|
|||||||||||||||||||||||
|
|||||||||||||||||||||||
|
|||||||||||||||||||||||
|
|
|||||||||||||||||||||||
|
جو من الغموض والشجن الساحر، واستدعاء لحكايات الأساطير، وصورة عروس البحر، تظلل وجه الساحل في أيام "النوَّة"، وعلى قدر غضبة البحر وارتفاع موجه، وشدة المطر وطول هطوله، تغسل المدينة وجهها وتتزين، رغم غياب الشمس المحجوبة.. تعم بهجة متسللة محبوبة. تستمد المدينة إذن دفئها من داخلها، وتستعين على غياب الشمس بالحكايات المروية عن البحر وصولجانه المفقود، وتعود فترسم معالم تراثها وثقافتها على وجوه الناس وسلوكهم، الذين يزيد انتماؤهم إليها وارتباطهم بها في الأيام التي يحجب فيها الغيم الشمس فيطفئها، ويظل شعاعها يغالب السحب الثقال. الفطرة والطبيعة والحب أضلاع ثلاثة لمثلث العلاقة بين الناس وثقافة المكان، طعمه وروحه وخصوصيته، إذا فقد أحد عناصرها، اغترب الناس وهم ما يزالون يراوحون مكانهم، واختل التركيب فينهار المثلث من أضلاعه، ونصبح غرباء في مكاننا وبين أهلنا، نبحث عن ثقافة نستعيرها "معولمة"! لا طعم فيها لنا، ولا يحكم معالمها حب أو فطرة، بل تستمطر مطرًا صناعيًا، وتخلق دفئًا بعيدًا عن نور الشمس مصنوع وموظف حسب الطلب! فيفقد البحر سحره وتضيع أساطيره، فما الحاجة لدفء الأسطورة، إن كانت أحلامك صناعية حسب الحاجة ووفق الساعة وتحت الأمر؟! ذق فإن استطعمت نجوت، وإن ازدرت وبلعت فهي ثقافة مثل الكبسولات الغذائية التي يأخذها الصاعدون في مراكب الفضاء لتغنيهم عن الغذاء! "لا تطفئ الشمس" ليس مجرد عنوان لرواية لإحسان عبدالقدوس، وليست حالة يستدعيها أهل الساحل بحثًا عن الدفء في أيام النوة، بل هي صيحة تحذير متكررة، يغفل عنها الكثيرون، كلما أقيم مهرجان ثقافي أو ندوة أو مؤتمر، فالجنادرية في الخليج ومعرض الكتاب في القاهرة، وقرطاج في تونس وجرش في الأردن، وغيرها كثير على امتداد الوطن العربي، يظلها غيم الحداثة، وتحجب سحب التيه الثقافي أصالة الإبداع والتذوق، فتفقد الأشياء معانيها، لأن الشمس مطفأة، ولا يوجد من يستدعيها بالخيال أو الإبداع الذي يحمل طعم المكان ورائحته وثقافته! إذا تحولت الثقافة لإبداع "عمومي"، لا خصوصية فيه، وإذا ارتبط الفن دائمًا بالخطيئة، فلن تصبح الكلمة الطيبة صدقة، ولن تصبح البسمة صدقة ولن تكون الأغنية ملخصًا للحالة الاجتماعية، بل يصبح المقياس هو المنفعة والوظيفة، ويصير الناس آلات تحمل ملامح بعيدة لأطلال بشر. إذا تعاجمت اللغة، وظل حال الإبداع على هذا الهوان الذي نلقاه في تلك المهرجانات الثقافية، وظلت معلقات الشعراء طلاسم لا يستطيع الشباب فك رموزها، فربما ساعتها نجد من يصدق أن الدين أفيون الشعوب، لأن الكلمات لم تعد تحمل معانيها، بل تحمل وظائفها!
حـسـام الـديـن
|