|
عصر الفضائيات العربية
نوال السباعي
أكثر من ثلاثين عامًا مرت، عشنا فيها حقبة النكسة، جيل ولد وترعرع في ظل الهزيمة، وتحولت حياته إلى مجموعة من القناعات السلوكية التي يُعبر من خلالها عن هذا العصر الذي صنعنا جميعًا حكامًا ومحكومين، عصر الضياع والتشبث بحبال فُتِلَت أليافها في الشرق والغرب وألقيت إلينا في متاهتنا، فتمسكنا بها، وذبح بعضنا بعضا دفاعًا عنها، ولم نجد على الرغم من ذلك ملجأ ولا مخرجًا ولا فرارًا!.
ولقد عشت في أسبانية هذه الأعوام العشرين الأخيرة أشهد فيها يوما بيوم خروج أسبانية من نكستها التاريخية، وارتكاس أمتنا في دياجير ضياعها الفكري والثقافي والحضاري، بينما كانت تغييرات هائلة تجري في حياة الأمة الأسبانية التي بدأت تشهد تحولات اجتماعية جذرية فريدة من نوعها في تاريخ أوروبة على الأقل.
ولقد اعتمدت عملية التحول هذه -وبصورة استثنائية- على الدور الخطير الذي لعبه "جهاز التلفاز" في أسبانية، والذي أشرفت عليه لجان "متخصصة في الدراسات الاجتماعية والنفسية، وفرق عالية الجاهزية، واستطاعت إحداث هذه النقلة الثقافية، الحضارية، الاجتماعية، الإنسانية في حياة شعب كان يصنف في منظومة دول العالم الثالث قبل عشرين عامًا فقط.
وقد لعب الإعلام دورًا راقبته بنفسي خلال هذه الأعوام، قفز بالشعب إلى مرحلة متقدمة من التنظيم الاجتماعي، والعيش في ظل القانون، واحترام الإنسان وحقوقه، والعمل الدؤوب على حماية دولة الحريات والدستور، والحفاظ عليها، والإسهام الفردي والجماعي في بنائها وتطورها..وذلك بعد أربعين عامًا قضاها هذا الشعب بقومياته ولغاته المختلفة، في قبضة حكم ديكتاتوري لا يختلف في وحشيته عن جميع الأنظمة المستبدة في عالمنا.
كان ذلك كله يحدث في أسبانية بينما أمتنا غارقة في جمودها، واجترار نكبتها، مراوحة في مكانها، على الرغم من هرولتها نحو عالم التقنيات العلمية الحديثة لدخوله، دخول السلحفاة التي تغذو السير نحو أية كوّة نور تنفتح أمامها، دون تبصر ولا تفكير ولا تردد.. وهكذا وجدنا أنفسنا وقبل أن نحل معضلة انغماسنا في هزيمتنا قد دخلنا عصر الفضائيات
العربية.. عصر الألوان والأصوات والتراكمات الثقافية والتعبير البليغ عن الحال الأليم الذي وصلت إليه معظم البلدان العربية لا من التمزق والفرقة فحسب، بل من التخلف الفكري والإنساني والاجتماعي.. وقبل ذلك وبعده ومنه، وللأسف الشديد التخلف الحضاري.
ما هي هذه الفضائيات؟ من أين وكيف ولدت؟ ماذا تعني ما هو دورها على الساحة الشعبية والسياسية والثقافية في بلادنا؟ وما هو موقعها في حياتنا؟ هل تعكس أوضاعنا كما هي عليه؟ أم ترسم خطة ثابتة للخروج من هذا الواقع؟ هل تقدم تصورًا حقيقيًا عن ثقافة الأمة، وتفكيرها وإرادتها وأحلامها وآلامها أم تكرس واقعًا صنعه الاستعمار والاستبداد في كل مكان؟
ما هو دور هذه الفضائيات التي توسمنا فيه الدور ذاته الذي قام به الإعلام المرئي الإسباني في توعية وتثقيف وتحديث المجتمع الإسباني قبل عشرين عامًا؟.
هذا الدور الذي تلخص في ثلاثة محاور رئيسية: إعادة تشكيل العقل العربي المسلم، وصقل رؤية ثقافية تجمع العرب حول محور صياغة فكرية واحدة متطورة، وتوعية الشعوب العربية بالدور السياسي الثقافي الإنساني الحضاري الذي يجب عليها الاضطلاع به؛ لربط ماضيها بمستقبلها في محاولة للخروج من حاضرها الذي تعيشه اليوم على شفا هاوية الذوبان والتفكك الكامل، والعودة إلى أحلام القبيلة، وعصبيات القبيلة، وتفكير القبيلة، وإن لم نكن قد انفككنا عن ذلك قط!
فهل حققت فضائياتنا شيئًا من الدور الذي كان ينتظر منها بعد خمسة أو ستة أعوام من انطلاقتها، في عالم تلاشت فيه الحدود، ولم يعد فيه للتاريخ مكان، ولا للجغرافية أهمية؟؟!… كما صار فيه للحقيقة مكانة شديدة الخصوصية؛ حيث أصبحت سلاحا فتاكا بيد أصحاب النظام العالمي الجديد، الذين لم يفرغوا بعد من قضائهم المبرم على أصحاب النظام الذي حكم العالم خلال الأعوام الخمسين المنصرمة؟! وإنه ليحق لنا أن نتساءل عن الدور الحقيقي الذي لعبته فضائياتنا على صعيد جماهيرنا، الغارق 70% منها في لجج الأمية اللغوية، ويعاني نصف الثلاثين بالمائة الباقي من ازدواجية في الأمية الفكرية، وضحالة في الثقافة، وتخبط في السلوك. فهل دخلنا عصر التقنيات الحديثة، أم عصر الفضائيات المستنسخ بعضها من بعضها من أجهزة الإعلام التي نحن عيال عليها في تسعين بالمائة مما تنتج؟.. أم دخلنا عصر وعي ونهوض وارتقاء وصحوة عامة؟
وما هو دور هذه الفضائيات في هذه المرحلة التي أصبح الناس فيها مشدودين إلى التليفزيون كما يشد الألم يد المرء ليضعها على خدّه ظنًا منه أن ذلك يخفف ما يعانيه.. أم أننا بُهرنا بالقمامة الفنية… فنسينا النكسة والهزيمة، وما عاد يهمنا في زحمة البحث عن اللقمة مصيرنا غدًا أو بعد غد؟!!
|
|
|