|
فرحان..!
لست
أنا بالطبع، فبيني وبينها –الفرحة-
مسافة من الألم الداهم والتردد والحمق!.
أما المنزوي
في مهده فرحان، أبوه سعيد وأمه لطيفة هذه
أسماؤهم لا صفاتهم، وإن كانوا جميعًا أسماء
على مسميات، تبدو مرسومة على الشاشة من وحي
خيال، لكنها أصداء لواقع نتجرعه كل يوم، هي
قصة "المتبقي" من أحلامنا ومستقبلنا،
وأطلال لم نقف عليها وكدنا ننساها.
كل هذا شجن
يثيره سيف الله داود المخرج والكاتب، الذي
قدم فيلمه "المتبقي" ليرصد لحظة اجتياح
اليهود لأرضنا، لم يصرخ ولم يهتف، فقط لحظة
إنسانية عندما قتلت عصابات الهاجاناة لطيفة
وسعيد، وأخذت "فرحان" لتعطيه لأسرة
يهودية استقدمتها من بولندا، وأصبح فرحان "موشيه"!
جدته التي
فقدت جميع أبنائها في مجازر اليهود، لم يعد
لديها سوى الحفيد لتنقذه، وتعيده لأهله (فرحان)،
وتنجح بالحيلة ليظل هو "المتبقي" ألمنا،
ليس الحفيد فقط، بل الفيلم نفسه، الذي التقط
أعنف لحظة في التاريخ العربي ليتعامل معها
بشاعرية وهدوء متسرب للنفس دون زعيق أو
خطابية وصراخ، ويعلمنا كيف يكون سلوكنا إذا
حلكت الأيام.
السلوك الذي
يخاطب الإحساس والنفس في عمقها فيفهم إشارات
اللفظ والمعنى على حقيقتها ويستجيب، معيدًا
لثقافتنا أهم خصائصها الكامنة في المعاني
المتجاوزة غير المباشرة.
أما
الكارثة، فهي الفعلة السوداء التي قام بها
أحدهم على شريط الفيلم، متدخلاً دون حق في
صوره، حاشرًا كلمات ساذجة كتعليق على الأحداث!!،
فيخرجك من جوه الجميل إلى صفعة على وجهك تثير
أعصابك ممن فعلها، حتى نهاية الفيلم وأحداثه
تدور في حيفا، تجد بعضهم قد حشر صورة من هنا
وهناك وأغاني أناشيد ما أنزل الله بها من
سلطان، بدعوى إبراز المعنى..!!، كأن المخرج
الذي أبدع فيلمًا يتجاوز زمنه الساعات الثلاث
لا تستطيع أن تغفل عن ثانية منه، عاجز عن
توصيل المعنى بقوة ووضوح.
وهذه مشكلة
كثير من أصحاب الدعوة والفكرة التي تطم
فكرتهم على إحساسهم فتغطيه، فتخرج الكلمات
باردة وإن كانت عظيمة، مجمدة وإن كانت مهمة،
فلا تتسرب إلينا، كما يفعل الفن الجميل، بل
تدهمنا لنتوقف أمامها ونتعارك.
فرحان
في مهده حلم لنا يكتمل بالتصديق والإحساس،
والصائحون على كل صعيد، الهاتفون في كل جمع
وساحة، هم شوك الورد، الذي بسببه تجرح أيدي
المحبين!.
حسام الدين
ثقافة وفن
|
|
|