English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 
عبــور
بقلم- منير عتيبة

        الصهد الطالع من قار الشوارع يُبخّر مياه القلوب، فتصبح الأجساد كأوراق جافة على أغصان توشك أن تسقط بمجرد نفخة هواء، عبد الرحمن هو الوحيد من كل الناس في الشارع الذي لا يشعر بجهنم منتصف أغسطس التي تشوي القلوب والوجوه والأجساد، مشغول هو بما هو أهم وأعظم، بالانقلاب الأخير الكبير، ما أجمل أن يصبح لحياتك معنى وهدف بعد عشرين عامًا من اللاوجود.. لن ينسى أبدًا جميل الأخ حسونة زميله في الكلية الذي عرفه بالأخ بدر.. الأخ بدر اسم على مسمى، أليس هو من أضاء في قلبه كل منابت النور، فأصبح يرى ما لم يكن يراه، ويشعر بما لم يخطر بباله، إنه قادر على الإحساس به يومًا؟ أليس هو الذي جعله يشعر بما وهبه الله من قدرة جبارة على تغيير شكل العالم وأخلاق الناس ليصبحوا جميعًا مثل الأخ بدر أو الأخ حسونة أو حتى مثله هو عبد الرحمن من الطيبين الأخيار؟ آه لو فقط يخلو العالم من الكفرة الذين ينتشرون في كل مكان كوباء خبيث يبدو أنه بلا علاج.. أو كان يظن أنه بلا علاج حتى التقى بالأخ بدر.. العلاج موجود، أشار إليه الأخ بدر، النصيحة، فمن تقبلها وصار منها كان له ما لنا وعليه ما علينا، ومن أعراض عنها، ولم يصدع بما نأمره به من الحق والخير فذلك أمره موكول إلى الشبان الأطهار الأقوياء أمثال عبد الرحمن.. لم يصدق عبد الرحمن نفسه.. أنا سأغير العالم.. لن يبقى فيه كافر واحد أو مشرك بل حتى لن أقبل بوجود واحد عاصٍ.. بيب..بييب.. بييييب.. تراجع عبد الرحمن بسرعة.. فرق ثانية واحدة كان سيجعله تحت عجلات العربة الجيب المجنونة.. وقف على الرصيف ذاهلاً.. قبل أن تتداعى إلى ذهنه أفكار الموت والحياة والشهادة، والفقر الذي يجعل مثله ممن يحملون رسالة التغيير يمشون على أرجلهم، والغني الذي يجعل الشباب العابث الذي لا يحمل أي شيء سوى الدولارات والبانجو يركب السيارات الأمريكية الفخمة.. قبل أن يفكر في أي شيء التقط نفسًا عميقًا ثم أخرجه بسرعة من صدره فقد كان الهواء نارًا نظر إلى يمينه التفاتًا فرآها.. جذبته ملامح وجهها.. ولم يمنع نفسه من التحديق.. عاد عبر ملامحها إلى قريته النائمة في حضن الدلتا.. وإلى جدته النائمة الآن وهي جالسة على أريكتها في صالة الدار في قيلولة اعتادتها منذ عدد من السنين لا يقل بحال عن تسعين.. كأنها هي.. تجاعيدها تنضح بالصفاء.. بهاء طفولي غريب يرونق نظرة عينيها.. جسدها ينكمش في بعضه يتداخل.. ستصبح في النهاية ككرة من لحم لو استمر انحناء ظهرها لعدة سنوات أخرى.. نظرت نحوه عندما رأته يحدق فيها.. ابتسمت أخيرًا.. فُتحت إشارة المرور.. همَّ عبد الرحمن بالعبور.. ثم تراجع عندما لاحظ الكيس البلاستيك الكبير على الأرض.. مدت يدها لتحمله.. فسبقها وحمله عنها.. كيف يمكن أن تحمل هذا الكيس الثقيل؟ خطا خطوة إلى الأمام وهي بجواره.. رفع قدمه ليخطو الخطوة الأخرى.. سيارة مجنونة تكسر الإشارة وتمرق بسرعة الضوء.. يمسكها من يدها بسرعة حتى لا تعبر.. يبدو الهلع في ملامحها.. يمسك يدها بقوة وحنان.. تطمئن إلى سلامتها.. يطمئن أنها اطمأنت.. تمتمت "يباركك ربنا" يدها صغيرة للغاية كيد سماء ابنة أخيه فهمي.. لكن يد سماء طرية.. نظر إلى يدها.. لاحظ الحفر الأخضر في رسغها الأيمن.. شُلّ تفكيره.. أعطى يديه أمرًا بترك يدها وإلقاء الكيس في الأرض.. لكنه لم يستطع أن ينقذه.. الجدة تستيقظ الآن من قيلولتها وتلاعب سماء. الجدة تضحك.. يرى ضحكة الجدة في تجاعيد السائرة بجواره.. يشدد قبضته على يدها.. يبتسم ردًا على ابتسامتها.. يقرر أن يوصلها إلى البيت.

إقرأ في نفس الزاوية: تصدير واستيراد



ثقافة وفن

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع