بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 
فجوة العلم والمعرفة في عصر المعلوماتية
-يونس-

 
       من أهم ما تؤكده الدراسات المستقبلية عن شبكة العنكبوت، وتأثيرها الكبير والسريع في حياة البشرية، أنّ التطورات التقنية الجارية ستجعل من مختلف ميادين العلم والمعرفة، الأساسية وذات العلاقة بالمعيشة اليومية، أشبه بمكتبة عامة، مفتوحة لكل من يقصدها ليستفيد منها من البشر !..  
       ولكن السؤال الأهم الذي تطرحه تلك الدراسات نفسها هو: من سيكون قادرًا على استخراج المعلومات وتوظيفها ؟.. ومن سيعجز عن ذلك فيعجز عن الإفادة العملية من "عصر المعلوماتية"، وما يوفره من تقنيات وإمكانات مذهلة ؟..  
       إن ثورة نقل المعلومات بدّلت مفهوم " الأمّية " تبديلاً جذريًا، فلم يعد المقياس يقتصر على العجز عن القراءة والكتابة، بل بات يشمل العجز عن استخدام وسائل الاتصال الحديثة رغم إتقان القراءة والكتابة، مع فارق رئيسي، وهو أنّ مفعول الفقر يلعب دورًا أكبر بكثير في انتشار الوجه الجديد من الأمية، ويمكن أن يكون الفقر العام في بلد من البلدان أبعد تأثيرًا من الفقر الفردي، إلى جانب ضياع مبدأ المساواة والتكافؤ بين سكان البلد الواحد، وعلى مستوى المجتمعات البشرية.  
       هذا الشكل الجديد من أشكال الأمية ينتشر اليوم في البلدان المتقدمة نفسها وليس في البلدان النامية فقط، وقد أثبتت الدراسات الاستطلاعية، أن انتشار استخدام الشبكة لتحصيل المعلومات من خلالها، ما زال مقتصرًا في الدرجة الأولى على الطبقات الثرية والمتوسطة في المجتمعات الغربية، بدءًا بالمجتمع الأمريكي نفسه. ولا يستهان بذلك عند ملاحظة أن 20 % من الأطفال والناشئة الأمريكيين، لا يجدون ما يكفي لسدّ رمقهم، ناهيك عن شراء جهاز حاسوب وتوفير وصلة شبكية له. هذا فضلاً عن الفصام الكبير القائم بين عالم العامة من السكان وبين عالم المال، حتى أن وزير البناء الأمريكي آنرو كومر يقول: إن كثيرًا من الأمريكيين لا يعرفون ما تعنيه كلمة مؤشر داو جونس، في أكبر سوق مالية عالمية في نيويورك، حيث تتحرّك أموال زهاء ثلاثة ملايين أمريكي من الأثرياء، وأموال شركات تبلغ الميزانية السنوية في كل منها أكثر من قيمة ميزانيات 100 دولة نامية معًا.  
       وما يقال عن الوضع داخل مجتمع البلد الرأسمالي يقال بصورة أشد وأبلغ عن الوضع في نطاق المجتمع البشري، فعندما يصبح مرض نقص المناعة المكتسبة في مقدّمة أسباب الوفيات في البلدان الأفريقية؛ لافتقاد المال اللازم لتغطية نفقات مكافحته، يصبح من فضل القول السؤال عمّا تعنيه الفجوة العلمية الجديدة التي تصنعها هوة الثراء والفقر، وهي تزداد عمقًا واتساعًا، فتزيد من مفعول الحلقة المفرغة للفقر والتخلف ونتائجهما.  
       إن أخطار الفجوة العلمية الجديدة في العصر الشبكي، أشدّ تأثيرًا على مستقبل البشرية، لا سيما في الجنوب، من سائر ما نشأ من فجوات مشابهة في ظل سيادة الرأسمالية عالميًا في القرن الميلادي العشرين، وإذا أصبحت بعض الدول المتقدمة تخشى على نفسها من تلك الفجوة، فما بالنا بالبلدان النامية !. لقد أقدمت الدول الأوروبية في الآونة الأخيرة على سلسلة من الإجراءات التي تعطي ما يُسمّى " ثقافة الشبكة " مكانة متقدّمة، وخصصت ميزانيات مالية ضخمة لتقطع على هذا الصعيد شوطًا يمكّنها من اللحاق بالأمريكيين، رغم أن الفارق بين الطرفين لا يعدو حسب تعبير الخبراء تخلّف بضعة شهور ولا يصل إلى ما يعادل عامًا واحدًا!..  
       الشبكة .. والمعلومات عبر الشبكة باتت مصدرًا رئيسيًّا من مصادر البحث العلمي في مختلف معاهد الدراسات، وباتت وسيلة يعتمد عليها الباحثون اعتمادًا رئيسيًّا في عرض ما يصلون إليه، ومتابعة ما يصل إليه سواهم، وإيجاد صور جديدة من أشكال التعاون عن بعد؛ للوصول إلى نتائج أدقّ وأسرع في مختلف الميادين. كما أنها باتت وسيلة مندمجة في بقية وسائل الإعلام والتوعية والتعبير عن الرأي، ووسيلة من وسائل النشر، مما اتسع نطاق تأثيره ليشمل دوائر تتسع باستمرار بعد سقوط الحواجز والمسافات الجغرافية .. كما أصبحت وسيلة رئيسية من الوسائل التي تعتمد عليها تقنية الحاسوب فيما وصلت إليه على صـعيد وضع التصاميم الهندسية، وبرامج الإنتاج الصناعي، والمخططات الإدارية، وحتى في ميادين الرعاية الطبية والصحية .  
       وتوظيف الشبكة في ميدان الخدمات العامة .. كتسيير المعاملات الإدارية عن بعد، وتسديد الحسابات المالية، والتجارة الشبكية، وما شابه ذلك، يعني اختصارًا كبيرًا لعنصر الوقت الذي تستهلكه تلك المعاملات والخدمات بالصـورة التقليدية، مما يعني بدوره توفير فرص أكبر يمكن عند الاستفادة القويمة منها، أن تساهم في تحصيل علمي وثقافي أو في إنتاج صناعي وزراعي.  
       ولا نهاية لهذه الأمثلة .. التي تبيّن أن المسألة ليست مسألة ارتفاع المستوى الفكري والثقافي في حوار أو ندوة أو مؤتمر، بل يدخل مفعول الفجوة العلمية بتأثير الشبكة، إلى مختلف ميادين الحياة، ويتحوّل إلى عنصر حاسم في حركة التقدّم أو استمرار التخلّف على أوسع نطاق .  
       ما الذي يمكن صنعه في بلد من البلدان النامية لمواجهة تلك الفجوة في الوقت المناسب، أو للتخفيف من آثارها وعواقبها على الأقل على المدى المتوسط والبعيد ؟..

لقد تحرّكت بعض البلدان المتقدمة منذ فترة وبعضها الآخر يتحرك الآن في ميدان رئيسي، وهو تأمين دراسة علم الحاسوب وما يتصل به في المدارس، والتشجيع على الانتساب إلى الفروع الجامعية ذات العلاقة، وزيادة أماكن التأهيل المهني في قطاعات البرمجة وتقنيات الاتصال الشبكي.  
       وهذا مثال .. ونعلم على صعيده أن حاجة التلاميذ والطلبة في بلادنا إلى الارتباط المبكر بعالم الشبكة وتقنياته أكبر بكثير وأشد ضرورة لبناء المستقبل، من حاجة الجيل الناشئ في بعض الدول المتقدمة القلقة على مستقبلها الشبكي .. ولئن كانت العقبة الرئيسية في بلد من البلدان العربية أو الإسلامية عقبة مالية فلا بد من تجاوزها وفق قاعدة " الحاجة أم الاختراع "، بفتح الأبواب الموصدة أما المبادرة الذاتية، والتشجيع على ابتكار الأفراد والروابط والمؤسسات المحلية الشعبية والرسمية للوسائل المناسبة، وفق الظروف القائمة والمعطيات المتوفرة في كل بلد أو مدينة أو حي سكني، وإطلاق أيدي أصحاب العلاقة أنفسهم للتحرك، ونوفر الدعم حيث يمكن توفيره.
 
       في المثال المذكور .. قد يكون مستحيلاً تغطية النفقات المالية لتزويد سائر المدارس في منطقة ما، بأجهزة حاسوب ووصلات شبكية؛ ولكن يمكن الشروع في التعويض عن ذلك عبر تعاون منظم بين ممثلي قطاع التدريس والطلبة أنفسهم على منهج يسمح بالتعاون بين أكثر من مدرسة في بلدة واحدة، أو مقاطعة سكنية واحدة .. وعبر الاستعانة بالشركات ذات المصلحة في أن ينشأ جيل يقتني منتجاتها وبرامجها ويضمن مستقبلها التقني. وربما كان الجهل أو انخفاض مستوى الوعي أحد الأسباب الرئيسية من وراء وقوف بعض الأسر عقبة بين أبنائها وبين مستقبلهم الشبكي، فلا غنى عن حملة مكثفة عبر المؤسسـات الرسمية وغير الرسمية لتجاوز تلك العقبة.  
       ويمكن تعداد مزيد من الأمثلة، على مستوى نشر التقنية الشبكية في الجامعات والمعاهـد العليا، وفي المؤسسات والشركات، وعلى صعيد الخدمات العامة، وغير ذلك .. وسنجد غالبًا أن معظم ما يمكن صنعه في الوقت الحاضر لمواجهة المشكلة يعتمد على إطلاق المبادرة الذاتية بدلاً من خنقها، وتعزيز الثقة بها بدلا من التشكيك فيها، ودعمها بدلاً من التضييق عليها .. كما يعتمد بالمقابل على التحرّك بالمبادرات الذاتية وطرحها بصورة عملية مباشرة، حيث قد لا يكون في وجهها عائق سوى العائق الذاتي.  
       وعلى سائر الأحوال يجب أن يتم التحرّك بالمقدار المناسب وفي الوقت المناسب، فقد ضاق الوقت، ويكاد يفوت الأوان في قضية تنطوي على حساب سـرعة انتقال المعلومات بأجزاء الثانية، فما أخطر أن نتعامل معها بأسلوب التفكير لسنوات .. والتخطيط لسنوات أخرى .. وربما تعطيل القرار في نهاية المطاف لأسباب لا علاقة لها بالقضية المطروحة، بل قد تكون ناجمة عن جهل لا مبرر له.


اقرأ في نفس الزاوية: 
معلومات مبصرة

ثقافة وفن

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع