثر العرب من التعبير
عنها في الأدب من نثر وشعر وأمثال وحكم
وغيرها، وفي كلمات البيت دعوة ضمنية إلى
حسن اختيار القرين، ويُصَرِّح الشاعر بتلك
الدعوة في البيت التالي من القصيدة نفسها:
إِذَا
كُنْتَ في قَوْمِ فَصاحِبْ خِيارَهُمْ
وَلا تَصْحَبِ الأَرْدَى فَتَرْدى
مَعَ الرَّدِي
ورغم
صلته بالمعنى المطلوب لم يذكر الطنطاوي هذا
البيت، ربما للضعف الظاهر في صياغة شطره
الثاني، وقد جاء ذكره في كتاب " أدب
الدنيا والدين " للماوردي. ولم يكن
الشاعر عديّ بن زيد العبادي –وهو من العصر
الجاهلي- شاعرًا من فحول الشعراء، بل نقل
خير الدين الزركلي صاحب " الأعلام " عن
الأصمعي شهادته بوجود ضعف في اللغة في شعر
عديِّ، ربما لطول إقامته في حاشية كسرى كما
يؤخذ من الأخبار الواردة من سيرته (1).
ولئن
كان عدي بن زيد يحذّر من الردى – وهو هنا
الهلاك - عاقبة لمن يصاحب القرين الرديّ ..
الفاسد، فإن التحذير أولى وأدعى إذا كانت
صحبة قرين السوء تؤدّي إلى الإغواء
والضلالة، فذاك ما يشدّد القرآن الكريم على
النهي عنه، مُبَيِّنا أن المدخل إليه هو
الغفلة، وأن عاقبته وخيمة في الدار الآخرة،
فيقول تعالى:
"وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا
فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ
(36( َوإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ
أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ
(37( حَتَّى إِذَا جَاءنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ
بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ"
(38) " [الزخرف]، وهذا
المشهد من يوم القيامة عن الحوار
بين الطرفين، لا سيما عندما يتخلّى
المُتَّبَوعون عن التابعين، كثير الورود
في القرآن الكريم الذي يحذّر من عواقب
اتخاذ شياطين الجنّ أو الإنس قرناء سوء (2)،
ومن الندم على ذلك يوم لا ينفع ندم، فيوم
ذاك يكون قد فات الأوان، ومضت دنيا كان
للإرادة البشرية فيها القدرة على
الاختيار، ومضى معها ما نقف في هذه السطور
عنده، من بعض ما تداولته وتتداوله الألسن
والأقلام عن القرين واختياره، ومن ذلك قول
بعض الشعراء:
صافِ
الكرامَ فخـيرُ مَن صافيتَه
مَـن كان ذا أدبٍ وكان ظـريفا
واحذرْ
مؤاخاةَ اللئيمِ فإنه
يُبدي القبيحَ
وينكرُ المعروفا
ويقول
آخر :
اجعـلْ
قرينَك مَـن رَضِيتَ فِعالَه
واحـذرْ مقارنةَ
اللئيمِ الشائنِ
واختيار
القرين الأصلح هو ممّا توحي به اللفظة
نفسها وفق ما ورد في لسان العرب عن مادة (
قرن ) أكثر من معنى (3)، فلا تعبِّر
الكلمة عن الجمع بين شيئين أو شخصين فحسب،
بل تعبِّر أيضـًا عن " العلوّ والرفعـة
"، ومن ذلك مثلاً قول العرب " قرن القوم
" بمعنى سيدهم، و"ذو القرنين"
المذكور في القرآن الكريم هو " صاحب
الجبلين في أمته .." على ما ورد في بعض
التفاسير، كذلك يتصل بمعنى العلو تسمية "
قرني الثور " وهما أعلى طرفين منه، وممّا
تقول العرب " ذرّ قرن الشمس" والقصد
أنّه ظهر الجزء الأعلى منها إذا أشرقت.
ومضى
بعضهم بقيمة الصحبة القويمة إلى مرتبة
متقدّمة في حياته، فقال:
سَلامٌ
على الدُّنْيا إذا لم يَكُنْ بها صَدِيقٌ صَدوقٌ
صادقُ الوَعْدِ مُنْصِفا
وسُئِل
عمرو بن العاص رضي الله عنه : ما بقي من لذة
الدنيا تلذُّه ؟ .. قال: محادثة أهل العلم،
وسئل المسيب بن زهير: ما مادة العقل ؟ أجاب:
مجالسة العقلاء. وينسب إلى الخليفة الأموي
سليمان بن عبدالملك قوله: ما أنا اليوم إلى
شيء أحوج مني إلى جليس أضع عني مؤونة
التحفّظ فيما بيني وبينه.
وكان
تجنَّب صحبة السفهاء ضربًا من ضروب المديح
والبرهان على رجاحة العقل، فأورد ابن قتيبة
في " عيون الأخبار " أنّه كان ممّا يوصف
به عبد الملك بن مروان: " ..وكان تاركا
لمحادثة اللئيم، ومنازعة اللجوج، ومماراة
السفيه، ومصاحبة المأبون..".
ومن
طريف المشاكلة قول أحدهم: من الجهل صحبة ذوي
الجهل، وقول آخر: من خير الاختيار صحبة
الأخيار ومن شر الاختيار صحبة الأشرار.
إنما
لا يخلو الأمر من " مآزق "، عندما يفرض
امرؤٌ نفسه على أحد العقلاء الطيبين، فلا
يملك سبيلاً مهذبًّا للتخلص منه، ولا يحب
الخروج عمّا اعتاد عليه من سلوك مهذب،
فيشقى بجليس ثقيل .. لمثله قال بعضهم دعابة:
لا تَكُن
ضيفًا ثقيـلاً
يَكْرَهُ النَّاسُ لِقـاءَك
لا تَكُن
عِبْئًا عَلَيْهـم
لا تُحَمِّلْهُـم عَنـاءَك
إنّ في
الفُنْـدُقِ مَأْواكَ
وفِي السُّوقِ عَشـاءَك
شأنه
في ذلك شأن من قيل في حضوره مجلسًا:
قَوْمٌ
إذا جَالَسْتُهُـم
صَدِئَتْ بِقُرْبِهِم العُقُولُ
لا
يُفْهِموني قَولَهُـم
ويَدِقُّ عَنْهم ما أَقُـولُ
وأطرف
من ذلك بيت ثقيل في هجاء ضيف ثقيل:
فما
الفِيْل تَحْمِلُه مَيِّتًا بِأَثْقَلَ مِنْ
بَعْضِ جُلاَّسِنا
وبعيدًا
عن دعابة الأدباء لابدّ من الإشارة على أن
هذا خلق منهيٌّ عنه، فورد في التوجيه
الرباني الكريم: " وَلكِنْ إَذا
دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فإذا طَعِمْتُمْ
فَانْتَشِروا " – [الأحزاب:53]
رغم
أن المرء لا يملك دومًا ألا يكون في صحبته
أو مجلسه قوم لا يريدهم، أو شخص لا يقبل
بمسلكه، تبقى شبهة عالقة، فالميول هي التي
تجذب الخلاَّن، وذاك ما يعرفه الناس
فيحكموا به على الخلّ من خلال معرفة خليله
أحيانًا، وهذا محور قول عديّ " وسل عن
قرينه "، وبهذا المعنى ورد في " جواهر
الأدب " للسيد أحمد الهاشمي بيتان من
الشعر يتفقان مع البيت الشارد لعدي بالمعنى
وقافية الدال، وهما :
وَلَنْ
يُصاحِـبَ الإنْسانَ إلا نَظِيرَهُ
وَإِنْ لَمْ يكونا مِـْن قَبِيلٍ
وَلا بَلَدِ
ومـا
الغَيُّ إلاّ أَنْ تُصاحِـبَ
غَاوِيًا وما الرُّشْدُ إلا أَنْ تُصاحِبَ ذا
رُشْدِ
ومن
الأمثال الحديثة الشائعة: إن الطيور على
أشكالها تقع، وردَّدت ألسنة العرب من القدم
أمثالاً أخرى في المعنى نفسه:
الأَضْدادُ
لا تَتَّفِقْ والأَشْكالُ لا تَفْتَرق ..
اعرف أخاك
بأخيه قَبْلَك ..
يُظَنُّ
بالمَرْءِ ما يُظَنُّ بقَرينِه ..
وفي
هذه الأمثال التنبيه إلى تجنّب أن يسيء
المرء إلى سمعته هو من خلال سوء سمعة من
يصاحب، فاختيار القرين مؤشر على خلق المرء
ومسلكه، وهو ممّا يتضـمنه معنى الحديث
الشـريف عن الجليس الصالح وجليس السوء، وما
يثبته حديث: "الأرواح جند مجندة فما
تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف"،
وقد استعار المعنى أحدهم في بيتين من الشعر
فقال:
|
إِنَّ
القُلـوبَ لأَجْنـادٌ
مُجَنَّـدَةٌ
|
للهِ
في الأَرْضِ بالأَهْوَاءِ تَعْتَرفُ
|
|
فَما
تَعارَفَ مِنْها فَهُو مُؤتَـلِفُ
|
وما
تَناكَـرَ
مِنْها فهو مُخْتَلِفُ
|
وشبيه
ذلك قول أحدهم:
|
لِكُلِّ
امِْرئٍ شَكْلٌ مَِن النَّاسِ
|
وَكُلُّ
امْرِئ يَهْوَى إلى مَنْ يُشاكِلُهْ
|
وسئل
أحد الشعراء عن شخص يلازمه فأجاب:
|
فَقُلْتُ
أخي، قاوا: أَخٌ مِنْ قَرابَةٍ
؟
|
قُلْتُ
لَهُم: إِنَّ الشُّكولُ أَقارِبُ
|
|
نَسَبِي
في رَأْيي وَعَزْمي
وَهِمَّتِي
|
وَإِن
فَرَّقَتْنا في الأُصُولِ
المَناسِبُ
|
ويقول
الكندي : الصديق إنسان هو أنت إلاّ أنه غيرك.
