English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

الأم الإنسانة نماذج من الأدب الغربي

منير عتيبة

في المناسبات الخاصة مثل عيد الأم نقيم -بالمقالات والأغاني والخطب- تماثيل للأم من الأحجار الكريمة، تستحقها بالفعل؛ لكنها في النهاية تماثيل، لا روح فيها ولا حياة، تجعل الأم مجرد "نمط" وليس "إنسانًا"، "نموذجًا" وليس "كائنًا حيًا".. لكن الأدب الإنساني الصادق لم يقع في هذا الفخّ عندما تناول الأم، فالأعمال الأدبية الكبيرة التي جعلت من شخصية الأم محورًا لها تعاملت معها على أنها إنسان من لحم ودم، وليس مجرد نمط، وهذا سر عظمة العمل الأدبي، وسر حيوية شخصية الأم فيه.. سواء أكان الأدب عربيًّا أم غربيًّا.

ولأن الكثيرين كتبوا عن صورة الأم في الأدب العربي، فإننا نُعنى هنا بصورتها في الأدب الآخر "الغربي".

فرواية "الأم" للكاتب الروسي مكسيم جوركي تتحدّث عن أمّ غير مثقفة، حياتها محدودة ضيقة، فهي تبيع السندوتشات لعمال المصنع الذي يعمل فيه ابنها، هذا الابن منضمّ إلى جماعة ثورية تجتمع في منزله، والأم لا تفهم شيئًا مما يقولونه عن ظلم القيصر والفساد في الإمبراطورية الروسية، وضرورة توعية العمال بحقوقهم، وضرورة الثورة… إلخ، ويتم القبض على الابن بتهمة توزيع المنشورات، ويُفهِم زملاءُ الابن الأمَّ بضرورة قيام شخص بالمخاطرة وتوزيع المنشورات بين عمال المصنع أثناء وجود الابن في السجن حتى تتمّ تبرئته بدعوى أن شخصًا آخر هو الذي يوزع المنشورات منذ البداية، وتتطوّع الأم للقيام بالمهمة من أجل ابنها، فتوزع المنشورات مع السندوتشات، ويتطور وعي الأم مع الوقت، وتفهم حقيقة ما يسعى الابن إليه، فتصبح أمًّا لكل الشباب وليس للشاب الذي أنجبته فقط، حتى يتمّ القبض عليها في سبيل القضية التي آمنت بها، وهى تصرخ والعساكر يجرجرونها ويضربونها: "إن شعلة الحقيقة لا تنطفئ… ولا يمكن أن تُقتل النفوس التي بُعثت من جديد".

وفى رواية الأديب الفرنسي فرنسوا مورياك "أم".. نرى أمًّا تحب ابنها لدرجة تدمير شخصيته، فقد أحاطته بسياج سميك من المحبة والحنان، وكانت تقوم له بكل شيء حتى أفقدته شخصيته تمامًا، ولم يحاول أن يعثر على ذاته إلا في سن الخمسين عندما قابل فتاة ملائكية الصفات، فأحبها وتزوجها رغم معارضة الأم، لكن الفتاة لم تعش طويلاً بسبب معاملة الأم لها، فقد كانت الأم تخشى أن تستحوذ الفتاة على ابنها، لكن "روح" الزوجة الشابة الميتة تحيط بالابن وتلهمه قوة جديدة ليتخلص من سيطرة أمه عليه ليجد ذاته، وفى اللحظة التي تشعر فيها الأم بأن ابنها أصبح شخصية مستقلة بفضل ارتباطه بروح زوجته.. تبدأ هي في فقدان شهيتها للحياة وتعلقها بها، هنا نرى الأم المتسلطة التي تظن أنها تعطي الابن كل شيء في حين أنها تفقده ذاته، وماذا يفيد الإنسان لو كسب العالم وخسر ذاته؟!.

وتصور الكاتبة الأمريكية بيرل بك في روايتها "الأم" شخصية أم فلاحة راضية بكل شيء في حياتها، رغم الفقر الذي يحيط بأسرتها، في مقابل الزوج الساخط على حظه من الحياة لدرجة أنه يهرب ويترك أمه وزوجته وأولاده بلا عائل، وتعيش الأم/الزوجة في كذبة من اختراعها، مؤداها أن زوجها سافر إلى بلدة بعيدة، لأنه وجد عملاً أفضل، وذلك حتى تحافظ على كرامتها أمام أهل القرية، وتضطر للعمل في الحقول لتعول أسرتها، وتدخر من يوميتها الضئيلة مبلغًا ترسله بريديًّا إلى نفسها مدعية أنه من زوجها، وتعيش الأم/الزوجة/المرأة الشابة التي هجرها زوجها معاناة نفسية رهيبة، لدرجة أنها تسقط مرة مع وكيل صاحب الأرض التي تعمل فيها والذي فهم معاناتها واستغلها أسوأ استغلال، وتحلّ المصائب على الأسرة، وتؤمن الأم أن خطيئتها هي السبب، وتعمل على التوبة، والعمل على تماسك أسرتها، وعندما يكبر أولادها ويتزوجون وينجبون، وترى أحفادها وتلاعبهم تشعر أن حياتها في سبيل أسرتها لم تضع هباءً، وتشعر أن الله غفر لها ذلتها!!

ويقدم لنا الكاتب المسرحي التشيكوسلوفاكي "كارل تشابك" في مسرحيته "الأم" سيدة تفقد زوجها واثنين من أولادها في الحروب الأهلية، وتوشك أن تفقد أولادها الآخرين أيضًا لأن كلاً منهم ينتمي إلى معسكر مختلف، وإحساس السيدة بأمومتها يطغى على كل شيء، وتطلب من أولادها ألا يخرجوا للحرب، ولكن عندما يهدد البلاد عدو خارجي ويقرر الأولاد الذهاب للحرب من أجل بلادهم هذه المرة تنتصر الأم على أمومتها من أجل وطنها، وتترك أولادها يذهبون للدفاع عن الوطن.

وفى مسرحية "الأم شجاعة" يقدم لنا الكاتب الألماني "برتولد برخت" نموذجًا لأمّ تفعل أي شيء من أجل أبنائها، وهي تملك عربة طعام تنتقل بها بين المعسكرين المتحاربين، وتعمل على الاستفادة من ظروف الحرب لتكسب هي وأسرتها، إن الحرب تخرج أسوأ ما فيها كإنسانة، وهى لا تشعر بذلك لظنها أن هدفها النبيل وهو أسرتها كافٍ وحده ليبرر أعمالها، لدرجة أن أحد أولادها يقتل في الحرب، ولا تستطيع أن تبكي عليه حتى لا يعرف أحد أنه ابنها لأنها تتعامل مع الجانبين، فقد استخدم "برخت" أعظم مثال للمشاعر وهو الأمّ ليرينا كيف تفقدها الحرب إنسانيتها، لكي نقف جميعًا ضد الحروب ونمنعها مهما تكن أسبابها.


 

اقرأ في نفس الزواية:

الأم الإنسانة..  مُفْردات فلسطينية


ثقافة وفن

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع