|
|||||||||||||||||||||||
|
|||||||||||||||||||||||
|
|||||||||||||||||||||||
|
|
|||||||||||||||||||||||
|
د. أسامة القفاش
القوة المحركة للحضارة الغربية تتمثل في قدرتها المذهلة على التكيف وإصلاح أخطائها وتجديد ذاتها.وهي قد تخدعنا أحيانا كثيرة فنظن أن الانهيار قادم ووشيك فنجد صحواً وعودة، وتخدعنا فنعتقد أن البناء سليم ومتين ثم ينهار فجأة. وأعتقد أن هذه الخاصية أي التكيف والإصلاح هي نتاج العقلية النقدية، حيث إن العقلية النقدية هي أحد أعمدة الحداثة الغربية. فعملية النقد تعرض النص دائماً لهجوم من نص آخر جديد مختلف عنه ويعارضه، يهدف هذا الهجوم إلى كشف ما وراء النص وما بين السطور وسياق النص وسبب النص، ومن ثم تصير عملية إعادة إنتاج النص نوعاً من تفكيك وتدمير النص الأصلي، ومن ثم فهي عملية سلبية رغم أنها أخلاقية، أي أنها تمثل نوعًا من ضمير النص الضابط له. بيد أن كونها سلبية يعني أنها تعاني من نقص عدم القدرة على إثمار نتاج حقيقي. ونرى هذا بوضوح في سلسلة أفلام التدمير والعنف التي ظهرت في بداية التسعينيات وأواخر الثمانينيات، حيث ينتهي المدمر وعدوه معاً كما في المدمر (لجيمس كاميرون) والقمة المزدوجة (لدفيد لينشي) وغريزة أساسية (لبول فيرهوفن) ونرى هذا أيضاً في فيلم يوم الاستقلال (حيث تقوم المخلوقات الغربية بتدمير موارد الكوكب وتدمير نفسها). إن المثال الأكثر جلاء في هذا الصدد هو مثال الفيروس حيث يدمر الفيروس العائل ولكنه يدمر نفسه في نفس الوقت، ونستطيع أن نرى الفوضى الناجمة عن العملية السلبية في الحركة التفكيكية ومنتجاتها الفلسفية من عدمية وسلبية وحركات الفن القبيح والتي عبرت عن نفسها في السينما كما أسلفنا في أفلام العنف والشظى والتدمير والتحول المستمر دون أي نقطة مرجعية. وهنا تأتي خاصية التكيف حيث تحاول العقليات النقدية نقد العنصر العدواني التدميري وتوجيه الحضارة ككل نحو منطلق أخلاقي، بيد أن المعضلة هنا هي أن النص النقدي لا ينتج نصاً جديداً وإنما يدمر النص القائم ولا يراجعه. والنقد هنا لم يعد لمجرد آثار عملية العدوان أي أنه نقد لسلبيات يمكن تصحيحها، وإنما هو نقد للعملية البنائية في الحضارة ذاتها، يظهر هذا النقد جليا في السينما بوصفها الفن الأكثر تعبيراً عن القرن العشرين. ففي الخمس سنوات الأخيرة ظهرت عدة أفلام من عمل فنانين يمكن وصفهم بأنهم نجوم أفلام ما بعد الحداثة مثل دافيد لينشي وجيمس كاميرون وشارون ستون وبروس ويليس وغيرهم. هذه الأفلام تحاول البحث عن مركز أو عن نقطة مرجعية قيمية تستند لها ومن ثم تبرر عملية العدوان الوحشي وتقلل من آثارها الأخلاقية؛ لأنها تطرح أسئلة تخص القيم المرجعية للحضارة الغربية. فمثلاً هل يمكن التضحية بالروح البشرية من أجل إنقاذ المجتمع؟ وهذا هو محور فيلم "صعود عطارد" لبروس ويليس حيث يحاول البطل (بروس ويليس) إنقاذ طفل ذاتوي (مريض نفسياً منغلق على ذاته) ولكنه يتمتع بالقدرة الفائقة على حل الألغاز حتى إنه حل شفرة حماية العملاء المعقدة التي ابتكرتها المخابرات، ويريد رجل المخابرات (إليلور ألوين) قتل هذا الطفل لحماية الديمقراطية وحماية رجاله.. ويتواجه الاثنان في عملية تنتهي بتدمير رجل المخابرات وانتصار الأخلاق، أو تطرح تلك الأفلام سؤالا آخر: هل تنتهي الجريمة بانتهاء المجرمين؟ وهل المجرم مريض منعزل أم المجرم جزء من المجتمع ويحيا حياته ولكنه يستفيد من حالة العدوان القائمة فيه؟ كما في فيلم 8 مم حيث يحاول المخبر الخاص "نيكولاس كاج" اقتفاء أثر جريمة مسجلة على فيلم مقاس 8 مم تمارس فيها فتاة الجنس ثم تقتل بوحشية، ونكتشف أن المجرم المسمى بالوحش والآلة هو شخص عادي طبيعي يمارس عمله الحياتي وهذا الدور الآخر هو عمل إضافي لكسب مزيد من النقود. وهل يمكن عودة القيم الأخلاقية المسيحية كالحب الذي يشفي من اللعنات كما في فيلم السحر العملي لينكول كيدمان وساندرا بوللوك. بيد أن السؤال الأخطر والذي تطرحه العديد من الأفلام مثل فيلم الشبكة لساندرا بوللوك وفيلم المادة Matrix لكيانو ريفز وغيرها.. هو: هل نعيش في عالم حقيقي أو عالمنا هذا عالم وهمي خيالي؟ في فيلم "الشبكة" تتعرض مبرمجة الحاسوب (ساندرا بوللوك) لموقف غريب حيث يتم محو بياناتها ووضع بيانات مجرمة بدلاً منها…….الفرد هنا يمكن إلغاؤه واقعياً بإلغائه من ذاكرة الحاسوب، وبينما تنتصر الفتاة في النهاية نرى أنها تدفع ثمن انتصارها غالبا بموت أصدقائها وأعدائها معاً. وفي فيلم "المادة" يتعرض صانع البرامج "كيانو ريفز" إلى دخول عالم مواز في الحاسوب هو العالم الحقيقي حيث صار العالم اليومي عالماً خيالياً تتحكم فيه المادة بطريقة تذكرنا بمسرحية يونسكو" الكراسي" حيث تغزو المادة العالم عن طريق الكراسي التي يصنعها الزوجان بلا انقطاع. والسؤال الآن: هل من سبيل للهروب من هذا المأزق؟ الإجابة هي هذا البحث المستمر عن المعنى والمركز، الذي تحاوله هذه الأفلام وغيرها.. كلها تبحث عن معنى في البعد الروحي للإنسان وتحاول طرحه بشكل مغاير لشكل الكائن الغرائزي المادي وإنما ككائن متجاوز يحاول استخدام الكائن كبعد رمزي ليستطيع الخلق، بيد أنه ليس الخالق. ونتيجة عجز هذه الأفلام بل والفن كله عن إيجاد نقطة مرجعية ونص كلي مطلق لا تستطيع السينما الغربية أن تجيب عن السؤال المحوري: هل الإنسان سيد الكون أم أنه سيد في الكون؟ وأن ثمة خالقا متعاليا هو الله الواحد الأحد
|
|
|||||||
|
|||||||
|
كلمة الشيخ القرضاوي | شروط الخدمة | حقوق النشر محفوظة @ 1999 - 2008 إسلام أون لاين.نت |
|||||||