|
الحج والأعياد... في السينما
محمد
عبد الفتاح
إذا
كانت السينما المصرية منذ نشأتها الأولى،
لجأت إلى الصحراء، وفروسية وأخلاق العرب،
وقدمت عددًا كبيرًا من الأفلام عبر تاريخها
الطويل، مرتبطة بالعادات والتقاليد والقيم
العربية.. فإنها بالعكس، لم تعطِ لأعياد
وشعائر الإسلام الكثير من اهتماماتها.
وكانت
هذه المناسبات تأتي عرضًا، في سياق الموضوعات
التي تقدمها، ورغم أهمية المناسبات
الإسلامية.. كعيدي: الأضحى والفطر، فإن
السينما لم تستفد من دلالتها، وتؤكد على
أهميتها في حياة الإنسان.
ولعل
فرائض أخرى كثيرة ظهرت في بعض الأفلام
كالصلاة.. فنحن نرى البطل أو الأم –خاصة
الكبيرة في السن- على سجادة الصلاة، مصلية أو
داعية. وظهرت "الزكاة" أيضًا؛ أحيانًا
لتؤكد على شفافية المزكي، أو لتفضح نفاقه
ورياءه، وأنه يستخدم هذه الفريضة للادعاء
والتظاهر بحالين فيه مثل فيلم "رصيف نمرة 5 – إخراج نيازي مصطفى- 1956م".
والصوم لعله أقل الفرائض التي ظهر
أبطال السينما المصرية وهم يمارسونها..
لعل أشهرها فيلم: "في بيتنا رجل –إخراج
بركات- 1961م". أو إظهار هدوء الشوارع وخلوها
من الناس لحظة الإفطار – في شهر رمضان.
أما
فريضة الحج، فلعلها أكثر الشعائر ارتباطًا
بالتغيير الذي يصحب الإنسان العائد من الحج،
وقد تخلَّص من ذنوبه، وكأنه ولد من جديد.
*
مشاهد من الحج *
وقد
تعاملت السينما المصرية مع الحج كثيرًا،
باعتباره فريضة مخلّـصة، تغير وتبدل
الإنسان، وتجعله بداية لحياة جديدة، تحجب
حياته السابقة بكل ما فيها من ذنوب وآثام.
ولعل
صعوبة تصوير مناسك الحج، في وقت أداء الفريضة
ذاتها، وتصوير الأبطال، الذين يفترض أداؤهم
هذه الفريضة، قد دفعت المخرجين إلى التعامل
مع هذه الفريضة بأكثر من طريقة.
فهناك
نوع من المخرجين يتعاملون مع الحاج الذاهب
باحتفال فيقدمون ذهابه من خلال احتفالية تليق
بجلال المناسبة، وفرحة الأصدقاء والأحباب..
كما نرى في فيلم "بنت الأكابر –إخراج
أنور وجدي- 1953م"، وفيه نسمع أشهر أغنية حج
غنتها ليلى مراد وهي:" يا رايحين للنبي
الغالي".
وهناك
من المخرجين الذين حالوا الربط بين مناسك
الحج الحقيقية، والمواقف التمثيلية لأبطاله،
وإظهارهم بمظاهر الإحرام وكأنهم يؤدون
الفريضة. فيعمد إلى تقديم لقطات تسجيلية/أرشيفية
لبيت الله الحرام، ويحاول أن يضمنها من خلال
"اللصق"، "المونتاج" مشاهد تمثيلية
لأبطاله، وكأنهم يؤدون مناسك الحج حقيقة – كما نرى في فيلم: "المصري
أفندي" إخراج حسين صدقي- 1949م.
وهناك
نوع آخر، يعطينا تأثير الحج على الإنسان
العائد من الحج، كما نرى في فيلم "دهب –إخراج
أنور وجدي- 1953م". فنحن نرى الراقصة السابقة،
وقد تغيَّرت تصرفاتها وطريقة كلامها، وحتى
طريقة تعاملها مع الناس، وأيضًا ملابسها، كما
غيَّرت نظرتها إلى الحياة الدنيا، فلم تعد
تهمها بعد أن اقتنعت "بأن الدنيا رايحة
باللي عليها" ولم تعد تطلب سوى "حُسن
الختام".
وفي
نفس الوقت نرى أيضًا تأثيرًا مغايرًا لمفهوم
"العودة من الحج" على الذين يذهبون لأداء
هذه الفريضة.. فإذا كانت هي حجة للتوبة وغسل
ذنوب الإنسان، كما في دهب، وانتظار النهاية،
فإن الحج في فيلم: "توحة –إخراج
حسن الصيفي- 1958م" هو بداية لحياة جديدة
سليمة بعد أن تطهر الحاج.
وقد
يأتي الحج أيضًا لإنقاذ النفس الإنسانية من
الأخطاء والمعاصي والآثام الكثيرة التي
يرتكبها الإنسان، الذي عاش حياته وكأنه باعها
للشيطان! كما في فيلم" "المرأة التي غلبت
الشيطان –إخراج
يحيى العلمي- 1973م".
الحج
يأتي كخلاص من حياة مليئة بالشرور والفساد،
وبداية لحياة إنسانية جديدة .
*
أنماط وشخصيات *
وقد
تعاملت السينما المصرية مع هذه الفريضة
بالذات، وتأثيرها على مختلف الأنماط
والشخصيات التي ذهبت للحج.
فهناك
الفقير، والباشا، ورجل الأعمال، والراقصة..
وبالتالي تختلف توجهات كل منهم، وتأثير الحج
عليهم. فالباشا يذهب من أجل "الوجاهة
الاجتماعية"، ويعود دون أن تتغير نظرته إلى
الحياة، ولا يفقه درس المساواة في الحج،
ويعود وهو مؤمن -كما ذهب- بوجود الفوارق
الطبقية بين البشر.
وهناك
أيضًا الثريُّ، الذي يذهب مُكفَّرًا عن
أفكاره وأخطائه التي لن ينقذه من السؤال عنها
في الآخرة، سوى التكفير عنها بالحج. وكذلك كل
من يذهب.
*
العيد.. *
يظهر
عيد الأضحى كاحتفالية دينية في فيلم: "الجنتل"
إخراج علي عبدالخالق- 96"، فنحن نرى مظاهر
العيد ممثلة في اللافتات والتعاليق، ومحل
الدرَّجات (العَجَل) الذي زين درّجاته
بالأوراق المزركشة، والأطفال في ملابسهم
الزاهية. ثم هناك شعائر التضحية.. من ذبح،
وتوزيع اللحوم على الفقراء والأحباب.
*
* *
ولكن
للعيد صورته الأخرى.. فهو قد يأتي ويحمل
الكثير من الهموم للآباء والأمهات والأطفال.
ففي
فيلم: "حياة أو موت –إخراج
كمال الشيخ- 1952م"، نرى أبًا يقف أمام "فاترينة"
محل ملابس يعرض ملابس للأطفال.. وهو يتألم
لعجزه عن شراء فستان جديد لابنته الصغيرة،
والعيد على الأبواب.
وفي
فيلم "لك يوم يا ظالم –إخراج
صلاح أبو سيف- 1951م"، نرى الفيلم يبدأ أحداثه
مع الساعات الأولى لفجر يوم العيد.. فهناك
أصوات التهليل والتكبير في الخلفية،
والأطفال في الحارة يحتفلون بالعيد بملابسهم
الجديدة.
*
* *
هكذا
ظهرت الأعياد الإسلامية في السينما المصرية..
مجرد مظاهر.. تتعامل مع القشور من فكرة "العيد
" دون الجوهر ، أو مجرد تحديد للتاريخ، دون
أن يكون له أهمية في أحداث الفيلم، أو تطوير
الموقف، أو توضيحًا لمعنى.
*
أغاني المناسبات *
تبقى
الإشارة إلى أن هناك بعض الأفلام تحتوي على
أغنيات تتحدث عن العيد في المطلق "دون
تحديد أي عيد"، كأغنية أم كلثوم "يا ليلة
العيد أنستينا" –فيلم
فاطمة- إخراج أحمد بدرخان- 1947م"- دون أن تعني
الأغنية أي ارتباط بأحداث الفيلم، وإنما هي
مجرد فرصة لمناسبة، تنتهي بانتهاء الأغنية في
الفيلم. وهناك أيضًا أغنية نور الهدى "هلّ
هلال العيد" في فيلم "عايزة أتجوز – إخراج أحمد بدرخان – 1952م".
*
* *
إقرأ في عدد العيد:
لَيْلة
العيد..قبل قَرْن فات!
سيناريو ليلة عيد
أفريقيا تحج من هنا
علي شريعتي: الحج..صور وتفسيرات أدبية
ثقافة وفن
|