|
دم الأخوين .. وعذراء اليمن
محمد عبد العاطي - اليمن
إذا أردت أن تتعرَّف على مكان لم تمتدّ إليه يد بشر بالتغيير منذ آلاف السنين فلن تجد أفضل منها، سمّاها بعض الرحّالة جزيرة "دم الأخوين"، بينما سمّاها البعض الآخر جزيرة العنقاء، ويسمِّيها بعض اليمنيين "عذراء اليمن"، لأن كل شيء فيها على بكارته منذ آلاف السنين، غير أن الاسم المشهور لها الآن هو "سقطري"، وقد أطلق عليها الهنود هذا الاسم منذ ألف سنة قبل الميلاد، وتعني كلمة "سوكوتيرا" في اللغة الهندية القديمة: أرض النعيم والسعادة.
وتبعد سقطري عن الشاطئ اليمني حوالي 600 كم، وعن مطار عدن 800 كم، أما مساحتها فتبلغ 4000: 6000 كم مربع، ولا يسكن في هذه المساحة إلا 20 ألف نسمة تقريبًا.
غير أن قيمتها النباتية والحيوانية لا تقدَّر بثمن، فهي تحتوي على 200 نوع من النباتات التي لا نظير لها في مكان آخر من العالم، من أشهرها شجرة دم الأخوين التي يبدو منظرها كأخوين متعانقين يسيل منهما الدم، بينما في الحقيقة الذي يسيل هو اللِّبان والبخور يسيل من عروقها بعد أن يطعنها الزارع بالسكّين. وتستمرّ عملية الحصاد ثلاثة أشهر تقريبًا، وتسمَّى بعملية الإدرار، حيث تدرّ الشجرة اللِّبان على هيئة قطرات أو بلّورات، وتتوقّف جودة اللِّبان على درجة نقائه وصفائه وقابليته للاشتعال، وأحسن الأنواع هي التي تسمَّى باللِّبان الذكر، وقد عُرفت سقطري بتصدير اللِّبان منذ آلاف السنين، وكان المصريون القدماء يسمُّون لبان سقطري "عَرَق الآلهة المقدس المتساقط من السماء إلى الأرض"، حيث كانوا يستعملونه في الطب والعلاج، ويخلطونه بالبخور في طقوسهم الجنائزية. وكان الإغريق واليونان الذين احتلّوا الجزيرة في وقت من الأوقات يأخذون هذا اللِّبان، ويصدِّرونه إلى بلدانهم، ويستعملونه في الإنارة وصناعة العطور.
إضافة إلى ذلك يوجد في سقطري أنواع مختلفة من الطيور والحشرات التي انقرضت منذ مئات السنين، ولذا فسقطري تعد مُتحفًا طبيعيًا نادر الوجود، أما علماء الجيولوجيا فيهتمّون بسقطري اهتمامًا كبيرًا، لأنها تحتوي على واحدة من أقدم المجموعات الجبلية في العالم.
وقد توالت على سقطري الحقب الاستعمارية المختلفة، فقبل الميلاد بألف عام احتلَّت من قبل الهنود، ثم تبعهم اليونان والرومان والبرتغال، وأخيرًا الإنجليز قبل أن تعود إلى السيادة اليمنية.
وقد اهتمَّت الحكومة اليمنية بهذه الجزيرة العجيبة في السنتين الماضيتين، فأنشأت فيها مطارًا يصلها بالأراضي اليمنية، وبغيرها من دول العالم.
أما أهل سقطري -وكلهم مسلمون- فهم على فطرتهم النقيّة مثلهم مثل جزيرتهم العذراء، فهم يحبّون الدعاة، ويبالغون في كرمهم، ومن العيب أن يقوم أحد المصلين عقب الصلاة إذا وقف الداعية يعظهم، أما إذا كان لديه عذر قهري فيستأذن من الداعية ومن المصلين. ومن العادات التي يلمسها الزائر، والتي ظلّت كما هي منذ أجدادنا العرب: إكرام الضيف حتى وإن كان المضيف فقيرًا، فما إن يصل الضيف إلى الجزيرة حتى يسارع المضيف باصطحابه إلى أحد المجاري المائية ذات الكثافة النباتية الجميلة، ويذبح له شاة، ويقوم بشيِّها، بينما الضيوف يستمتعون بالخضرة وبجمال الطبيعة، ومنهم من يستحمُّ في الماء ليخلِّص جسمه من عناء السفر، وبعد أن يأكل الضيوف ويستمتعوا يذهبون جميعًا إلى بيت المضيف حيث يحلو السمر
ثقافة وفن
|
|
|