ولا
أعظم أو أبلغ أو أكمل من قوله تعالى عن
الأزواج: ( الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ
وَالْخَبيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ
وَالطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ
وَالطَّيبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ) - النور / 26 -
(1)
- هو عدي بن زيد بن حماد بن زيد العبادي
التميمي ، كما جاء في " الأعلام "،
اشتغل " ترجمانا " عند كسرى، وصاهر
النعمان بن المنذر في الحيرة، ولكن اختلفا
من بعدُ، فسجنه وأمر بقتله في السجن، وقيل
إن ذاك كان على الأرجح عام 35 هـ / 590 م.
ويستشهد الأصمعي على ضعف شعر عديّ بوصفه
للفَرس بالتتابع، وهي صفة تعني اللجاجة
والتهافت، فلا تستخدم في مدح الخيل، وينكر
أحمد أمين في كتابه "فجر الإسلام" ذلك،
ويطرح نظرية تقول إنّه ربما كان للعرب لغة
في الحيرة تختلف عن لغة قريش التي سادت بعد
أن نزل القرآن بها.
(2)
- قال تعالى في سورة النساء ( وَمَنْ يَكُنِ
الشَّيْطانُ لَهُ قرينًا فَسَاءَ قَريْنًا
)-الآية 38-، وفي سورة الصافات: ( قَالَ
قَائِلٌ مِنْهُم إنّي كان لِي قَرين )-الآية
51-، وورد معنى القرين بألفاظ أخرى، مثل
الصحبة (قِالِ لِصـاحِبِهِ وَهُوَ
يُحاوِرُهُ أنا أَكْثر مِنْك مالاً .. ) –
الكهف / 34- ،( إذ يقول لصـاحبه لا تحزن إنّ
الله معنـا ) - التوبة /40-، ومثــل الخلّـة (
يـا وَيْـلَتَـا لَيْتَـنـي لم أتخـذ
فلانـًا خليلاً ) - الفرقـان/ 28- (
الأَخِـلاَّءُ يَوْمَئذٍ بَعْضُـهم
لِبَعْضٍ عدُوٌّ إلاّ المُتَّقِين)- الزخرف
/ 67-، كما وردت لفظة الرفقة في موضع واحد هو
أعلى المراتب مع النبيين والصديقين
والشهداء والصالحين ( وَحَسُنَ أُولئكَ
رَفِيقًا ) - النساء / 69- ولفظة الصداقة في
موضع واحد أيضًا ( فمالنا مِنْ شافعين * ولا
صَديقٍ حَميم )- الشعراء / 101- وكذلك لفظة
الأخوة ( وإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُم في
الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرون ) - الأعراف / 202-
(3)
- يؤخذ من " لسان العرب " أن فعل قَرَنَ
يعني جمع شيئًا إلى شيء، ومن ذلك كلمة قرن
وقرون التي كان العرب يستخدمونها للتعبير
عن فترة زمنية من 30 أو 80 أو 100 سنة، فالمقصود
هو الفترة التي يرافقها قوم من الأقوام،
وهذا معنى ما ورد في مواضع عديدة من القرآن
الكريم، مثل قوله تعالى: (( ثُمَّ أَنْشأنا
مِنْ بَعْدِهِم قُرونًا آخَريْن ))-
المؤمنون / الآية 42 -، وفي الحديث الشريف (
خيركم قرني ثم الذين يلونهم .. ) عن صحابته
رضوان الله عليهم الذين "رافقوه" في
فترة حياته صلى الله عليه وسلم، وكان أبو
بكر وعمر رضي الله عنهما يوصفان بالقرينين،
كما يتصل بذلك اشـتقاق كلمة القِـرَان عن
الجمع بين الحج والعمرة، وكلمة القِـران عن
الزواج. وقولك " فلان قَرْن فلان، أي عمره
كعمره، وفلان قرن فلان في الشدّة أي مثله في
الشدة.
اقرأ
في بيت شعر شارد:
-
أبيات لها تاريخ
-
غربة الجسد والوطن
-
ولكن ألقِِ دلوك في الدلاء !
-
العبد والعصا..!
اقرأ في نفس الزواية:
كيف سَيْطر اليهود على الأدب الأمريكي؟!
ثقافة وفن
|